كيف نظر الإسلام إلى الحب؟

الرئيسية » بأقلامكم » كيف نظر الإسلام إلى الحب؟
muslims312

مع كل ما يعترض ويعتري حياتنا من مشاكل، ويحيط بنا وبقضيتنا من الصعوبات والتحديات، وفي ظل بطالة قاتلة ورواتب موظفين مقطوعة، وحصار وتضييق خانق، وظلم من القريب قبل البعيد، وخلافات عائلية وتنظيمية ودينية جاهلية، في ظل هذا كله أحببت أن أطير عالياً محلقاً في سماء الصفاء المفقود، والإخاء المقطوع، والمودة الغائبة، أحببت أن أكتب عن الحب، الذي نسيناه وتغافلناه، وأبدلناه في قلوبنا حقداً وحسداً وكراهية وغلاً أسوداً، فخسرنا أنفسنا أولاً، وهَجَرنا وابتعد عنا الناس ثانياً، فكانت حياتنا صحراء قاحلة لا نفعت نفسها ولا نفعت غيرها.

كلنا يعلم أن من المقاصد الرئيسة لرسالة الإسلام إقامة المجتمع على أسس قوية من الترابط والتواصل، ومن أعظم ما يدعم ذلك إشاعة روح الحب والمحبة بين أفراد المجتمع، لما لهذه المشاعر من تأثير كبير وواضح في تقوية العلاقة بينهم، ومِن شدّ بعضهم لبعض، ومن دافعية العطاء، حتى أن المُشرّع اعتبره مكملاً للإيمان، فمن أحب لله فقد استكمل الإيمان.

وأي علاقة قامت بين اثنين أو فئتين على أساس الحب في الله لا يمكن أن تنال منها المشاكل العارضة، ولا تؤثر فيها الماديات المتغيرة، لأن الحب هو صنعة الله التي لا دخل للإنسان فيها إلا الانصياع والانقياد.

والمحبة من أعظم الروابط التي تدعم بناء المجتمع، دعا لها الإسلام وأجزل الثواب للمتحابين في الله، فهم يوم القيامة على منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء، يناديهم رب العالمين أمام العالمين يوم الحشر العظيم، أين المتحابون فيَّ، أين المتحابون فيَّ، أين المتحابون فيَّ، اليوم أظلهم بجلالي يوم لا ظل إلا ظلي.

وكما هو معروف فإن القلوب معلقة بين يدي الله تعالى، يُقلبها كيف يشاء، فيصرفها عمن يشاء، ويؤلف بينها كيف يشاء، فهي خاضعة لأمره ونهيه، وقلوب المؤمنين حبيبها الله، طاعته غاية أملها، وهي لهذا تحب ما يُحب ربنا، وتبغض ما يبغض ربنا، همها كله في رضوانه، وسعادتها في تحقيق مراده.

ومن أعظم التزامات الحب في الله تجاه المحبوب، الإيثار، فالمتحابون في الله يُؤْثر كل واحد منهم غيره على نفسه، ولو كان في ذلك مهلكته وموته، لا ينظرون للمصالح والمنافع المادية بأي نظرة، وهذا ما لا يمكننا أن نجده في أي علاقة إنسانية أخرى، فعلاقات الناس بعيداً عن الحب في الله قائمة على المصالح الشخصية الدنيوية المادية، والتي يحرص كل واحد منهم على نفع نفسه وربما لا يعنيه مصالح الآخرين، وبالتالي لا يمكن لأمثال هؤلاء أن يقدموا شيئاً لغيرهم أو لمجتمعهم، لحرصهم على التمتع واستغلال الآخرين خدماً لهم ولمصالحهم.

ومما يتصف به المحب في الله مدى حرصه على أخيه، وتقديم مرضاة الله على مرضاة الإنسان، فهو لا يُجامل صاحبه على حساب دينه، ولا يُعينه على معصية ربه وإيذاء الناس، بل هو صديق صدوق، لأنه يعلم أن المرء مرآة أخيه، ومن هنا نجد أن المحب يستمتع بحلاوة الحب في قلبه، فهو يورثه سكينة وطمأنينة في قلبه تسري في كل جوانبه، وحديث النبي (ص)، " ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ... وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ... ".

والحب الصادق حب خالص لا يخالطه غرض أو دافع من أغراض ودوافع الدنيا، كالقرابة والشراكة والزمالة، فقط هو أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن هنا يحب لغيره ما يحب لنفسه، ويبغض لهم ما يبغضه لنفسه، فقلوب المحبين لا تعرف الحسد ولا تعرف الحقد ولا تعرف الكراهية فهم القائلون دوماً (اللهم لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا)، ومن هنا عُرف المحبون بصفاء النفوس ونقاء السريرة، وحب الخير للناس عامة.

إن المحب هو أقدر الناس على العطاء بلا حدود، وهم الأكثر نفعاً واخلاصاً، وهم الأقل أذىً وضرراً، وهم الأجمل أخلاقاً، وهم الأكثر سماحة في معاملاتهم بيعاً وشراءً، وهم الأعلى نفوساً، والأرق مشاعراً، والأطيب قلوباً، وهم الأكرم عشرة في أهليهم وعشيرتهم، وهم الأعظم صبراً في مواجهة المحن والصعاب والشدائد، هم أول من يُلبي نداء المستغيث والمكروب والملهوف، فهم البلسم الشافي لجراح الناس، عُبّاد الليل فرسان النهار، وهم أقل الناس تعلقاً بالدنيا ومغرياتها، فلا يغريهم منصب أو مال أو جاه، وإن امتلكوا تلك جعلوها مطية لإسعاد الآخرين.

اللهم اجعلنا من المتحابين فيك، المحبين لك والمحبوبين لديك، الراضين المرضيين.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

وجوب اللعنة على من تجرأ على السنة (4-5)

"إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا". سبق …