الأماني والطموحات، هل نتعبد بها أم نعبدها؟ (3-3)

الرئيسية » خواطر تربوية » الأماني والطموحات، هل نتعبد بها أم نعبدها؟ (3-3)
Is-There-any-Specific-Supplication-After-Reading-the-Quran

قائمة الأماني والأحلام والطموحات لا تنتهي ما دام في ابن آدم نَفَس يتردد، فلا يُحَصِّل واحدة حتى يتوق لأختها، وهكذا دواليك، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب كما أخبر المصطفى عليه الصلاة والسلام. فيما يلي من سطور، إضاءات أرجو أن تكون ربانية، لكل من يبتغي رزقاً أو يرجو أمراً، حتى لا يتحول الطلب من عبادة لله لمتاجرة مع الله!

• ادع دعاء متعبّد بالدعاء:

ويبقى ختام المسك في دعائك لله تعالى، أن تنظر للدعاء على أنه "عبادة" في ذاته، لا مجرد وسيلة أو معبر لأمنياتك وأحلامك. ففي الحديث: (الدُّعاءُ هو العبادةُ) [رواه الترمذي]. والله تعالى يقول: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60]، فالذين لا يدعون في الحقيقة مستكبرون على العبادة؛ لأن حقيقة الدعاء حين يفهم مراده ويؤدّى على وجهه، أنه قمة الافتقار إلى الله تعالى وحوله وقوته، فهو قمة العبودية التي لأجلها خُلِقت، ولذلك كان من فقه سيدنا عمر رضي الله عنه قوله: "إنِّي لا أحمل همّ الإجابة، ولكن همّ الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه" (ذكره ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم).

انظر للدعاء على أنه "عبادة" في ذاته، لا مجرد وسيلة أو معبر لأمنياتك وأحلامك

فالاستجابة مضمونة، ووفاء الوعد من الله سبحانه مضمون، لكن غير المضمون هو أن يكون الدعاء مستجمعاً لشروطه، وأن تكون الموانع التي تمنع من الاستجابة منتفية عنه، مثل عدم اليقين أو عدم حضور القلب، والمال الحرام، وعدم المداومة والإلحاح.
وليس معنى ضمان الإجابة أن يحصل المطلوب بعينه وفي الحال  -كما سلف-، فإن صور الاستجابة تتنوع، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها) قالوا: إذاً نكثر! قال: (الله أكثر)، [رواه أحمد].

وقال ابن حجر في فتح الباري -شرحاً للحديث-: "فكل داع يستجاب له، لكن تتنوع الإجابة، فتارة تقع بعين ما دعا به، وتارة بعوضه". وقال ابن الجوزي في "كشف المُشْكِل": "اعلم أن الله عز وجل لا يردّ دعاء المؤمن، غير أنه قد تكون المصلحة في تأخير الإجابة، وقد لا يكون ما سأله مصلحة في الجملة، فيعوضه عنه ما يصلحه، وربما أخّر تعويضه إلى يوم القيامة، فينبغي للمؤمن ألا يقطع المسألة لامتناع الإجابة، فإنه بالدعاء متعبد، وبالتسليم إلى ما يراه الحق له مصلحة مفوض" اهـ.

ويسرّك أن تعلم أن "الدُّعاءُ ينفَعُ ممَّا نزَل وما لَمْ ينزِلْ ، وإنَّ الدُّعاءَ لَيَلْقى البَلاءَ فيَعْتَلِجانِ (أي يتصارعان) إلى يومِ القيامةِ" [رواه الطبراني والحاكم]. فإذن ادع متعبداً، وأيقن بنفع العبادة وقرب المعبود وكرمه، وأكمل يقينك بالتسليم لاختيار الله تعالى على أنه الخير لك، ولو جاء في غير "الصورة" القاصرة التي تصورتها، فإن العاقبة للمتقين كما وعد المنّان، وإنك قد ضُمنت لك إحدى ثلاث من ثمار الدعاء.

ادع تعبداً وتضرّعاً وخُفية، تلذذ بالمناجاة، ودع قوة الافتقار إلى الله تجبر كسرك، وبرد اليقين بأنه سبحانه سميع قريب مجيب يثلج صدرك، وردد بقلبك: {ولم أكن بدعائك رب شقياً} [مريم: 4].

• لا يعجل الله لعجلة أحد:

ولا يتنافى ما سبق مع الدعاء بقول "عاجلاً غير آجل"، فقد جاءت السنة النبوية بذلك في حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قال: "أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دعا في الاستسقاء، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، مَرِيئًا، مَرِيعًا، نَافِعًا، غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا، غَيْرَ آجِلٍ)، قَالَ: فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ" [سنن أبي داود بإسناد صحيح]. فالاستعجال بمعنى الطمع في تعجيل المطلوب، وسؤال قرب وقوعه من الله تعالى، هو استعجال جائز، بل محمود من باب الطمع في كرم الله عز وجل وجوده وإحسانه، وهو سبحانه يرضى من عباده أن يقدروه حقّ قدره.

وهذا الطمع في كرم الله تعالى، لا ينافي كمال الفهم بأن الخيرة فيما يختاره الله تعالى ؛ لأنه يعلم ولا نعلم، وهو علّام الغيوب واللطيف بعباده.

المذموم من الاستعجال هو استبطاء الإجابة، بالتسخط على تقدير الله عز وجل، والتشكك في جوده وكرمه، والتذمر من عدم تحقق المراد في الوقت الذي يريد، حتى ييأس ويترك الدعاء

أما المذموم من الاستعجال فهو استبطاء الإجابة، بالتسخط على تقدير الله عز وجل، والتشكك في جوده وكرمه، والتذمر من عدم تحقق المراد في الوقت الذي يريد، حتى ييأس ويترك الدعاء، فالله عز وجل لا يرضى أن يضيق قلب عبده المؤمن به، ولا يعلم أحد الغيب إلا الله، فكل شيء قدّره الله تقديراً وهو العزيز العليم، اللطيف الخبير: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: 49]. وهذا المذموم هو المقصود في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) [رواه البخاري].

وإن القدر سيجري عليك في كل حال بما هو كائن، فإما أن يجري عليك القدر وأنت مأجور أو وأنت مأزور ، هذه خلاصة قصة الرزق مهما كان مبتغاك، فما كان لك فهو آتيك على ضعفك، وما لم يكن لك لم تستجلبه بقوتك، فأجمل في الطلب ولا تستبطئ رزق الله.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

اتباع الهوى والسقوط نحو الهاوية!

خلق الله الإنسان وأمده بأسباب بقائه واستمراره في هذا الوجود، غير أنه جل شأنه رضي …