وا إعلاماه (1-2)

الرئيسية » بأقلامكم » وا إعلاماه (1-2)
o-MEDIA-facebook

إن الكلمة في ديننا الحنيف أمانة كبيرة، فالمرء يدخل الإسلام بكلمة، ويخرج منه بكلمة، وتكتب له الدرجات العلا في الجنة بكلمة، وينكب على وجهه في دركات النار بكلمة. وكذلك يتزوج بكلمة ويُطلِّق بكلمة ويُعتق بكلمة.

قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء {24}‏ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ {25} وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ {26}" (سورة إبراهيم).

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "لا يَسْتَقِيمُ إِيمانُ عبدٍ حتى يَسْتَقِيمَ قلبُهُ، ولا يَسْتَقِيمُ قلبُهُ حتى يَسْتَقِيمَ لسانُهُ، ولا يدخلُ الجنةَ رجلٌ لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوَائِقَهُ" (صحيح الترغيب).

وعن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي ﷺ قال: "إذا أصبحَ ابنُ آدمَ فإنَّ الأعضاءَ كلَّها تُكفِّرُ اللِّسانَ فتقولُ اتَّقِ اللَّهَ فينا فإنَّما نحنُ بِك فإن استقمتَ استقمنا وإن اعوججتَ اعوججنا" (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

معنى (تكفر اللسان): تتوسل للسان وتخضع له.

إن كلمة الإعلام من الكلمات السامية ذات الدلالة العميقة بعمق كل معاني الصدق والموضوعية والتجرد، والمعاني الواسعة باتساع كل معاني الشفافية والوضوح والأمانة، ولما لا، فلقد كانت مهمة الأنبياء هي إعلام الناس عن الله تعالى، شرعه، جنته وناره، ثوابه وعقابه... الخ. وهذه المهمة تتلخص في (الهداية والبشارة والنذارة) وهذه الكلمات الثلاث تتلخص في كلمة واحدة وهي (الإعلام).

من الملاحظ أن كلمة الإعلام قد اتفقت في وزنها اللغوي مع كلمات (الإسلام- الإيمان- الإحسان) وهذا الاتفاق ليس من باب المصادفة بل يرسخ هذا المفهوم ويؤكده.

ميثاق الشرف الإعلامي: عندما صدر ميثاق الشرف الإعلامي العربي بالدار البيضاء في 15 سبتمبر عام 1965 أوجب الميثاق على الإعلام العربي: "أن يعمل على تأكيد القيم الدينية والأخلاقية الثابتة، والمُثل العليا المتراكمة في التراث البشرى، وأن ينشد الحقيقة المُجردة في خدمة الحق والخير، ويسعى إلى شد الأواصر، وتعميق التفاهم والتفاعل والتبادل، مادياً ومعنوياً، في المجتمع العربي والدولي... الخ".

ولأهمية الدور الإعلامي أصبح من المتعارف عليه أن الإعلام هو السلطة الرابعة في كل دولة بعد السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية.

- المفهوم السيئ للدور الإعلامي: لقد استهدف ميثاق الشرف الإعلامي تقديم الصورة المُثلى والوصول بالمهنة إلى المكانة اللائقة بها. ولكن للأسف نجد أن الرسالة الإعلامية في وقتنا الحالي قد فرغت من مضمونها -إلا ما رحم ربي- وأصبحت بُوقاً لصاحب السلطة أو لصاحب المال أو لصاحب الهيمنة والسيطرة والنفوذ، تمدح وتقدح وفق السياسة العامة والتوجهات الحاكمة دون مُراعاة لآداب وأخلاقيات المهنة ودون التزام بميثاق شرفها. ونتج عن ذلك بعض المصطلحات الدخيلة على هذه المهنة مثل (التضليل الإعلامي- التعتيم الإعلامي- التراشق الإعلامي- التصفية الإعلامية- الصحافة الصفراء) إلى غير ذلك من المصطلحات التي شوهت صورة الإعلام وأفقدته مصداقيته.

إن من المشاكل الخطيرة التي يعانى منها الإعلام هو خلط الأدوار والوظائف فى ذهن الإعلامي، حيث يعيش الإعلامي دور المذيع والبطل والناقد والزعيم والمثقف أو المسئول والمحرض والقاضي وصانع القرار، وينسى دائماً أنه مجرد أداة (نقل، وتفسير، وتوضيح، ومناقشة ) وليس خطيباً أو قاضياً أو زعيماً.

المفهوم السيئ لحرية الإعلام: إن حرية الإعلام تعني عدم فرض القيود على المهنة أو على من يمارسونها وعدم حجب المعلومات عنهم أو تزويدهم بمعلومات مشوهة أو مبتورة. وفي المقابل يجب على الإعلامي أن يكون على مسافة واحدة من جميع الأطراف دون تحيز أو مُحاباة مُراعياً آداب وأخلاقيات المهنة. ولكن هذا المفهوم للحرية كثيراً ما يُساء فهمه أو استعماله.

فتحت مُسمى (حرية الإعلام) نجد أن هذه الحرية قد انطلقت لكي تتبع العورات وتبث الشائعات وتتعرض لأدق التفاصيل الشخصية في حياة رموز المجتمع مما يُعد تشهيراً وتضييقاً وتجريحاً.

وتجد الألفاظ النابية والمشاهد الخليعة التي لا تتفق مع شرع ولا عُرف ولا قيم.

وتجد التقليد الأعمى للمجتمعات الغربية في عاداتها وتقاليدها بما لا يتفق مع الشرع ولا مع قيم وعادات وتقاليد المجتمع الشرقي.

وتجد التطاول على رموز الأمة وثوابتها دون خجل ولا خوف من المسائلة.

وتجد التصنت على المعارضين وتتبع أخبارهم والتشكيك فيما يمارسونه من أنشطة أو ما يدعون إليه من قيم ومبادئ.

ولكي ندلل على ذلك فيكفيك أن تقول (قرأت- سمعت- شاهدت) لكي يُقال لك إنه كلام إعلامي لا تنساق وراءه.

إن هذا الحال المرير الذي وصلت إليه معظم المنابر الإعلامية يجعلنا نصرخ من قلوبنا (وا إعلاماه) عسى أن نستفيق وأن نجد ضالتنا في إعلام نظيف يبني ولا يهدم، ويرشد ولا يُضلل.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

سامي العمور شهيد الإهمال الطبي المتعمد لكيان الاحتلال

استشهد منذ أيام الأسير سامي العمور البالغ من العمر 39 عامًا، والمحكوم منذ عام 2008 …