إلى كل من يعتلي منصة القضاء

الرئيسية » بأقلامكم » إلى كل من يعتلي منصة القضاء
Decorative Scales of Justice in the Courtroom

إن من يعتلي منصة القضاء أو ينتدبه الناس للفصل بينهم في المشكلات العُرفية وغيرها أنصحهم بأن يدرسوا جيداً واقعة (ماعز والغامدية) وكيف تعامل معها النبي ﷺ، كذلك أنصح هؤلاء أن يدرسوا موقف (شراحة الهمدانية) وكيف تعامل إمام القضاة الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه مع موقفها.

المشهد الأول

1- عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه: "أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لماعزٍ حين قال زنيتُ: لعلَّك غمزْت أو قبَّلت أو نظرت إليها قال: كأنه يخافُ أن لا يدري ما الزنا" (مسند الإمام أحمد بسند صحيح).

2- عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه قال: "لَمَّا أتَى ماعِزُ بنُ مالِكٍ النبيَّ ﷺ قال له: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أو غَمَزْتَ، أو نَظَرتَ". قال: لا يا رسولَ اللهِ، قال: (أنِكْتَها). لاَ يَكْنِي، قال: فعندَ ذلك أمَرَ برَجْمِهِ"(صحيح البخاري).

لقد صرًّح النبي ﷺ باللفظ الذي ورد في الحديث بالرغم من كونه ﷺ أشد الناس حياء وما أراد من ذلك إلا إزالة أي لبس لدى الرجل، ولأن الحدود لا تثبت بالكنايات.

3- عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه: "أنَّ ماعزَ بنَ مالكٍ الأسلميَّ أتى رسولَ اللهِ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ! إني قد ظلمتُ نفسي وزنيتُ وإني أُريدُ أن تُطهِّرَني. فردَّه. فلما كان من الغدِ أتاهُ فقال: يا رسولَ اللهِ! إني قد زنيتُ. فردَّهُ الثانيةَ. فأرسل رسولُ اللهِ ﷺ إلى قومِه فقال: (أتعلمونَ بعقلِه بأسًا تُنكرونَ منهُ شيئًا؟) فقالوا: ما نعلمُه إلا وَفِيَّ العقلِ. من صالحينا. فيما نرى. فأتاهُ الثالثةَ. فأرسل إليهم أيضًا فسأل عنهُ فأخبروهُ: أنَّهُ لا بأسَ بهِ ولا بعقلِه. فلما كان الرابعةَ حفرَ لهُ حفرةً ثم أمرَ بهِ فرُجِمَ. قال: فجاءتِ الغامديةُ فقالت: يا رسولَ اللهِ! إني قد زنيتُ فطهِّرْني. وإنَّهُ ردَّها. فلما كان الغدُ قالت: يا رسولَ اللهِ! لم تردَّني؟ لعلك أن تردَّني كما رددتَ ماعزًا. فواللهِ! إني لحُبلى. قال: (إما لا، فاذهبي حتى تَلِدِي) فلما ولدت أتتْهُ بالصبيِّ في خرقةٍ. قالت: هذا قد ولدتُه. قال: (اذهبي فأرضعِيهِ حتى تفطُمِيهِ). فلما فطمَتْهُ أتتْهُ بالصبيِّ في يدِه كسرةُ خبزٍ. فقالت: هذا، يا نبيَّ اللهِ! قد فطمتُه، وقد أكل الطعامَ. فدفع الصبيَّ إلى رجلٍ من المسلمين. ثم أمر بها فحُفِرَ لها إلى صدرها. وأمر الناسَ فرجمُوها. فيُقْبِلُ خالدُ بنُ الوليدِ بحجرٍ. فرمى رأسها. فتنَضَّحَ الدمُ على وجهِ خالدٍ. فسبَّها. فسمع نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سبَّهُ إياها. فقال: (مهلًا! يا خالدُ! فوالذي نفسي بيدِه! لقد تابت توبةً، لو تابها صاحبُ مُكْسٍ لغُفِرَ لهُ). ثم أمر بها فصلى عليها ودُفِنَتْ" (صحيح مسلم).

* المُكْس: الضريبة التي يأْخذها الماكِسُ وأَصله الجباية.

المشهد الثاني

عن الشعبي عامر بن شراحيل رضي الله عنه قال: "جِيءَ بشِراحةَ الهَمْدانيةَ إلى عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ فقال لها: ويلك لعلَّ رجلًا وقع عليكِ وأنتِ نائمةٌ. قالت: لا. قال: لعلكِ استُكرهتِ. قالت: لا. قال: لعلَّ زوجَك مِن عدوِّنا هذا أتاك فأنت تَكرهين أن تَدُلِّي عليه يُلَقِّنُها لعلها تقول نعم قال: فأمر بها فحُبِستْ فلما وضعتْ ما في بطنِها أخرجَها يومَ الخميسِ فضربَها مائةً وحفر لها يوم الجمُعةِ في الرَّحْبةِ وأحاط الناسُ بها وأخذوا الحجارةَ فقال: ليس هكذا الرَّجمُ إذًا يُصيبُ بعضُكم بعضًا صُفُّوا كصفِّ الصلاةِ صفًّا خلفَ صفٍّ ثم قال أيها الناسُ أيُّما امرأةٍ جِيءَ بها وبها حَبَلٌ يعني أو اعترفَتْ فالإمامُ أولُ مَن يرجمُ ثم الناسُ وأيُّما امرأةٍ أو رجلٍ زانٍ فشهِد عليه أربعةٌ بالزِّنا فالشهودُ أولُ مَن يَرجُمُ ثم الإمامُ ثم النَّاسُ ثمَّ رجَمَها ثم أمرَهم فرجَم صفٌّ ثمَّ صفٌّ ثم قال افعَلوا بها ما تفعلونَ بمَوتاكم" (خرَّجه الألباني وقال: إسناده جيد رجاله ثقات رجال الصحيح غير الأحلج وهو صدوق).

لقد فعل النبي ﷺ ما فعل مع (ماعز والغامدية) وفعل من بعده إمام القضاة الإمام علي رضي الله عنه ما فعل مع (شِراحةَ الهَمْدانيةَ) ليُعلِّما الأمة بصفة عامة وقضاتها وكل من يتصدرون هذا المشهد بصفة خاصة كيف يكون القضاء، وكيف يكون الفصل في الحدود، فلا أخذ دون إقرار عن بيِّنة، ولا أخذ بشبهة، ولا بقول شهود زور، ولا لخصومة، ولا تشفياً وإكراهاً، ولا مجاملة لأحد لا في كبيرة ولا في صغيرة.

إن نصيحتي للقضاة ولمن يقوم بدورهم بين الناس أن يقوموا بدراسة هاتين القصتين دراسة مستوفاة، ليس اتهاماً لأحد بجهل ولا بعدم معرفة، ولكن ما أقصده هي الدراسة التفصيلية بغرض الوقوف على كل كلمة بل على كل حرف فيهما لاستخراج الدروس والتدرج في التوصل إلى الحقيقة واضحة جلية دون لبس ولا غموض ولا جهل ولا تورية ولا إكراه ولا غير ذلك؛ حتى لا تضيع الحقوق والأمانات فيما بيننا وحتى لا نصدر صورة ذهنية سيئة مشوهة عن أصول القضاء والتقاضي في ديننا وهو منها براء.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

كشف حساب ووقفة مع النفس بمناسبة الشهادات الأزهرية والعامة

ابني الحبيب طالب الشهادة العامة.. عزيزي ولي الأمر.. دعونا نتفق على مجموعة نقاط لعلها تريح …