السرقة عند الأطفال.. الأسباب والوقاية والعلاج (1-3)

الرئيسية » بصائر تربوية » السرقة عند الأطفال.. الأسباب والوقاية والعلاج (1-3)
child-stealing14

لاشك في أن الظواهر السلبية والسلوكيات المرفوضة كثرت هذه الأيام في مجتمعاتنا وبيوتنا ومحاضننا التعليمية أيضاً، ولعلّ أخطر هذه الظواهر وأشدها حزناً في نفوس الآباء والأمهات هي ظاهرة السرقة عند الأطفال؛ لما لها من أثر خبيث ونظرة شديدة الغضب في البيوت والمجتمعات، إضافة لكونها تضع الأسرة في منطقة المشاكل بين الزوجين، وكل منهما يتهم الآخر بالتقصير والسبب في ظهور هذه الآفة عند أطفالهم.

ونحن اليوم وفي هذه السلسة سنتحدث عن السرقة عند الأطفال –كمفهوم- وأسبابها وطرق الوقاية، ثم فيما بعد سبل النجاة والعلاج الفعّال.

والأهم في كل ذلك أن تعبر الأسرة -بجميع أفرادها- أية سحابة صيف تعكّر صفوها، أو تتسبب في بث الخلافات والحزن، فضلاً عن العنف الأسري الذى قد يكون محطة؛ سعياً في الخلاص من هذه الآفة المرفوضة.

مفهوم السرقة

تعريف السرقة باختصار، هي سعي الطفل لتملك أمر لا يملكه عن طريق أخذه دون أن يراه أو يعرف بأمره أحد، سواء كانت ألعاباً، أو أموالاً، وسواء كانت من بيت الأسرة أو غيرها.

فمجرد التفكير في الأمر مشكلة خطيرة، والأخطر أنها مصدر رعب للأسرة، والسبب معروف، فقد تمتد يد الطفل للخارج مرات ويصبح في مهب الذهاب لسجن الأطفال، أو ما يعرف بالأحداث، وهذا تطور شديد الخطورة؛ لأن العاقبة لن تكون إصلاحاً وتهذيباً، لكن إجرام وفساد أخلاقي وسلوكي.

لذلك على الأسرة أن تعي جيداً مشكلات الابن النفسية، والسعي لحلها مبكراً قبل الوقوع في محذورات لايحمد عقباها.

ولما كانت السرقة باب داء شديد يهدد الجميع، كان لازماً علينا كمتخصصين أن نوضّح بعض أسبابها، ولماذا يجنح الطفل إلى هذا المستوى وتلك التصرفات التي يرفضها المجتمع، ويحرّمها الدين لذلك فالأسباب هي:

أولاً- الحرمان من الأشياء:

إن سعي الطفل للسرقة والتفكير في الأمر من البداية هو نتاج شيء من الحرمان الداخلي، لربما يقوم الآباء بحرمانهم من بعض الأشياء أو الألعاب، وهكذا يلجأ الطفل للسرقة، أو ما يظنه البحث عن المال الذي يأتي بالشيء المحروم منه، ومع الأسف الشديد فإن الآباء يعمقون الحرمان أكثر بعد ذلك، وهذا من الغباء التربوي، فالأصل أن يكون بعد الحرمان عطاء وحوار وفضفضة، ولا شك الأخذ بالأسباب العلمية الحديثة، ويجب فوراً الذهاب لمتخصص؛ لتحسين السلوك.

ثانياً- الشعور بالنقص الداخلي:

إن حبّ التملك عموماً ليس شرطاً أن يكون من أجل الحصول على شيء ما بقدر ما هو الرغبة في تملك المال، أو اللعبة المراد اقتناؤها مهما كانت الوسيلة في سبيل الحصول عليها، وعليه فإن الطفل يتحرك وينشط ليأخذ أو يسرق؛ ليريح ذاته ويشعرها بالقيمة، ولاضير بعد ذلك أن يلقي ما أخذه في النهر أو يحرقه حتى تزول آثار فعلته خارجياً، لكنها يقيناً ممتدة داخلياً ونفسياً، ويظل الطفل يتخطى مراحل جديدة في الطريق نحو الهاوية، حيث يظن أنه يريح نفسه، ويخدم على انتظام مزاجيته وأحواله.

إن حبّ التملك عموماً ليس شرطاً أن يكون من أجل الحصول على شيء ما بقدر ما هو الرغبة في تملك المال، أو اللعبة المراد اقتناؤها مهما كانت الوسيلة في سبيل الحصول عليها

ثالثاً- التقليد الإعلامي:

إن الطفل كما قلنا في مقالات سابقة يظل بالساعات أمام الشاشات، مستمتعاً بأفلام "الأكشن" من قتل ونهب وسرقة وسوبر مان ومصاص الدماء، وكل هذه النوعية تخدم على تكوين شخصية غريبة الأطوار، وعنيفة، ومنحرفة أخلاقياً وسلوكياً، فيجد البطل الذى يحبه لصاً وعاشقاً، وفي النهاية يكون محل احترام وتوقير، فيتسلل إليه هذا الشعور بأنه لا مشكلة من التمتع ببعض المال في سبيل الحصول على هذه اللعبة التي رآها عند زميله، أو في محل الألعاب الذي بجوار سكنه، فيقلّد الطفل ويتمادى في التقليد مرة وأخرى حتى يصبح التقليد من عادة لعبادة، آثارها الخبيثة تمتد لتعصف بالبيت، ويتغير مسار الطفل من تعليم إلى إجرام ومعاناة لأهله؛ بسبب تفشي الإجرام الإعلامي الموجود في بيوتنا في غفلة من الجميع.

رابعاً- أخلاقيات الوالد:

وهذه النقطة بالذات مؤلمة وصعبة جداً؛ إذ يسعى الطفل في تملك المال بإيعاز من أبيه، تماماً كما يحدث في معظم الأفلام العربية التي طمست هوية أولادنا، ولوّثت فطرتهم، فنجد الأب من مدمني الخمور، واللعب المحرم، ويخسر مرات ومرات، فيجبر الابن على أن يمد يده ليسرق قطعة ذهبية من أمه، أو عمته، أو أي من الأقارب، وهذا واقع حقيقي، وكم جاءتنا مشكلات ملغمة وقنابل موقوتة في هذا الخصوص، وكلها تسأل عن السبيل والنجاة.

إن الوالد المنحرف يغرس في ذريته المفاسد وسوء الأخلاق، وعليه فإن الجرم يقع عليه هو في هذه الحالة، وليس على الطفل المجبر تحت الترهيب والويل والضرب بتنفيذ أهواء الوالد، ونحن هنا لا نقصد أن نطعن في الآباء على حساب طيبة الأبناء بقدر ما نقول أن الأسرة محنة يتواجد فيه العنصر الصالح والطالح، وليس كل بلاء يكون بسبب الأطفال.

إن الوالد المنحرف يغرس في ذريته المفاسد وسوء الأخلاق، وعليه فإن الجرم يقع عليه هو في هذه الحالة، وليس على الطفل المجبر تحت الترهيب والويل والضرب بتنفيذ أهواء الوالد

خامساً- الفقر والحياة المتعبة:

"لو كان الفقر رجلاً لقتلته"، هكذا ورد في الأثر، وذلك لآثاره المؤلمة، فوجوده باب تعب ومعاناة وحرمان من كل محبب للنفس، لذلك فالكثير من الأطفال الذين يميلون للسرقة ويصبحون لصوصاً هم في بداية الأمر كان وضعهم فقراً وحرماناً، فيلجؤون للسرقة؛ لإشباع ما حرموا منه، وهنا لا بد أن نفرق بين أمرين، ليس كل فقير يصبح لصاً، فالعفاف والاستعفاف مقدم، وكم من بيوت فقيرة في أموالها غنية بأخلاقها ثرية بعفافها! لا يسمع عنهم أحد، ولا يشكون حالهم إلا لله عز وجل، الأمر الثاني: ليس كل فقير يجوز له السرقة، فهذا الأمر لم يحدث إلا في عهد الفاروق، حيث عطّل حدّ السرقة؛ لأن الناس لم تجد ما تأكله، فهذه أوجاع يتحملها كل حاكم، فنسبة الفقر في أوطاننا العربية مقلقة ومزلزلة، لكن الفاروق قد مات.

ليس كل فقير يصبح لصاً، فالعفاف والاستعفاف مقدم، وكم من بيوت فقيرة في أموالها غنية بأخلاقها ثرية بعفافها

ختاماً:

تجولنا معاً في بداية هذه السلسة من المقالات الثلاثية في السرقة وأسبابها؛ سعياً في توضيح ورفع ستارة الغفلة عن كل مهتم، وناقوس خطر من العاقبة التي تحدث في حالة تفشي هذه الظاهرة الغريبة والمرفوضة، ونحن في المقال القادم سنناقش سبل الوقاية من الوقوع في هذه الآفة، فالوقاية دائماً وأبداً خير من العلاج.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وباحث مصري الجنسية، مؤلف عدة كتب فى التربية والتنمية "خرابيش - تربويات غائبة- تنمويات". مهتم بقضية الوعي ونهضة الأمة من خلال التربية.

شاهد أيضاً

فتور الداعية.. الخطوة الأولى نحو السقوط!

في طريق التغيير والتعامل مع نفوس البشر نجد تقلبات بين الإقدام والإحجام، بين الهمة العالية …