ثقافة الداعية

الرئيسية » كتاب ومؤلف » ثقافة الداعية
15455_1

الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى دينه، واتباع هداه وإفراده بالعبادة والطاعة، والبراءة من كل الطواغيت التي تطاع من دون الله، وإحقاق الحق وإبطال الباطل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله.

لذلك كان لا بدّ للدعوة من دعاة أقوياء أشداء، يتناسبون مع عظمتها وشمولها، وتكوين الدعاة وإعدادهم أمر بالغ الأهمية، وحتى يكون باستطاعة الداعية أن يحمل الرسالة، ويتغلب على الجهل والفساد المنتشر في زمننا، كان لابدّ من التسلح بالإيمان والأخلاق والعلم والثقافة.

أما العلم والثقافة، فالمطلوب معرفة ما هي الثقافة اللازمة للداعية، إن أردنا أن ننشئ مدرسة، أو كلية للدعاة؟ أو إن أراد أحدنا أن يكون داعيةً مؤثراً؟

الجواب هو موضوع الكتاب الذي أعدّه المؤلف؛ لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة.

مع الكتاب:

ذكر المؤلف في هذا الكتاب، حاجة الداعية لمجموعة من الثقافات التي يتطلب منه أن يطلع عليها، ويكوّن منها مزيجاً نافعاً، وهذه الثقافات هي:

1) الثقافة الإسلامية.
2) الثقافة التاريخية.
3) الثقافة الأدبية واللغوية.
4) الثقافة الإنسانية.
5) الثقافة العلمية.
6) الثقافة الواقعية.

أولاً- الثقافة الإسلامية:

ويقصد بها الثقافة التي يكون محورها الإسلام، مصادره، وأصوله، وعلومه، فقد ذكر المؤلف أهم مصادر الثقافة الإسلامية، والتي تعين الداعية على إتمام عمله على أكمل وجه، وهي:

1)القرآن الكريم وتفسيره، وقد أكّد المؤلف على حفظه، والاطلاع عليه وعلى تفسيره، فإن ذلك له أهمية كبرى للداعية، فإنه يساعده على الاستشهاد بآياته في معظم مواقفه، ثم نبّه المؤلفُ الداعيةَ -في هذا المجال- على عدة أمور، منها: الاعتناء بالقصص القرآني والنماذج القرآنية؛ لسرعة وسهولة تأثيرها بالناس، وجمع الآيات كلها في موضوع واحد، وتصنيفها.

2) السنة النبوية، وهي تأتي شارحة للقرآن مبينةً له، مفصلة لما أُجمل منه، وقد ذكر المؤلف كتباً عديدة في هذا المجال، قد يستفيد الداعية من الاطلاع عليها، فيكون لديه ثقافة عامة بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالسنة النبوية وأحكامها.
ثم نبّه المؤلف الداعية على عدة أمور، منها: الاهتمام بالسنة النبوية ومصادرها، وجمع الأحاديث في موضوع واحد وتصنيفها، والحذر من الأحاديث الموضوعة والاستشهاد بها.

3) الفقه، أكّد المؤلف على أهمية الثقافة الفقهية للداعية، ومعرفة الأحكام الشرعية في العبادات، والمعاملات، والآداب، وشؤون العبادة والأسرة، وضرورة أن يكون الداعية مستعداً للجواب على السائلين عن الأحكام في أي لحظة.

وحذّر المؤلف الداعية أن يبالغ في تعليل العبادات، وليتنبّه أن يقتصر فقط على التعليلات المادية، إلا إن كان تعليلاً محكماً تقوم عليه أدلة علمية لا طعن فيها.

وحريّ بالداعية أن يلمّ بعلوم أصول الفقه، والعقيدة، ويدرس النظام الإسلامي دراسة واعية، ويكون عنده علم عام بالتصوّف، والتركيز فيه على الجانب الأخلاقي والتربوي وما يخدم العقيدة، فهذا كل ما يهمنا في هذا العلم.

ثانياً- الثقافة التاريخية:

وهنا يذكر المؤلف سبب حاجة الداعية للتاريخ، حتى يوسع آفاقه، ويطّلع على أحوال الأمم وتاريخ الرجال، وتقلبات الأيام، فالتاريخ هو الشاهد الصادق لما يدعو إليه الدين من مفاهيم وقيم، وأخذ العظة والعبرة من حال الأمم السابقة.

ثم نبّه المؤلف الداعية على عدة أمور، منها: أن المهم هو المغزى الأخلاقي للتاريخ وليست الجزئيات، كأن يُعنى بسير الرجال، وخاصة العلماء والدعاة، وأيضاً أن يكون محور التاريخ الإسلامي هو الإسلام نفسه دعوة ورسالة.

التاريخ هو الشاهد الصادق لما يدعو إليه الدين من مفاهيم وقيم، وأخذ العظة والعبرة من حال الأمم السابقة

ثالثاً- الثقافة الأدبية واللغوية:

وهذه ثقافة لازمة للداعية؛ لسلامة اللسان وصحة الأداء، فضلاً عن حسن أثرها في السامع، بل صحة الفهم أيضاً، فالأخطاء اللغوية إن لم تحرف المعنى، يرفضها الطبع وينفر منها السمع، فلا ضير إن استدل الداعية بشعر يوافق قوله وعمله، وما أكثر الشعراء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كـ"حسان بن ثابت" و"عبد الله بن رواحة"، وغيرهم الكثير ممن كانوا يستخدمون الشعر للدفاع عن الإسلام والذود عنه.

رابعاً- الثقافة الإنسانية:

وهي ما يعرف الآن بـ(العلوم الإنسانية)، كعلوم النفس، والاجتماع، والاقتصاد، والفلسفة، والأخلاق.

وتكمن أهمية الاطلاع عليها في أن موضوعها له علاقة وثيقة مع موضوع الدعوة وهو (الإنسان)، والإلمام بمثل هذه العلوم يعين على فهم الناس ومعرفة تفكيرهم، وقد تناول المؤلف بعضاً من هذه العلوم، كلاً على حدة، منها:

(علم النفس): المقصود به، علم النفس التجريبي، الذي انتهت إليه الدراسات النفسية الحديثة، والذي تقوم دراسة الظواهر النفسية فيه على أساس الملاحظة، والتجربة والقياس، والاختبار، ويطبق على البشر لا الورق، ويعتمد على الأرقام والرياضيات لا على التأمل والافتراض.

(علم الاجتماع): والمقصود به العلم الذي يعنى بدراسة المجتمع البشري في مختلف جوانبه، ويعمل على تحليل ظواهره، والكشف عن القوانين التي تحكم مسيرته، فيلزم الداعية معرفة أسس هذا العلم، من منظور إسلامي، ومن منطلقات فكرية تنسجم مع العقيدة الاسلامية.

(الفلسفة): المقصود أن يلمّ الداعية بالفلسفة واتجاهاتها المادية، والروحية، والمثالية، وبتاريخ الفكر الإنساني عامة، والإسلامي خاصة، حتى يكون قادراً على الرد على الشبهات التي تأتيه من هذا الاتجاه، فليس الجميع يتقبلون أدلة القرآن والسنة.

(علم الأخلاق): وهوعلم يدخل في الفلسفة، بنظرياته ومدارسه المتعددة، فهو جزء من الفلسفة، وموضوعه إحدى القيم الرئيسية الثلاثة التي تنشئها الفلسفة، وهي: الحق والخير والجمال.

(علم التربية): من العلوم التي أصبحت ذات أثر خطير في الحياة التعليمية، بمختلف مراحلها وشتى مجالاتها وأنواعها، وأهم ما يجعل للتربية أهمية -خاصة بنظر الداعية- أن الدعوة كالتربية، كلتاهما تسعى إلى الارتقاء بمفاهيم وأخلاق وسلوك الإنسان، فالداعية كالمربي، وإن اختلفت الوسائل والطرق المستخدمة في ذلك.

تكمن أهمية الاطلاع على العلوم الإنسانية في أن موضوعها له علاقة وثيقة مع موضوع الدعوة وهو (الإنسان)، والإلمام بمثل هذه العلوم يعين على فهم الناس ومعرفة تفكيرهم

خامساً- الثقافة العلمية:

ويقصد بها المفهوم الاصطلاحي الحديث، فمدلول العلم هو ما قام على الملاحظة والتجربة، وخضع للقياس والاختبار، فمن الأفضل للداعية أن يطّلع على بعض الكتب الميسّرة، التي تقدم هذه العلوم بشكل بسيط، كالفيزياء والكيمياء والأحياء وعلوم الفلك، وغيرها.

فالفهم في هذه المجالات، ولو الشيء البسيط، يجعل الداعية قادراً على الدفاع عن رأيه، والاستدلال بالعلم، فذلك يؤيد رأيه، ودعوته.

سادساً- الثقافة الواقعية:

وهي الثقافة المستمدة من واقع الحياة الحاضرة، وما يدور في دنيا الناس في داخل العالم الاسلامي وخارجه، فلا يكفي لذلك الاطلاع على الثقافات الأخرى، بل الانفتاح والاندماج مع العالم الآخر حتى يعرف كيف هي معيشتهم، فينبغي للداعية أن يدرس واقع العالم الإسلامي، وأوضاعه الجغرافية، والاقتصادية، والسياسية، وتوزيع السكان، وأسباب اختلافه، وعوامل تقدمه، ومشكلة الأقليات والأكثريات الإسلامية المضطهدة.

باختصار يجب على الداعية أن يصبح مثقفاً، وملمّاً بكل العلوم والمعارف، فقد يصادف العديد من الأصناف، والعديد من الثقافات.

مع المؤلف:

هو الشيخ "يوسف عبد الله القرضاوي"، عالم مصري مسلم، ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين سابقاً، ولد في محافظة الغربية في مصر، مقيم في قطر، يبلغ من العمر (92 عاماً)، حفظ القرآن الكريم وهو دون العاشرة، وقد درس في جامعة الأزهر، حيث التحق بكلية أصول الدين، ومن أبرز اهتماماته في مواضيع الفقه والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وقد تأثر بــ "محمد الغزالي"، و"حسن البنا".

وله مؤلفات عديدة -من الكتب والرسائل والفتاوى- التي تكون في مواضيع العقيدة والفقه، منها على سبيل المثال -لا الحصر-: (كتاب فتاوى معاصرة)، (من فقه الدولة في الإسلام)، (الاجتهاد في الشريعة الإسلامية)، (زراعة الأعضاء في ضوء الشريعة الاسلامية)، (كيف نتعامل مع القرن العظيم)، (في رحاب السنة).

بيانات الكتاب

اسم الكتاب: ثقافة الداعية
اسم المؤلف: د. يوسف القرضاوي
تاريخ النشر: 1996 (الطبعة العاشرة)
بلد النشر: مصر
عدد الصفحات: 127

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة في موقع بصائر الإلكتروني، حاصلة على درجة البكالوريوس في تخصص الدعوة والإعلام الإسلامي/ الدراسات الإسلامية.

شاهد أيضاً

فكر حركة الاستنارة وتناقضاته

عنوان كتاب اليوم "فكر حركة الاستنارة وتناقضاته"، للمفكر وعالم الاجتماع عبد الوهاب المسيري (1938 – …