عن الله الذي لا نعرف ولماذا يلحِد الملحدون

الرئيسية » بصائر الفكر » عن الله الذي لا نعرف ولماذا يلحِد الملحدون
الله

تتفاعل في وقتنا الراهن الكثير من النقاشات على الساحة الإسلامية حول العديد من القضايا المركزية، في ظل قناعة مهمة مفادها أن العمل الإسلامي، والأمة بالكامل، قد تجاوزت مرحلة انتقالية فيما بعد انهيار الدولة الإسلامية الجامعة قبل حوالي مائة عام إلا قليلاً، إلى الدخول في نفق مظلم.

ويمثل دخول المسلمين إلى هذا النفق مرحلةً تالية من مراحل مشروع منظَّم طويل المدى تقوده قوى استعمارية، وتتعاون فيه قوى محلية عديدة بين ظهراني عالمنا العربي والإسلامي، من أجل خفض التصنيف الحضاري –لو صحَّ التعبير– للأمة الإسلامي.

ويستند هذا المشروع الاستعماري على عددٍ من الأسس، أهمها إشاعة روح الفرقة والفوضى بين المسلمين على مختلف المستويات، المذهبية والاجتماعية والسياسية، وفصل المسلمين عن القرآن الكريم، وعلومه، والعلوم الشرعية بشكل عام.
ومن بين أهم العلوم التي انفصل عنها الناس في زمننا المعاصر، وقاد إلى ظاهرة هي من أسوأ الظواهر، "علم التوحيد"، وفي القلب منه، ما يتعلق بالله عز وجل ، علمًا وفهمًا، ومعرفةً.

وبطبيعة الحال، فإن الله تعالى لا يحدُّه العلم ولا الإدراك بأية وسيلة من وسائل الخَلْق القاصرة، ولا يمكن للعقل البشري فهم طبيعته وخواصه، إلا أن "علم التوحيد" الذي يستند على نصوص القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية، كان يوفِّر الحد المطلوب من أجل معرفة الله سبحانه وتعالى، وبالتالي تحقيق عنصرٍ شديد الأهمية لدى الإنسان، وهو إدراك هذه الحقيقة، حقيقة أن اللهَ تعالى مختلف عن كل التصورات والحدود التي يمكن للعقل الإنساني الوصول إليها.

ويتصل بذلك منظومة من القضايا التي تدخل في مسميات الفلسفة، تحت بند القضايا الجدلية، التي تشمل أسئلةً كُلِّيَّةً، من بينها "لماذا أنا"، و"لماذا خلق اللهُ تعالى الشر والمعاناة"، و"لماذا الظلم"، وغير ذلك من الأمور التي يُعتبر غياب فهمها، من أهم عناصر الإلحاد، لأنها خارج نطاق تصور العقل الإنساني والمنطق القريب، أو على أقل تقدير، تجعل الإنسان يتفلَّت من فكرة الدين والتديُّن.

يتصل بذلك منظومة من القضايا التي تدخل في مسميات الفلسفة، تحت بند القضايا الجدلية، التي تشمل أسئلةً كُلِّيَّةً، من بينها "لماذا أنا"، و"لماذا خلق اللهُ تعالى الشر والمعاناة"، و"لماذا الظلم"، وغير ذلك من الأمور التي يُعتبر غياب فهمها، من أهم عناصر الإلحاد

فالإلحاد يأتي من خلال عدم قدرة الإنسان الملحد على فهم هذه الأمور بعقله، فيما لا يوجد أي رافد فكري لديه يؤسس لديه قضية معرفة الله تعالى باعتبار أنه لا يحده الحدود التي نتصورها وفق عقولنا.

ويحصل ذلك بالرغم من هذا الأمر على قدر كبير من البساطة، ويمكن تمثيله بآلاف الأشياء التي صنعها الإنسان، ويستخدمها في حياته اليومية، ولا يتصور أن تتمرَّد عليه، حتى لو أراد الانتحار بها!

ومن ضمن الأمور التي يمكن أن تقف بها العقول البشرية القاصرة على حقيقة الله تعالى، وخواصه وطبيعته عز وجل، قضية العلَّة والسببية، حيث تغيب العلَّة والسببية عن الخالق سبحانه، وبالتالي، فهو يخرج من نطاق أي تقييم عقلي.

وهذه الجزئية أرادت حكمة الله تعالى أن تكون قريبة في الفهم الإنساني؛ لأنها مفتاح مُهِمٌّ للإيمان بالله تعالى الذي لا يحده أي حدٍّ أو تصوُّرٍ محسوس أو غير محسوس بعقولنا، أو بأية أداة أخرى في الكون الذي هو جزء يسير، مجرد جزء لا يُذكَر من ملكوت اللهِ تعالى الذي لا نعرف عنه أي شيء.

فإن الله تعالى أزليٌّ وأبديٌّ، أي أنه أولٌ بلا غاية أو بداية، ومن دون علَّة أو سبب، وآخر بلا نهاية .
وفي الأصل، فإن مفاهيم مثل "بداية" و"نهاية"، وما تتصل بها من مسافات ومساحات مادية، أو مساقات زمنية، هي في النهاية، مخلوقات من مخلوقات الرحمن سبحانه، كمعانٍ وكماديات (فيزيائيًّا، الزمن هو رابطة بين سرعة الضوء وحركة الأفلاك).

بالتالي لو قلنا إن اللهَ تعالى قد خَلَق الكَون والملكوت؛ لكي يكون قيومًا أو تتحقق له صفة القيومية، أو خلق الإنسان وسائر المخلوقات المُكلَّفة الأخرى؛ لكي يكون غفورًا ورحيمًا، أو شديد العقاب، وكذا من سائر الصفات والأسماء المرتبطة بأمور تتعلق بتعامل رب العزة سبحانه مع خلقه كافَّة، مُكلَّفين أو غير مُكَلَّفين، أو تتحقق له هذه الصفات والأسماء الحسنى وتستقر، فهذا يعني أن اللهَ تعالى من دون الملكوت والمخلوقات لا تتحقق له هذه الصفات، وأنه من قبل الخَلْق كان لا يتمتع بها –بمنطق أنه موجود من قبل الخلق كما قلنا إنه أزليٌّ وأبديٌّ– وهذا يعني خللاً في العقيدة؛ لأن الله تعالى كامل، وليس ناقصًا سبحانه.

فإيماننا به وبالإسلام، يتضمن أن نؤمن أن اللهَ تعالى كامل، مطلق الكمال، وقدرته طليقة، لا يحدها وجود آخر، ولا يُقيِمُها أو يُقيِّدها أي شيء .

فوجودك من عدمه، لا يمس كمال الله عز وجل، وبالتالي، فلا يمس كونه شديد العقاب، أو غفوراً رحيماً أو ما شابه، حيث هذه صفات أصيلة فيه.

فلدى البعض –على سبيل المثال– منطق خاطئ في تفسير أو فهْم خَلْق اللهِ تعالى للإنسان، بنوازعه ونقصه، وضعفه، وخَلْق الخطيئة معه، حيث يقولون إن ذلك تم لكي يكون الله تعالى غفورًا رحيمًا، أو تتحقق له هذه الصفات أو تستقر، وهذا خطأ؛ لأن العكس هو الصحيح، فنحن نخطئ ونعود لأن الله سبحانه في الأصل، في ذاته العَلِيَّة، هو الغفور الرحيم.

ولتوضيح ذلك، نقول أولاً إن قضية السببية حاكمة في تفكير الإنسان، بل إنها جزء مما جَبَل اللهُ تعالى عليه عقل الإنسان، حيث هي تحقق سُنَناً عديدة من سُنَن خلق الله تعالى للإنسان، مثل سُنَّة إعمار الأرض وتسخير المخلوقات.

فهذه القضية كانت وراء تطورات علمية كثيرة، حيث إن الإنسان في بحثه الدائم في المجال العلمي، كان يهتم دائمًا بمحاولة فهم العلائق والأسباب التي تقف خلف هذه الظاهرة أو تلك.

فمثلاً الإنسان لا يتصور أن الأشياء تستقر على الأرض إلا لسبب، وعندما سعى لفهمه، اكتشف الجاذبية الأرضية، وقوى الجذب التي تحكم الكَون كله، وكذلك النار، حيث هي تحرق "لأنها تتسبَّب" في تبخير المياه الموجودة في الجسم المحترق بالكامل، وهكذا، فظهر العلم والتجريب، والذي هو أساس مهم في مسألة تسخير الموجودات للإنسان لتسهيل إعمار الأرض، التي استخلفه الله تعالى فيها.

ولكن هذا المنطق يقف عند محاولة "فَهْم" الله تعالى أو "تفسيره" لو صحَّ التعبير، وذلك كله –بالمنطق البسيط أيضًا- لأن الله سبحانه من المستحيل في الأصل أن يدخل في نطاق أسباب ومنطق وطرائق تفكير، هو الذي خلقها أساسًا.

ولقد شاءت حكمة اللهِ تعالى أن تكون السببية والعِلَّة أساسًا في الخلق؛ لكي يبيِّن للإنسان عظمته هو سبحانه، حيث هو الله عز وجل، الذي هو بلا سبب أو عِلَّة، ولا يتصل وجوده أو ذاته، بهذه القضية، فهو أزلي، أي أول بلا بداية، بينما كل ما دونه –أي كل المخلوقات التي أبدعها الله تعالى– ناقص ولابد لها من أسباب وعِلَل، لأنه هو الرب والإله، وله الصفات والأسماء الحسنى كلها.

ومِن هنا نفهم، كيف أن الله تعالى غفور ورحيم، وقيوم من دون حتى أن توجد مخلوقات يغفر لها ويرحمها، ويقوم على أمرها.

وكما قلنا، فإن صفة القيومية له سبحانه، لا تنتظر أن يكون له ملكوت يقوم على أمره، كلا، هو خلق ملكوته، بما فيه كوننا الصغير هذا، والسماوات والأرض؛ لأنه قيوم في ذاته، وبالتالي، هو قادر على تنظيم الملكوت وحفظه وضمان استقراره، فخلقه على هذه الشاكلة.

وبالتالي، فهو -سبحانه طبعًا– لو لم يكن كذلك -بالمنطق العقلي البسيط أيضًا– ما خلقنا، وما كان قادرًا أو كاملاً، بعكس طلاقة كماله وقدرته سبحانه وتعالى.

وكذلك الله تبارك وتعالى معبود في ذاته، فصفة العبودية من المفترض أنها تتضمن -بالمنطق المباشِر القاصِر- وجود عباد؛ لكي يكون هناك معبودٌ، ولكن الله تعالى معبودٌ في ذاته، من دون وجود خلق أو عباد أو أي شيء آخر.

في مقابل هذه الطلاقة، وبذات المنطق الذي نشير إليه في قضية السببية والعِلَّة، حيث إنها موجودة في المخلوق في مقابل انتفائها عن الخالق، نشير إلى قضية النسبية التي تملأ الموجودات من حولنا، وتنتفي عن الخالق.

فلقد جعل الله تعالى النسبية هي أساس المخلوقات، فهناك –مثلاً– مواد هي بمثابة سموم قاتلة بالنسبة للبشر، تُعتَبر غذاءً بالنسبة لكائنات حية أخرى.

بل إن بعض قواعد الفيزياء التي نعرفها على كوكب الأرض كثوابت، تتغير بالكامل لو اقتربنا من الشمس، أو هبطنا إلى قاع المحيط، فالفوتون الضوئي عديم الوزن، لو دنا الإنسان من الشمس، تصبح لها طاقة دفع، كما اكتشف علماء "ناسا" في نهاية العام 2018م، عندما أرسلوا المسبار "باركر" إلى الشمس.

وهذا كله جزءٌ مهمٌّ للغاية من مضامين معاني وفهْم جملة "له الأسماء الحسنى والصفات العَلِيَّة"، والتي تعود بنا لجذر هذا الموضع من الحديث، وهي العلوم الشرعية، حيث هذه الجزئية من أهم مفردات "علم التوحيد".

وبالتالي فإن التسليم والطاعة وفق هذه المفاهيم أمر بديهي، حتى بعقل الإنسان القاصر، مثل السيارة التي لا تفهم حكمة صاحبها من قيادتها للأمام أو للخلف، فقط هي تطيعه؛ لأنها صُنِعَتْ لأجل أن تطيعه.

وصعوبة استيعاب العقل الإنساني لهذا الكلام منطقي؛ لأن العقل الإنساني قاصر، وهذا يجب أن يكون باعثًا على زيادة إيماننا، أن ندرك أن عقولنا مهما كانت، فهي قاصرة، وإلا حتى على الأقل كنا قادرين على تصوره ووصفه، حاشا لله.

العقل الإنساني قاصر، وهذا يجب أن يكون باعثًا على زيادة إيماننا، أن ندرك أن عقولنا مهما كانت، فهي قاصرة، وإلا حتى على الأقل كنا قادرين على تصوره ووصفه، حاشا لله

فإذا كان عقل الإنسان غير قادر على إدراك أي شيء تنتفي عنه السببية أو يجد النسبية فيما حوله، فهل هو بقادر على فهم حكمة مَن خَلَق المادة والأسباب، أو طبيعته؟! فهذا من المُفتَرض أنه يدفع الإنسان إلى التسليم المطلق للخالق.

وبالتالي نسلِّم لله تعالى كل أمورنا؛ لأنه أكبر وأعلى وأعظم من كل الموصوفات من حولنا، والتي هي من مخلوقاته في الأصل، ونؤمن –كذلك– أنه لا محيل بيننا وبينه، ولا بيننا وبين قضائه وقدره؛ لأن أي محِيل، هو بدوره مخلوق من مخلوقات الله، ولا يجوز منطقيًّا، لمخلوق أن يفوق خالقه فيحيل عنه مخلوقًا آخر.

وكل ذلك مما هو من أهم الأمور في علوم التوحيد والعقيدة، وهي أمورٌ ينبغي إدراكها، وتعمُّق إيماننا بها قبل أن نتحدث عن الشريعة أو تطبيقها، وإلا صار هناك خللٌ كبيرٌ في تطبيقنا للشريعة، التي هي تعاليم الله عز وجل، والمنهج الذي اختاره لنا... وفي الأخير، فإن كل ما خطر ببالك فالله غير ذلك، لا تحده أوصاف.

كما أن ذلك يدفعنا إلى تلقِّي الملحدين بأساليب أكثر مروءة من فكرة الرفض والنبذ؛ لأننا لن نستفيد –كمسلمين– من ضياع بعضنا في هذا الطريق!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

العقل السياسي الإسلامي وضرورات التحديث

لعل هذا العنوان قد يشير إلى قضية فكرية، من ترف الرياضات الذهنية التي قد يقوم …