كيف تفكر الجماهير؟ (1 – 2)

الرئيسية » بصائر تربوية » كيف تفكر الجماهير؟ (1 – 2)
people27

في ظل هذه الصراعات العالمية التي أقل ما توصف بها أنها صراعات شرسة لا آدمية ولا إنسانية لا يرحم فيها القوي الضعيف، ولا السليم الصحيح يراعي فيها المريض السقيم والتي تدور رحاها على جميع المستويات الفكرية العقدية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية حتى وصولنا للمواجهات العسكرية وعلى جميع الفئات جنسية أو عمرية أو دينية، تخوض مجتمعاتنا الإسلامية والعربية غمار هذه الحروب مكشوفة الوجهة وخالية الوفاض ومنزوعة السلاح (القوة بجميع أشكالها) وخاوية اليد، وليس ذلك لنقص في الموارد (البشرية– المادية) لا فالأمة غنية بمواردها التي أنعم الله بها على الأمة وفي شتى الجوانب التي تخص تلك الموارد، وإنما تكمن مشكلة الأمة في غياب الرؤية والغاية والذي تبع هذا الغياب ضلال البوصلة عن الاتجاه الصحيح .

فالمجتمع الإسلامي والعربي هو رقعة الصراع وميدانه والذي ما إن ضللنا البوصلة في تحديد مكانه ضلت معنا الخطوات والتوجهات وغابت عنا شمس الرؤية وما تبعها من خطط لعودة الريادة والصدارة للأمة مرة أخرى، فوجب أن نجلي لك سيادة القارئ بعض الأطر الفكرية في قلب هذا الصراع وتلك المواجهات كي تكون أمامك الأوضاع في أجلى صورة وأبين مقام.

المجتمع الإسلامي والعربي هو رقعة الصراع وميدانه والذي ما إن ضللنا البوصلة في تحديد مكانه ضلت معنا الخطوات والتوجهات وغابت عنا شمس الرؤية وما تبعها من خطط لعودة الريادة والصدارة للأمة مرة أخرى

كيف تفكر الجماهير (المجتمعات)؟

هذا موضوع قد فصل فيه علم الاجتماع وعلمائه كثيراً ولكنه من العلوم التي غابت عن الأمة بل ولم نخط فيها خطوات في إعادة صياغتها وفق مجتمعاتنا الإسلامية والعربية فضلاً عن التقسيمات الدقيقة في شأن مجتمعاتنا مثال (المجتمع: المصري – الفلسطيني – السعودي - الخ) ولغياب مثل هذه العلوم غابت عنا الكثير من التفاصيل الهامة في شأن التعاطي مع حركات التغيير داخل المجتمعات وكيفية قيادة هذه الحركات نحو الثورة والحرية وريادة المجتمع للخلاص من الأشقياء والخونة والفسدة في أوطاننا.

وفي هذا المقام سوف نجلي وبشكل مختصر طريقة تفكير الجماهير (المجتمعات البشرية) وكيف لنا بعد أن نتفهم ذلك أن ينصلح معها حكمنا على المجتمع والذي نحن جزء منه وإصلاحه جزء من رؤيتنا، فتعالوا معنا نجيب على السؤال كيف تفكر الجماهير (المجتمعات)؟

1. ذوبان الإدراك والوعي وتغول اللاوعي وتملكه:

لك أن تتصور عزيزي القارئ أن الجمهور لا يفكر بالطريقة التي يفكر بها (الفرد)   فبمجرد من اجتماع (الجمهور) والذي هو مجموعة من الأفراد فإن الشخصية الواعية لكل فرد من هذه المجموعة (الجمهور) تذوب وتختفي وتحل بدلاً منها شخصية أخرى وهي الشخصية اللاوعية فتجد البخيل كريماً والشريف مجرماً والهادئ شرساً والعكس، فالفرد في وسط المجموع يتصرف كالآلي بشكل لا واعٍ ينفذ ويتحرك ويتوافق مع توجهات المجموع (الجمهور).

وعندما تتفرق تلك الجماهير سرعان ما يكتشف الأفراد -كل واحد منهم على حده- أنهم قد أقدموا على أفعال لم يكن لهم أن يفعلوها إذا ما عرضت عليهم كأفراد، وهذا كله ناتج عن ما يسمى بالعقل الجمعي (الوحدة الذهنية).

ولكي يتضح الكلام والمعنى إليك بالمثال ..

ماذا ستفعل إذا ما كنت تسير في أحد الطرقات وفجأة ظهر أمامك حشد من الجماهير تجري في الاتجاه نحوك؟

بلا شك سيكون الإدراك أقل والتفكير والوعي قد غابا بفعل بعض المؤثرات مثال الخوف والقلق وغيره وسوف تقوم بالهرولة مع الجمع والحشد.

قد يرد البعض وهو يقرأ الآن فيقول لا! سوف أقف وأفكر كيف أتصرف (هذا بالطبع راجع لأنك تفكر الآن وأنت خارج إطار المجموع وتأثيره) وكي تتأكد من صحة ما نوجهك له أجب على السؤال التالي ..

ماذا ستفعل إذا ما كنت تسير في أحد الطرقات وحدث نفس الموقف ولكن لشخص واحد يجري في الاتجاه نحوك؟

بالتأكيد سوف يكون تصرفك معاكس تماماً لموقفك من الحشد الذي يجري.

وهذا يفسر كيف لعسكري واحد يسوق أمامه كل هذه الأعداد من الثوار وهذا لأن الجماهير تسير وفق عقلية القطيع (الوحدة الذهنية – العقل الجمعي).

2. غياب العقل وسيطرة العاطفة:

ومن ضمن ما يحدد لنا الإطار ويرسم لنا الصورة في كيفية تفكير الجماهير (المجتمع) أن نعرف أن تفكير الجمهور تغيب عنه عقلية المنطق أو التفكير العقلي والمنطقي وتحل محله العاطفة لتتسيد وتستأسد وتحكم وتتحكم فالعاطفة هي أولا وأخيراً سيدة الموقف فلا مكان للدلائل العقلية ولا الأسانيد المنطقية ولا البراهين ووو،فكل هذا خارج نطاق الخدمة والمسيطر فقط هنا هو صوت العاطفة ولا صوت يعلو فوق صوت العاطفة.

تفكير الجمهور تغيب عنه عقلية المنطق أو التفكير العقلي والمنطقي وتحل محله العاطفة لتتسيد وتستأسد وتحكم وتتحكم فالعاطفة هي أولا وأخيراً سيدة الموقف

فبمجرد أن تسمع الجماهير (إحنا نجوع ونبني دولتنا) فلن تسمع بعدها أي صوت آخر وسرعان ما ستعلو الهتافات ترديدا للخطابات العاطفية.

وعندما تعود الجماهير لبيوتها فلا تجد طعاماً ولا عشاء وأن الجوع قد دب وتربع فسوف تلعن كل من تسبب في ذلك دونما أن تعي أنها كانت السبب في ذلك تحت تأثير العاطفة وستجدهم يحدثون أنفسهم كيف قمنا بذلك؟ وكيف يبني جائعٌ الوطن؟ وكيف لمشرد وعارٍ أن يساهموا في بناء الوطن؟ وما معنى الوطن إذا كنا عرايا وجائعين وعطشى؟

إن ما ذكرناه وما سوف نكمله في الجزء الثاني سوف يجعل المعطيات أمام عينيك جلية واضحة كي يكون حكمك على المجتمع حكماً مستوفياً مطمئناً والأهم عدلاً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب مصري ومستشار اجتماعي وإعلامي .. مهتم بمجال تربية الأبناء

شاهد أيضاً

الأطفال والتكنولوجيا: الجيّد، السيئ، والأسوأ

نحن نعيش اليوم في عالم جديد كلياً يتمتع بالجرأة والسرعة والتغيرات الكبيرة، وأطفال اليوم يعيشون …