من معين الثبات

الرئيسية » بأقلامكم » من معين الثبات
islam- muslim16

لقد ذكر الثبات في القرآن الكريم عدَّة مرات حيث أمر المؤمنين بأن يثبتوا في وجهِ عدوِّهم، ولا ينكصوا ولا يفرُّوا؛ فإن في ثباتِهم وصمودهم الفوزَ والتمكين والفلاح، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (الأنفال:45).

وكذلك وضع الله تعالى شرطًا لتثبيت الله تعالى للمؤمنين بأن ينصروا الله تعالى في أنفسهم؛ فلا يعصوا له سبحانه أمرًا، ولا يحيدوا عن طريقه الذي ارتضاه لعباده، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ" (محمد:7).

ولقد دلَّ الله تعالى عبادَه المؤمنين على أن التمسُّك بكتاب الله تعالى أفضل وسيلةٍ لتحصيل الثباتِ وتقويته في النفوس، قال تعالى: "قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ" (النحل:102).

ثم حذَّر الله تعالى من التولِّي وعدم الاستجابة لأمره حيث قال تعالى: "وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ" (محمد:38)، وقال تعالى: "وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ" (آل عمران:144).

ثم حذَّرنا الله تعالى كذلك من مغبَّة النكث والتخاذُل حيث قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا" (الفتح:10).

من نماذج الثابتين قديماً وحديثاً

لقد ضرَب الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين؛ أمثال: (ياسر بن عامر بن مالك، وزوجته سمية بنت خياط، وولده عمار بن ياسر، وأمثال: عبدالله بن مسعود، وبلال بن رباح... وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين) أروعَ الأمثلة في الصمود والثبات على الحق، فلم تَلِنْ لهم قناة، ولم يَخُرْ لهم عزم، حتى مكَّن الله تعالى لهم فانتشروا في ربوع الأرض، للإسلام مُبلِّغين وللبلدان فاتحين، حتى دان لهم العربُ والعجم، ولِمَ لا وقد رأوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم يتحدَّى بثباته وصموده صناديدَ قريش وكبراءهم، فلم يُساوم ولم يُهادن ولم يتنازل عن شيء من دعوته!

والنماذج في هذا المجال لم تنقطع بعد هؤلاء الصحب الكرام، بل إن التابعين وتابعيهم ضربوا أروعَ الأمثلة كذلك في الصمود والثبات في وجه طواغيت الأرض، غير مُبدلين ولا مُقصِّرين، ومن هذه الأمثلة: (سعيد بن جبير - الحسن البصري - الإمام أحمد بن حنبل - الإمام ابن تيمية - الإمام العز بن عبدالسلام - الشيخ عمر المختار – الشهيد حسن البنا – الشهيد سيد قطب – الأستاذ مهدي عاكف ... وغيرهم) إلى يومنا هذا، وإلى أن يَرِث الله تعالى الأرض ومن عليها، ولولا قول ابن مسعود رضي الله عنه: "من كان مُستنًّا فليستَنَّ بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة"؛ رواه ابن عبد البر - لذكرنا ليُوثًا مازالت تزْأَرُ في ساحات الوغى إلى يومنا هذا.

بعض موانع الثبات

عن ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكَلةُ إلى قصعتِها. فقال قائلٌ: ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءُ السَّيلِ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ. فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ! وما الوهْنُ؟ قال: حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ" (صحيح أبي داود).

♦ إن الركونَ إلى الدنيا وملذَّاتها، وتدنِّي الغايات وصغرها، وطول الأمل، والغفلة عن الثواب، والخوف من مغبَّة الثبات في وجه الظالمين كلها كالسُّوسِ الذي ينخرُ في جسد الأفراد، وبالتالي في جسد الأمة؛ فلا يؤبه بقدرها، ولا يُهابُ رُكنُها؛ فتعيش تابعة ذليلةً، خاملة الذكر، مترهِّلة الجسد، متبلِّدة الإحساس، حقيرةَ الشأن، إمَّعة الرأي، مجهولة المصير.

قال الشهيد سيد قطب رحمه الله: "إن الذي يعيشُ لنفسه قد يعيش مستريحًا، ولكنه يعيش صغيرًا ويموت صغيرًا".

* وختامًا: لا بدَّ أن ندركَ بل نُوقن أننا رعاةُ وحرَّاس وأمناء على تضحيةِ من ضحَّوْا، وثبات من ثبتوا، وصمود من صمدوا، حتى لا نكونَ حلقةً ضعيفة في هذه السلسة المباركة الممتدة إلى يوم القيامة.

ولابد أن ندرك أن الله تعالى يتخذ من الأخيار شهداء ليكونوا دليلاً على أن حملة مشعل الحق طلاب آخرة وليسوا طلاب دنيا وليكونوا نبراساً لكل من يسير على الطريق يقتفي أثرهم ويهتدي بهداهم. وذلك لا يكون ذلك إلا بحُسن التربية، وبالإيمان والتقوى، والصبر والمصابرةِ والمثابرة، والطمع فيما عند الله تعالى، فما عند الله لا ينالُ إلا بطاعة الله وهو خير وأبقى.

اللهم إنا نسألك ثباتاً تتغير به الأحوال إلى أحسن حال

ونسألك سبحانك أن تستعملنا ولا تستبدلنا

وأن تجعلنا من جندك المخلصين

معلومات الموضوع

الوسوم

  • الثبات
  • الصبر
  • اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

    شاهد أيضاً

    التسول بين الضرورة والادعاء

    "أمانة تشتري مني يا عمو، الله يخليك ويسعدك ويوفقك اجبر عني بدي أكل فش في …