إضاعة الوقت والانتحار الخفي

الرئيسية » خواطر تربوية » إضاعة الوقت والانتحار الخفي
time30

كثير منا من يغفل عن حقيقة بعض الأمور رغم أهميتها وما ذلك إلا لقصور في أفهامنا لجوهر الأشياء واعتيادنا الخاطئ في تقديرها ونظرتنا السطحية لها، فكثير من الناس من يُعلي قيمة شيء على حساب شيء آخر، ويُقدّم اهتمامه بالكماليات على حساب كثير من الضروريات، ومن أهم هذه الأمور التي نغفل عنها ونتيه في تقديرها ونغرق في تفريطنا فيها في حمأة الصراع في هذه الحياة وتهافتنا على متاعها الزائل "الوقت" وقيمته في حياة الإنسان أي إنسان كان فكيف إذا كان هذا الإنسان حاملاً لأمانة جليلة عجزت الجبال والأرض عن حملها؟!

يقول جل شأنه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [سورة الأحزاب: آية72].

وما حال الإنسان وحقيقة عمره إلا جملة من الدقائق والثواني والأيام والشهور والسنوات، إذا انتهت ثانية ومضت دقيقة انتهى جزء من عمره وانقضى بلا رجعة تماماً هي كما اللبِنات في أساس في كل بنيان وعمران، وكذلك الوقت بمجمل دقائقه وثوانيه بل شهوره وأيامه وأعوامه ما هو إلا لبِنات في عمر الإنسان إذا اختلت ثانية أو انقضت دقيقة اختل عمر الإنسان ونقص منه جزء.

الوقت بمجمل دقائقه وثوانيه بل شهوره وأيامه وأعوامه ما هو إلا لبِنات في عمر الإنسان إذا اختلت ثانية أو انقضت دقيقة اختل عمر الإنسان ونقص منه جزء

وكم تتملكنا الحيرة والدهشة من أولئك الذين يقدمون على ارتكاب كبيرة وجريمة في حق أنفسهم وحق المجتمع ويتطاولون على ما ليس لهم حق فيه عندما يقررون قتل أنفسهم ووضع حد لحياتهم لسبب خلل في عقولهم ولربما لجبنهم في مواجهة صعوبات الحياة، ولربما لقصور في فهمهم لحقائق الوجود والغاية منه، أو لربما لانعدام رؤية واضحة للغاية التي من أجلها خُلق الإنسان، فإذا كان اعتداء الإنسان على نفسه وسلب روحه بالإقدام على قتل نفسه انتحاراً جلياً لا يحمد فاعله ولا يُثنى عليه، فإن التفريط في قيمة الوقت وإغفال أهميته والمضي في الحياة دون وضعه على سلم أولويات كل فرد منا، إنما هو انتحار خفي وإن غفل عنه الغافلون وجهله الجاهلون، ومن سفاهة الأمر أن تهتم بلبِنات بيتك وتغفل عن لبنات نفسك.

التفريط في قيمة الوقت وإغفال أهميته والمضي في الحياة دون وضعه على سلم أولويات كل فرد منا، إنما هو انتحار خفي وإن غفل عنه الغافلون وجهله الجاهلون

ولو عقِل الإنسان حقيقة أمره وتفكر في مدار عمره والتفت لأمانة الوقت الذي أوكلت إليه لعلم من جليل أهميتها وعظيم شأنها أنه قد بخس ثمنها وفرط في حقها أيما تفريط وكيف لا تكون عظيمة وقد أقسم الله بها في أكثر من موضع في كتاب الله العزيز منها قوله تعالى: {وَالْعَصْر} "العصر: الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر"، وقسم آخر: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)}.

وتضمنتها وصايا الرسول الكريم بتوجيهاته النبوية إذ يقول صلى الله عليه وسلم: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه"(رواه الترمذي)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ" (رواه البخاري).

و جاء في فتح الباري في شرح هذا الحديث: "إن المرء لا يكون فارغاً حتى يكون مكفياً صحيح البدن فمن حصل له ذلك فليحرص على أن لا يغبن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرط في ذلك فهو المغبون. وأشار بقوله كثير من الناس إلى أن الذي يوفق لذلك قليل. وقال ابن الجوزي قد يكون الإنسان صحيحاً ولا يكون متفرغاً لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنياً ولا يكون صحيحاً، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون؛ لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم".

ويعظ النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من المسلمين قائلاً له: "اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" (رواه الحاكم).

ومن الأهمية في هذا الوقت الذي عليه مدار عمر الإنسان والذي طالما غفل عن حقيقته، أنه المزرعة التي يزرع فيها ما سيحصده في تلك الحياة الخالدة، وشتان بين عمر يقضيه المرء في زراعة الخير واغتنام كل ثانية فيه، وبين عمر يقضيه الإنسان عابثاً بأيامه تداهمه آفات الليل والنهار وهو في ذهول عن أمر نفسه وحياته ومآله، فمن يزرع الشوك والحنظل أنّى له أن يجني عنباً؟!. ويتحدث ابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر عن شرف الوقت قائلا: "ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يُضيع منه لحظة في غير قُربة. ويقدم الأفضل من القول والعمل. ولتكن نيته في الخير قائمة، من غير فتور بما يعجز عنه البدن من العمل..".

شتان بين عمر يقضيه المرء في زراعة الخير واغتنام كل ثانية فيه، وبين عمر يقضيه الإنسان عابثاً بأيامه تداهمه آفات الليل والنهار وهو في ذهول عن أمر نفسه وحياته ومآله

ففي اللحظة التي يدرك بها الإنسان الغافل أهمية الوقت وأنّ عمره كان كما حبات الرمل تسربت من بين أصابعه سيندم، لكن في وقت كان قد فات أوانه وقتها تذهب نفسه حسرات على دقيقة مضت لم يكن له فيها نصيب من زرع، ويعبر القرآن الكريم عن هذه الحالة من الحسرة والندامة إذ يقول تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} [سورة المؤمنون: آية99]، فقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة: "يخبر الله تعالى حال المحتضر عند الموت، من الكافرين أو المفرطين في أمر الله تعالى، وقيلهم عند ذلك وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا، ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته"( ابن كثير، عمدة التفسير).

ومما يغفل عنه الإنسان أن يبذل جل عمره على أمور ممكن استدراكها في مرحلة ما من العمر بتحصيل مرغوب وتجنب مرهوب كجمع مال وتجنب فقر فيبذل مما لا يستدرك لما يستدرك، فكل زينة ومتعة من متع الحياة ممكن استدراكها لكن أنّى لنا أن نسترجع يوماً أو دقيقة مضت، فكيف بأعوام بل بأعمار كاملة أهدرناها ونحن في غفلة وعبث ولهو.

هذا هو عين الانتحار أن يتسرب وقتك وعمرك وأنت عنه غافل، حتى إذا أدركتك الساعة الأخيرة أدركت وقتها أنك كنت تسير إليها بنفسك تماماً كمن يشرب كل يوم جرعة خفيفة من السُّم حتى إذا تراكمت السموم في جسمك وفقد مناعته في مقاومتها خرّ صريعاً، وهكذا عمر الإنسان إذا غفل عنه ينقضي كل يوم منه مقدار كتلك الجرعة المخففة من السموم حتى إذا بلغت المرحلة الأخيرة انفرط الأمر كله، وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد فيكون الموت هو النهاية لكل حي وحسب ولكن ستحاسب على الصغيرة والكبيرة ورحم الله القائل:

ولو أنا إذا متنا تركنا** لكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بُعثنا** ونُسأل بعد ذا عن كل شيء

لذا بادر قبل أن تغادر واستدرك من عمرك المتبقي لتجبر ما مضى منه وفات وذلك بجملة من الأمور:

1. الاهتمام بالوقت ووضع خطة لاستغلاله بحكمة وبصيرة.

2. تجنب مجالس اللهو والعبث.

3. محاسبة الإنسان نفسه كل ليلة واستعراض عمله ووقته أثناء النهار.

4. اغتنام الوقت بطلب علم أو تبليغ دعوة وأمر بمعروف ونهي عن منكر.

5. الحرص على إشغال النفس بذكر الله وتنقلها بين الفكر والذكر.

6. اغتنام الأوقات الثمينة مثلك أوقات ما بعد الصلوات الخمس، ومابين الأذان والإقامة، وما بين الفجر والشروق، وأيام الجمع، ومواسم الطاعات كرمضان، وأيام ذي الحجة وما إلى ذلك.

عندما يدرك الإنسان أن عمله لا يخلو من تقصير وأنه لربما فرط في كثير من الطاعات والواجبات في سالف عمره يكون ذلك دافعاً له على ضبط وقته وحرصه على استغلاله محاولاً إصلاح ما أفسد وإدراك ما أغفل فيبارك الله في عمره وعمله وحسبه في ذلك أنه يبعث على ما يموت عليه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "يبعث كل عبد على ما مات عليه" (رواه مسلم)، وعلق النووي في شرحه على هذا الحديث الشريف: "قال العلماء معناه يبعث على الحالة التى مات عليها".

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

نظرتنا إلى تفاوت النعيم في الدنيا.. بين الغيرة والزهد

ثمة قوانين في حياتنا اتفق أصحاب الاختصاص على تقنينها وفرضها من أجل تحقيق أكبر قدر …