خواطر حول قوله تعالى: “مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى”

الرئيسية » بأقلامكم » خواطر حول قوله تعالى: “مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى”
Quran1819

عن علي رضي الله عنه قال: "كانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ يراوِحُ بينَ قدميْهِ يقومُ على كلِّ رجلٍ حتَّى نزلَت (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)" (رواه السيوطي في الدر المنثور بإسناد حسن).

قال الكلبي: "لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد في العبادة حتى كان يراوح بين قدميه في الصلاة لطول قيامه، وكان يصلي الليل كله، فأنزل الله هذه الآية وأمره أن يخفف على نفسه فقال: " مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى".

وقال قتادة: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى): لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونوراً، ودليلاً إلى الجنة.

وعن مجاهد: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) يقول: في الصلاة، هي مثل قوله: "فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ" (سورة المزمل: 20) قال: وكانوا يُعلقون الحِبال بصدورهم في الصلاة.

يقول الإمام القرطبي رحمه الله: "فمعنى لتشقى لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم وتحسرك على أن يؤمنوا، كقوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ) أي ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر، ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة بعد أن لم تفرط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة" أ هـ.
جاء في "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" للشنقيطي رحمه الله: " في قوله تعالى: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) ويفهم من قوله: لتشقى أنه أنزل عليه ليسعد . كما يدل له الحديث الصحيح: "مَن يُِرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ" أ هـ.

قيل لأحد السلف: بقدر كم نقرأ من القرآن؟ قال: بقدر ما تريد من السعادة.

عن ثعلبة بن الحكم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ للعلماءِ يومَ القيامةِ إذا قعدَ على كرسيِّهِ لفصلِ عبادِهِ: إنِّي لم أجعلْ عِلمي وحِلمي فيكم إلا وأنا أريدُ أنْ أغفرَ لكم على ما كان فيكُم ولا أُبالي" (رواه السيوطي في البدور السافرة وقال: رجاله ثقات).

أي سعادة ورفعة وعزة وكرامة يريدهم العبد بعد أن اصطفاه الله ومنَّ عليه بالعلم والحلم والهداية فعاش في كنف ربه وحفظه ومعيته في الدنيا ثم يُغفر له يوم القيامة فيكون بذلك قد بلغ خيري الدنيا والآخرة!

إن السعادة الحقيقية للإنسان لا يعلمها إلا خالق سبحانه وتعالى "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ {14}" (سورة الملك).

إن السعادة الحقيقية لا يجدها الإنسان إلا في ظلال القرآن الكريم، فبه تطمئن القلوب، وبه يشفى ما في الصدور، وبه تنجلي الهموم والغموم، وبه تزول الكرب، وبه تزداد الخشية من الله، وبه يزداد الأنس بالله، وبه تتفتق العقول عن لطائف وأسرار وفرائد لا توجد في غيره من الكتب ولا في غيره من العلوم.

إن الشقاء الحقيقي يكون في عدم فهم معنى السعادة ولا كُنهها، ويكون في البحث عن السعادة في غير موضعها، فأنى لمن يُلخص السعادة في مُتعة وقتية منسية، ومُقتنيات مادية فانية، ومناصب خداعة زائلة أن يرتوي من معين السعادة الحقيقية!

إن الشقاء الحقيقي يكون في هجر القرآن فالقرآن والشقاء لا يجتمعان، والمقصود بالهجر هنا ليس هجر التلاوة وفقط بل هجر تدبره، وهجر الاستماع له والإيمان به والامتثال لأوامره والبعد عن نواهيه والرضا بحكمه، وكذلك هجر الاستشفاء به مما يعتري القلوب والنفوس من عِلل وأمراض.

أنى لقارئ كتاب ربه كما أمر ربه أن يشقى وهو يتعامل مع القرآن بهذه الطريقة الربانية النورانية فهو حين يقرأ القرآن الكريم يشعر كأنه يُحدِّث ربه ويُحدِّثه ربه.

وأنى لقارئ كتاب ربه كما أمر ربه أن يشقى وهو كلما قرأ ارتقى، وكلما ارتقى رق قلبه وصفى عقله وسكنت جوارحه وانشرح صدره وخرج من ملكوت الأرض إلى ملكوت السماء!

إن هذا الخطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم إنما يؤكد على أن أمتنا هي الأمة الوسط، فلا هي أمة الرهبانية التي ابتدعتها الأمم السابقة فما طاقتها وما رعتها حق رعايتها، ولا هي أمة المادية التي يغوص في أوحالها كل من أعرض عن الذكر ونأى بجانبه إلى الشقاء والإبعاد والحرمان والشقاء.

إن الحديث عن الفرد الواحد في هذا الجانب هو نفسه الحديث عن الأمم والشعوب فكلما تمسكت الأمم والشعوب بكتاب ربها جعل الله لها من الخير والبركة والتمكين والسيادة والريادة ما جعله لسلفها، وكلما بعدت عن كتاب ربها أصابها من التيه والضلال والضياع بل والشقاء والهلاك ما يجعلها عبرة لغيرها ، ولا يظلم ربك أحداً.

إن الخلاص كل الخلاص، والشفاء كل الشفاء، والسعادة كل السعادة هي أن نرجع إلى كتاب ربنا نتغذى على مأدبته، وننهل من بركته، ونرشف من معينه حتى نرتوي.

اللهم اجعلنا من أهل القرآن واجعلنا ببركته من السعداء الأتقياء المغفور لهم والمقبولين

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

التحكيم الشرعي في المشاكل الزوجية

أولى الاسلامُ اهتماماً كبيراً بالأسرة باعتبارها نواة المجتمع وأن صلاحها هو المعادل الموضوعي لصلاحه، وفسادها …