قول في التجديد

الرئيسية » كتاب ومؤلف » قول في التجديد
30152800

الكتاب الذي نعرض له اليوم من إصدار دار القدس العربي برعاية مجلس حكماء المسلمين، ويشتمل على عدد من الموضوعات حول مفهوم التجديد ودواعيه وخطواته، مع التعقيب على نماذج تطبيقية لمفهوم التجديد، بين المستحسن والمستهجن.

يستهل المؤلف الكتاب بـ "طليعة" يقرر فيها: "إن الدين وبخاصة دين الإسلام، لاكتماله من جهة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، ولحفظ أصوله ومصادره وعدم تأثرها بكر الأيام والدهور من جهة أخرى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، لا يعطي للعقل أو لتجدد الظروف دورا في الجانب الاعتقادي منه. فهو في مضامينه وصيغه ليس بحاجة لمجامع محلية ولا جهود فردية أو جماعية، اللهم إلا في حين العرض وأساليب الإقناع والرد على شبهات المخالفين". وبالتالي فمجال التجديد لا يكون "في" الدين وإنما بـ "الدين" ، أي توظيف فهمه من المؤهلين لذلك في إقامة وتقويم مختلف النظم الإسلامية في مختلف المجالات السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية.

ويشير كذلك لـ "ظاهرة عامة في حياتنا الفكرية" هي المانع الرئيس من جدية وصحة تيارات التجديد المختلفة، وهي أن أكثر الناس ادعاء للاجتهاد وكلاما فيه هم أقلهم أهلية له . وغالب المشتغلين بالتراث بضاعتهم فيه قليلة بل ويقبلون عليه حين يقبلون بنفسية تسيء الظن بتلك "العلوم القديمة" كما يسمونها. ويطبقون في نقدها مناهج غريبة عليها ولدت في رحم ثقافة أخرى، وفي ظل سياقات تاريخية مخالفة لسياقاتنا، وتلبية لحاجات ثقافية لمجتمعات مغايرة لمجتمعنا. ومن ذلك تيار محمد أركون وأتباعه. ويصف المؤلف تلك المساعي و"أي عمل ينشأ في هذه الظروف لا يكون تجديدا حقيقيا أصيلا، بل هو للهدم أقرب منه للبناء".

وبذلك تنتهي الطليعة بعد توضيح ركني قول التجديد عند المؤلف: مفهوم التجديد الذي نبتغي ومساحات تطبيقه الصحيحة.

مع الكتاب

ينقسم الكتاب بعد ذلك إلى 10 فصول، أهمها الفصلان الأوليان بعنوان: "القول الأساس في الفكر الإسلامي" و"التجديد المعاصر في العلوم الإسلامية"، وبقية الفصول بعدهما تعقيب على صور ونماذج تطبيقية لتيارات التجديد المنسوبة للفكر الإسلامي.

في الفصل الأول، يوضح المؤلف بعد تعريف معاني الفكر عامة، والفكر الإسلامي خاصة: "يكون الفكر إسلاميا إذا كان ثمرة إعمال عقلي يعالج مشكلة من مشاكل المسلمين، مستهديا بتقاليد العلماء المسلمين في النظر والاجتهاد العقلي، وملتزما بالقيم الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله".

ثم يعرض لتاريخ الاجتهاد وبوادر تجديد الفكر الديني، التي بدأت من عصر النبوة، لكن اتساعه وتقنينه كآلية مستدامة للاجتهاد كان بعد وفاة المصطفى عليه السلام، الذي حدى المسلمين للاشتغال بجمع موارد الديانة وضبطها، فاشتغل فقهاء الصحابة بالاجتهاد في الفروع، وعني أئمة الفقه بتأصيله في أدوات القياس والاستدلال وغيرها من علم أصول الفقه.

ويلفت المؤلف النظر إلى أهمية التفرقة بين الثابت والمتغير في تراثنا الفكري، فالثابت يجب التزامه واحترامه وعدم إبطاله أو إهداره تحت أي مسمى، وهو: الكتاب والسنة والإجماع. والمتغير يكمن في تعامل المجتهد مع نصوص الكتاب والسنة بين قطعية أو ظنية الثبوت أو الدلالة.

وينوه إلى أن الشريعة لا تغفل العادة والعرف تماما، لكن تقسمهما قسمين:

- عرف فاسد يصادم النصوص الشرعية الثابتة ومدلولاتها الثابتة، فهذا لا يعمل به وإلا كان حكما بالهوى.

- عرف صحيح يشهد له الشرع أو لا يخالف نصوصه ومقاصده، فهذا لا بأس بمراعاته ـ بل قد تعتد الشريعة به وتبني بعض الأحكام عليه فيجب حينئذ العمل به، وقد أفرده بعض الفقهاء بالتصنيف كابن عابدين.

ثم يأتي الكلام على قضية الاجتهاد وضوابطها بين الغلو والتسيب. فالاجتهاد ركن معتبر بل مفروض من أركان الديانة لكن مع الحذر من الغوائل الثلاثة التي نبه عليها المصطفى عليه السلام في الحديث: "يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ" [الترمذي والبيهقي]. واختلاف المجتهدين لا يعني استباحة حمى الديانة لكل راء أن يرى كيف يرى طالما ألصق برؤيته بعض الآيات أو الأحاديث كيف فهمها، بل يكون بناء على ما ينقدح لأهل الاجتهاد الراسخين في العلوم المطلوبة للاجتهاد من أدلة تكون معتبرة شرعا. ويفصل المؤلف في الشروط والاعتبارات بما لا يدع مجالا للخلط بين سعة الاجتهاد في الدين وانضباط ثوابته ونزاهته من لوثات النسبية. ويوجز حد كفاءة في ثلاثة:

- التمكن من علوم العربية
- التفقه في العلوم الشرعية
- المعرفة بالواقع المعاصر

ويختم المؤلف الفصل بتوضيح واجبنا إزاء معركة التجديد والتقليد، وهو العلم بصحيح الدين بوصفه قاعدة أي تجديد، وضرورة دعم تدريس العلوم الدينية خاصة في ظل ازدواجية التعليم وفصل الشرعي عن المدني، مما أدة لخلق فجوة كبرى بين مسارين الأصل فيهما التوالي لا التوازي، فعلوم الشرع هي التي بها يصح فهم وتعامل المسلم مع علوم المدنية، لا العكس.

في الفصل الثاني، يبدأ بالتأكيد على التفرقة بين الفكر الإسلامي والعلوم الإسلامية التي هي البنية التحتية له. فالعلوم الإسلامية هي التي تكون عقلية المفكر، وهي خمسة: علوم القرآن، الحديث، العقيدة أو الكلام، الفقه، وأصول الفقه. ولا بد من تعلمها بأساليبها ولغتها التقليدية أولا، ومن متون الأمهات (أو ما يسميه المنتقدون "الكتب الصفراء")، لا من المعالجات الحداثية التي تشوش علاقتنا بتراثنا وتنقله عبر عيون لم ترسخ بتكوين علمي أصيل (كتعليم العقيدة من خلال س وج، والقرآن من خلال الخرائط الذهنية، والحديث من كتب بمذاق تنمية بشرية). وبدون العناية بالعلوم النقلية على وجهها الصحيح ومن موردها الصافي أولا، يتسطح تكوين المفكر الإسلامي، بل يكون فكره مبنيا على تخيل ما يظن أنه يعلم من الدين، لا ما يدرك أو يفهم بالمعنى الصحيح. ولذلك فإن تناول النصوص الشرعية والإنسانية بمنهج تطبيقي لم يشتق من طبيعتها ولا من الثقافة العربية عموما، مخالف لمقتضيات الصناعة العلمية المنهجية.

ويضرب المؤلف المثل بتاريخ النهضة الأوروبية Renaissance التي لم تنبثق بدورها من الصفر أو العدم، بل بـ "العودة للقديم" أولا، فاستوعبوا تراثهم كاملا ثم بنوا عليه قواعد نهضتهم: ميتافيزيقا اليونان، وقوانين الرومان، وأخلاق المسييحين، والروح التجريبية في الحضارة الإسلامية.

النهضة الأوروبية لم تنبثق بدورها من الصفر أو العدم، بل بـ "العودة للقديم" أولا، فاستوعبوا تراثهم كاملا ثم بنوا عليه قواعد نهضتهم

أما نحن، فبخلاف معاداتنا لتراثنا الخاص، وعقدة القديم والجديد والأصالة والحداثة، يضاف لكل ذلك أننا "نركن للنوم والكسل العقلي ونتلذذ بالشكوى والبكاء على الأطلال الحضارية، دون أن نتوجه لعمل شيء ما في الساحة العملية البحثية".

وبعد استعراض نماذج تجديدية ونقد تطبيقاتها، يختم المؤلف الكتاب بضرورة التوجه لتيار جديد في سعينا للتجديد، يتجاوز رنين الشعارات ولوثات الماركسية والنيتشيه والرأسمالية، لنصوغ فكرا إسلاميا حضاريا تربويا: "الذي يصنع إنسانا جديدا على صعيد التربية، ونظما جديدة على مستوى الحضارة، وخططا استراتيجية لحل مشاكل الأمة، واسترداد حقوقها، ونشر رسالتها على المستوى العالمي".

لا بد من التوجه لتيار جديد في سعينا للتجديد، يتجاوز رنين الشعارات ولوثات الماركسية والنيتشيه والرأسمالية، لنصوغ فكرا إسلاميا حضاريا تربويا

مع المؤلف

 

الأستاذ الدكتور حسن محمود عبد اللطيف الشافعي، أزهري مصري، أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم، ورئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ فبراير 2012، وعضو هيئة كبار علماء الأزهر، وعضو مجلس حكماء المسلمين. له إنتاج علمي غزير يشمل عشرة كتب في الفلسفة الإسلامية والتوحيد وعلم الكلام والتصوف، وأكثر من 30 بحثًا علميًّا في العديد من المجلات والدوريات العلمية في مصر والخارج. من أبرز مؤلفاته: "المدخل إلى دراسة علم الكلام"، "فصول في التصوف"، "الإمام محمد عبده وتجديد علم الكلام"، "حركة التأويل النسوي للقرآن والدين"، "تجديد الفكر الإسلامي".

بطاقة الكتاب:

العنوان: قول في التجديد
المؤلف: د. حسن الشافعي
الناشر: دار القدس العربي، الطبعة الأولى 2016
عدد الصفحات: 240

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي

تمهيد يبدأ الكتاب بكلمة مهمة، تعاكس توقعات القارئ التي يبنيها عنوان الكتاب. فيذكر المؤلف أن …