مفهوم الإسلام للتنوع الثقافي.. منظومة من القيم والتطبيقات

الرئيسية » بصائر الفكر » مفهوم الإسلام للتنوع الثقافي.. منظومة من القيم والتطبيقات
masjid-islam27

في عالمنا المعاصر، نجد الكثير من المراكمة الفكرية والإبداعية التي وضعها مفكرون ينتمون إلى المذهب الذي يعلي من شأن الانتماء الإنساني، وإلى الأيديولوجية الليبرالية، وما يرتبط بها من منظومة قيم تُعلي من شأن سُلَّم قيمي، تقف #الحرية على رأس مكوناته.

وفي حقيقة الأمر، فإنه ينبغي الاعتراف في فضائنا الإسلامي، بالسبق في هذا الصدد للمفكرين والفلاسفة الذين ينتمون إلى هذه المذاهب والمدارس الفكرية؛ إذ استطاعوا خلق بنيانٍ فكري متكامل شكَّل "خارطة طريق" واضحة، قادت الكثيرين للإيمان بأن المدرسة الليبرالية الغربية والفلسفات الأوروبية هي أرقى ما وصلت إليه البشرية في المجال الإنساني.

وزاد من مساحة انتشار هذه المدرسة فئتان: الأولى- هي فئة المستشرقين، والثانية- هي فئة الليبراليين العرب والمسلمين، والتي ظهرت منذ بدايات القرن التاسع عشر، عندما نشطت حركة البعوث العلمية إلى أوروبا من مصر، وحركة الهجرة من بلاد الشام إلى أوروبا والأمريكيتَيْن، في ظل المشكلات الطائفية والاجتماعية التي طرأت في مناطق ساحل سوريا الكبرى في ذلك الحين، بعد ضعف قبضة الدولة العثمانية المركزية على قلب وأطراف الدولة.

ساند انتشار هذه المدرسة حالة التخلف الحضاري الشامل الذي ضرب بأطنابه أمتنا، وبدأت مقارنات ظالمة في جذرها، إذ قارنت واقعًا بواقعٍ، بينما أصل المقارنات الناجحة هو أن تكون شاملة، وأن توضع في الاعتبار مقارنة التاريخ بالتاريخ، وكذلك أسباب حدوث هذا الواقع.

في كل الأحوال، فإننا دائمًا ما نقرأ عن الليبرالية والمدرسة الغربية باعتبار أنها موئل احترام التنوع الثقافي والإنساني بشكل عام بما تملكه من منظومة قيم، وينسى الكثيرون في خضمِّ حماستهم أن هذه المنظومة قد أفرزت أسوأ الأنظمة الشوفينية المستبدة، التي أذاقت العالم الأمرَّيْن لأكثر من ثلاثة عقود من الحروب العالمية، منذ منتصف العقد الثاني من القرن العشرين، عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام (1914م)، وحتى منتصف العقد الخامس بنهاية الحرب العالمية الثانية عام (1945م).

إننا دائمًا ما نقرأ عن الليبرالية والمدرسة الغربية باعتبار أنها موئل احترام التنوع الثقافي والإنساني بشكل عام بما تملكه من منظومة قيم، وينسى الكثيرون في خضمِّ حماستهم أن هذه المنظومة قد أفرزت أسوأ الأنظمة الشوفينية المستبدة، التي أذاقت العالم الأمرَّيْن لأكثر من ثلاثة عقود من الحروب العالمية

في المقابل، لا نجد ذات المنظومة المتكاملة من الأدبيات والإنتاجات الفكرية التي تكرِّس موضع هذه الأمور في الإسلام، وفي المنظومة الإسلامية.
وهناك عوامل كثيرة لذلك الوضع، أهمها سيادة منظومة "المُلْك العضود"، و"المُلْك الجبري" على الدولة الإسلامية طيلة قرون ما بعد دولة الخلافة الراشدة، واهتمام المفكرين والفقهاء المسلمين بالفقه والأحكام والتفسير عن التطرُّق لهذه الأمور، تأثُّرًا بواقع مهم، وهو سيادة الدولة الإسلامية على العالم القديم، مع وجود نظرة عقدية سلبية للفلسفة.

ونذكر المعارك الفكرية التي خاضها "ابن رشد" و"ابن عربي"، وغيرهما، وحتى الإمام "الشافعي" لما أراد إنشاء مدرسة فقهية قائمة على فكرة التنوع الاجتماعي وتبدُّل الظروف، ووضع أثر ذلك على الحكم الفقهي، أو إنزال الحكم الشرعي، تعرض إلى حربٍ حقيقية، تعرض فيها للضرب من جانب أتباع المذهب المالكي في مصر، وقيل إنه مات بسبب ضربه بالهراوات من قِبَل بعض غُلاة المالكية في مصر.

في البدء يجب التأكيد على بعض النقاط، أهمها -مما له المركزية الأكبر في هذا المقام- هو أن الإسلام دين يعترف بالتنوع، ويضع له أهمية باعتباره قانونًا عمرانيًّا، وبالتالي فالشريعة تكرِّسُه في مختلف الاتجاهات التطبيقية، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية .

وكما نؤمن ونعلم، فإن الإسلام نزل موافقًا للفطرة؛ لأن الله تعالى لن يرتضي لعباده عقيدة لا يقبلها العقل، أو شريعة لا يمكن تطبيقها بسبب تعارضها مع ممكنات الواقع، وقدرات الإنسان وطبيعته. يقول تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [سُورة المُلْك– الآية14].

في هذا الإطار، عبَّر القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة، في أكثر من موضع عن اعتراف واضح بأهمية التنوع الثقافي، وبأنه حقيقةٌ واقعة في حياتنا.
وعندما نتكلم عن الثقافة، فإننا نتكلم عن الهوية، وبالتالي نعني منظومة من الأشياء والأمور، مثل اللغة، ومثل القومية، التي تعني الشعوب، والأعراق المختلفة الألوان واللغات.

ومن القرآن الكريم، نختار فقط آيتَيْن، الأولى- في سُورة "الروم"، إذ يقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ (22)}، والثانية- في سُورة "الحُجُرات"، ويقول فيها سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)}.

وفي الآية الثانية نجد أن التنوع الذي يعترف به الإسلام، يبدأ من مستوى النوع، الذكر والأنثى، وصولاً إلى تنوع الشعوب، بثقافتها وألسنتها وألوانها، كما تقول الآية الأولى، في تكامل رائع يقول بأحادية مصدر القرآن الكريم، واتساقه.

أما السُّنَّة، فنقف أمام "خطبة الوداع" التي تلا فيها الرسول الكريم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [سُورة المائدة– من الآية 3]، وفي ذلك دلالة على أن هذه الخطبة فيها جماع الدين، ومركزيتها في تحديد رؤية وبوصلة الأمة إلى يوم يُبعثون.

ففيها قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (كلكم لآدم وآدم من تراب)، وفيها قال مخاطبًا الناس أجمعين؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان يعلم أن الله تعالى شاء أن تبقى هذه الكلمات حية لتقيم الحُجَّة على بني آدم كلهم أجمعين: (يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى).

فلم يقل النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (إن إلهكم واحد)، بل قال "ربكم"، ومن المعروف لعلماء التوحيد أن الله تعالى هو رَبُّ كل شيء، ورَبُّ كلِّ إنسان، مَن آمن ومَن كفر، بينما الإله هو لمن يؤمن به، وهو نحن المسلمون في هذه الحالة.

كما ردَّ الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه العبارات الإنسانية إلى أصلها آدم عليه السلام، واعترف بالتنوع العرقي فيها، وقال إن هذا التنوع لا فضل لأحدٍ فيه على أحد، إلا بالتقوى.

فهذه العبارات إذًا، تقول بأن الإسلام وضع نقطة التنوع الثقافي والاجتماعي قيد الاعتراف، بل جعله -كما يقول مفكرون عرب غربيون عن المفهوم الغربي للتنوع الثقافي والاجتماعي- قضيةً إنسانيةً وأخلاقية، حيث منع أي تفوق لأي عنصر لمجرد أنه ينتمي إلى هذا الشعب، العرقية، اللون أو اللسان، إلى آخر صور التنوع البشري، ووضع معيار التقوى لفضل الناس على بعضها البعض.

الإسلام وضع نقطة التنوع الثقافي والاجتماعي قيد الاعتراف، بل جعله -كما يقول مفكرون عرب غربيون عن المفهوم الغربي للتنوع الثقافي والاجتماعي- قضيةً إنسانيةً وأخلاقية، حيث منع أي تفوق لأي عنصر لمجرد أنه ينتمي إلى هذا الشعب، العرقية، اللون أو اللسان.

والتقوى هي خشية الله تعالى، ومراقبة الإنسان له في كل عمله وحاله، ولا يوجد أفضل من ذلك كمعيار أخلاقي للأفضلية، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون كما قال القرآن الكريم.

وكما نعلم عن الشريعة الإسلامية، من شمول وتكامل، فقد صبغ ذلك المبدأ كل شيء في أحكامها، مثل كل المبادئ التي أقرتها الشريعة، فنجدها في الاقتصاد والسياسة والتشريع القانوني وكذا.

وعليه نجد أن موقف الدولة ومنظومة الحكم في الإسلام، تعترف بالتنوُّع الثقافي والاجتماعي هذا، ونجد ذلك في "وثيقة المدينة"، وفي الممارسة النبوية في دولة المدينة، وحتى في الدول الإسلامية التي ظهرت بعد عصر الخلافة الراشدة، لم نجد أن الحاكم المركزي، في بغداد أو القاهرة أو الأستانة، أو أيًّا كان، قد فرض التعريب أو الثقافة العربية على الشعوب الأخرى.

وأبسط دليل على ذلك، أن لغات وكتب وثقافات الشعوب التي تضمنتها الدولة الإسلامية قديمًا، لا تزال حية، فالأكراد لهم لغتهم التي يتكلمون بها، وفنونهم وثقافتهم، والأمازيغ لهم لغتهم الحية، وفنونهم وآدابهم، والمسيحيون في المشرق، كتبهم موجودة بلغاتها، وكذلك عاداتهم وتقاليدهم قائمة.
كل هذه الأمور هي مفردات مفهوم "الثقافة" الذي يشمل كل مكونات الهوية والخصوصية الإنسانية، وما انبثق عن هذه الخصوصية من نتاجات مثل الفنون والآداب.

ولو تأملنا في مفردات نظرية التنوع الثقافي في المفهوم الغربي، وما تضمنته من منظومة قيمية متكاملة، مثل الحرية والتسامح، وكذلك العدل والمساواة والإنصاف، سوف نجد أن الإسلام قد جذَّرها بنصوص قرآنية ونبوية واضحة، وأكدتها الممارسة النبوية كذلك في دولة المدينة.

لو تأملنا في مفردات نظرية التنوع الثقافي في المفهوم الغربي، وما تضمنته من منظومة قيمية متكاملة، مثل الحرية والتسامح، وكذلك العدل والمساواة والإنصاف، سوف نجد أن الإسلام قد جذَّرها بنصوص قرآنية ونبوية واضحة، وأكدتها الممارسة النبوية كذلك في دولة المدينة

وعلى العكس، فقد قدَّم الإسلام منظومة أخلاقية متراتبة في هذا الصدد، أكثر واقعية وملائمة لطبيعة الخلق الإنساني، وأفضل لإدارة المجتمعات البشرية.

فحتى "فقهاء" ليبراليين غربيين، انتقدوا مذهب ماديسون في تعظيم الفردانية، والتي وصلت إلى مستوى الأنانية، وعندما وضع جون ستيوارت ميل، ومن قبله جون لوك، أساسيات الليبرالية المعاصرة، كان البعد الاجتماعي –الذي أكد عليه الإسلام– واضحًا في أفكارهم.

وفي الإسلام، نجد أن الحرية قيمة أساسية، بل إن التكليف الشرعي لا يكتمل أو لا يتحقق بدونها ، وفي تصنيف مستشرقين وليس حتى فقهاء أو فلاسفة مسلمين، نجد أنهم يعترفون بأن العدالة هي قمة السُّلَّم القيمي في الإسلام، ومن العدالة تقف المساواة.

فعلى سبيل المثال، لم تعرف جماعة المسلمين وقت الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، أية فروق طبقية ، ولم يكن هناك "صحابة" و"صحابة"، أي لم يكن بين صحابته رضوان الله تعالى عليهم جميعًا أية تمايزات، لأي اعتبار بل إن المجموع المسلم وقتها كان على قدم المساواة.

فحتى عثمان بن عفَّان وعبد الرحمن بن عوف (رضي الله عنهما)، وكانا من الذين ينفقون على جيوش المسلمين، وعلى ما نعرفه الآن بالبنية التحتية، مثل شراء الآبار وحفرها، وزراعة الأرض، لم يكن لهم أي وضع متمايز في الدولة والمجتمع.

وبدا ذلك في الكثير من الأمور الأخرى، حتى في أمور الحرب، مثل تكليف شباب مثل أسامة بن زيد؛ لكي يقود جيشًا كان فيه عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، رضي الله عن الجميع، وما كان الصحابة ليقبلوا بذلك، إلا لأنهم يعلمون أن هذا ضمن منظومة نزيهة، وتستند إلى الموضوعية، وتقوم على مبادئ كرَّسها الدين، لا على بواعث شخصية لدى النبي "عليه الصلاة والسلام".

صفوة القول، لأن هذا الحديث يطول، ودلالة أنه يطول، وبحاجة إلى دراسات وكتب أكثر عمقًا في التناول، أنه بالفعل المطلوب في المرحلة الراهنة -هو أن يقوم مفكرو وفلاسفة وعلماء المسلمين، بالكتابة في هذا الاتجاه، كتبًا ودراسات محكمة منضبطة بالمنهج العلمي في التوثيق والتأريخ والحكم الشرعي.

وذلك من أجل تكريس منظومة من الأدبيات المتكاملة التي تقدِّم، وبشكل واضح، مكونات وقواعد نظرية الإسلام في مجال احترام، بل وتكريس التنوع الثقافي والاجتماعي، تُعرَض أمام الآخر، كما يقدمون هم منظومتهم المتكاملة. نكتب كما يكتبون، وننزع الخرافات التي التصقت بعملية البحث في المجالات الفكرية والفلسفية، وإنتاجاتها طيلة القرون الماضية، من أنها "حرام" وليست أولوية.

وتعرض كذلك أمام عموم المسلمين الذين بدأوا –للأسف– يتفلَّتون من دينهم، ومن ثقتهم في كماله، وفي معالجته لمشكلاتهم، ولقضايا الإنسانية الأهم بشكل عام، لعوامل عديدة لا مجال لشرحها في هذا الحيِّز.

فيكون هذا الجهد وسيلةً للتأكيد على كمال هذا الدين وجماله، والتأكيد على أن كل ما يُنسب للإسلام من عكس ذلك، إنما هو محض افتراءات، ومغالطة كبرى يقع فيها الكثيرون، وهو إسقاط أخطاء الممارسة على الأصل النظري.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

3 دروس مستفادة من ثورة ربض قرطبة

حينما وقعت ثورة ربض قرطبة قبل 1200 عام تقريباً، ترك المسلمون قرطبة ضعافاً مكروبين متألمين، …