من مفاتيح الصلاح (1) : التوجه والخواطر

الرئيسية » خواطر تربوية » من مفاتيح الصلاح (1) : التوجه والخواطر
1_uCdCezP7OthCclgq_fDM7Q

1) الهدف والتوجه

إن الحياة ليست عبارة عن "كومة" من الأهداف أو كمٍّ من الإنجازات ، بل الحياة تشمل كذلك تلك الفراغات البينية بين كل هدف أو إنجاز والذي يليه.

والتغيير الذي ننشده لحياتنا ليس مجرد قفزات أرنبية لا رابط بينها، وإنما تشكيل نسق متكامل ونهج منسجم من تصورات ومبادئ وأولويات، بها تحيا وعليها تبعث وتحاسب. وحين يستقيم نهج حياتك وتوجهك في أصله، تجد بأن أهدافك تتحق تلقائيا طالما كانت في رِكابه، ولا يتحول كل هدف لعملية إنجاز شاقة تحشد لها كل القوى وتعيش فيها قمة التوتر النفسي خشية الفتور، ثم إذا أتممته عدت لسيرتك الأولى وخمولك الأصلي.

التغيير الذي ننشده لحياتنا ليس مجرد قفزات أرنبية لا رابط بينها، وإنما تشكيل نسق متكامل ونهج منسجم من تصورات ومبادئ وأولويات، بها تحيا وعليها تبعث وتحاسب

خذ مثلا الفرق بين طالب العلم المتمكن من أصوله في اللغة مثلاً وبين الطالب الدراسي. الأول بالنسبة له التفوق الدراسي تحصيل حاصل، فلا تقلقه مادة كالمقال مهما كان موضوعه، لأنه يمتلك مفاتحه بالفعل من حيث بلاغة التعبير وجودة الأسلوب وحسن العرض، خاصة لو جمع إلى ذلك سَعَة أفق تعينه على إثراء المضمون. أما الطالب المدرسي الذي هدفه تحصيل درجات وأختام شهادات، تجده في كل عام ينكب على "المقرر" ويتحجر فيه، فيصمه صماً أجوف، ثم يسكبه في ورقة الامتحان. كلا الطالبين ربما يحصلان الدرجة النهائية، لكن شتان بين جوهريهما: الأول صاحب علم، والثاني يحسب أنه على علم.

إذن العبرة ليست بتحقيق الهدف أو بلوغ النتيجة، بل كيف تبلغها، وماذا تكتسب أو تجني أثناء ذلك من خير أو شر . ولذلك فتحديد ما إذا كنت تبغي أن تتخذ وجهة في الحياة بكامل نسقها ومبادئها وأولوياتها، أو تحقق مجموعة أهداف وإنجازات، هو البذرة الأولى في تربة التغيير.

لأن الحالة الأولى تعني أن درب التهذيب والتنمية والتطوير ممتد ما أذن الله لك من عمر، فتأخذ الحياة بقوة وعزم في تُؤَدة ورفق وأناة، بغير تشنج ولا جزع ولا حرص، واعيا أن هذه الدنيا معبر لا مستقر، وأن كل المكتسبات هنا هي مكتسبات مؤقتة لا تدوم إلا أن تتخذها وسيلة لجني الثمار الخالدة بإذن الله تعالى.

أما الثاني فيعني أن تعيش حياة مضطربة محمومة، فتلهث في كل مرة تريد بلوغ شيء، ثم إذا بلغته لا يكفيك حتى تريد الذي بعده، ولا تدري على الحقيقة إلى أين تذهب، وإنما تسيرك رغباتك وتطلعاتك بغير رابط بينهما، فتجري جري اللاهثين وتجمع مع الجامعين، ولا تدرك مع ذلك طمأنينة المُسدَّدين.

فمن جاهد نفسه حتى استقامت وصار العزم والجد طابعه، لا يحتاج لتكلفهما كل حين والآخر، بل شقاؤه الحقيقي يكون في الفتور والخمول والتبطل. وهذه الدرجة على صعوبة الوصول إليها ليست مستحيلة، وبين الاستحالة والصعوبة تكمن الهمة والإرادة في أن تصنع من وجودك حياة ، ومن حياتك خلودا في النعيم بعون الرحمن.

2) تسلل الخواطر

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه القيّم "الفوائد"، موضحا كيفية تسلل الذنوب للإنسان: "دافع الخاطرة فإن لم تفعل صارت فكرة، فدافع الفكرة فإن لم تفعل صارت شهوة، فحاربها فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمة، فإن لم تدفعها صارت فِعلا، فإن لم تتداركه بضده صارت عادة".

وهذا كلام نفيس يكتب بماء الذهب. ذلك أن العادات والسلوكيات إنما تنبع من مبادئ وأفهام وتصورات، كثير منها يتشكل في غفلة من صاحبها على هيئة خواطر وأفكار، ويصير أساساً وقناعة لسلوكه من بعد. بغير اليقظة للجذور والأفكار والمعتقدات التي تشكل السلوك، ستظل أي محاولة تغيير لظاهر السلوك لا تعدو تلميعا خارجيا لمعدن صدئ.

بغير اليقظة للجذور والأفكار والمعتقدات التي تشكل السلوك، ستظل أي محاولة تغيير لظاهر السلوك لا تعدو تلميعا خارجيا لمعدن صدئ

ومن الأمثلة في ذلك المبتدئون في البناء الثقافي والتكوين العلمي، الذين يُهرَعون للتعرف على فكر الآخر قبل التثبت من الذات، فينتهي بهم الأمر ببغاء عقله في أذنيه، يردد كلام هذا وكلام ذاك دون أن يكون لهم قدرة تمحيص أو نقاش. فمن الضروري أن نبقى يقظين لمسارات تفكيرنا وتوجهاتنا، وما نحيط به أنفسنا من أجواء ثقافية وفكرية وعملية واجتماعية، وإلا نبدأ باتجاه وننتهي إلى اتجاه آخر تماما بغير أن نشعر إلا متأخرا.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

ما هكذا تُبنى يا “سعد” الدُّوَل!

جاء في أمثال العرب: "ما هكذا تُوْرد يا سعد الإبل" وهو مثل في الأصل قيل …