تفكيك منظومات الاستبداد عودة لمطلب الدولة المدنية

الرئيسية » حصاد الفكر » تفكيك منظومات الاستبداد عودة لمطلب الدولة المدنية
o-CRIMINAL-JUSTICE-facebook

حكى لي أستاذنا الشيخ الدكتور حسن الترابي رحمه الله عن حوار دار بينه وبين حسني مبارك في التسعينيات أيام كان الشيخ الترابي في حكومة السودان. قال الترابي: (عرضت على مبارك في القاهرة مشروعاً لفتح إقامة للفلاحين المصريين في السودان وتمليكهم أراضي ضمن خطة متكاملة لزراعة أراضي واسعة في السودان تكفي لحاجات السودان ومصر بل وتكفي لإطعام العالم العربي كله). رد مبارك قائلاً: (ما أقدرش). سأل الترابي: (لماذا؟). رد مبارك: (الأمريكان يذبحوني! بناخذ القمح من عندهم). قال: (فعرضت عليه تنفيذ ولو جزء من الخطة الزراعية على الأقل عن طريق تسهيل إجراءات التأشيرات بين البلدين على الحدود ودون إعلان عن أي مشروع). رد مبارك: (بإعلان أو من غير إعلان. الأمريكان عارفين كل حاجة. ما أقدرش).

هذا مثال بسيط لحوار بين حكام من العالم العربي يدلنا على سبب مهم من أسباب أزمة السودان الاقتصادية الحالية ونحن في سياق حراك شعبي واسع للاحتجاج عليها، ويدل في منظور أوسع على سبب من أسباب فشل دويلات ما بعد الاستعمار بشكل عام في تحقيق مصالح شعوبها في كل أنحاء العالم الإسلامي بلا استثناء.

هذه الدويلات المتشرذمة -بصريح العبارة- ما زالت تحت حكم الاستعمار وإن كان في شكل جديد، وتحتاج إلى حركات تحرر جديدة.

السلطة الحالية في هذه الدويلات (الإسلامية) عندها خطوط حمراء تخضع لها بإخلاص، وهذه الخطوط تضمن استمرار الشعوب المستعمرة في أزماتها وبقائها دوماً تحت سقف معين للازدهار. المهم هو استمرار تلك الدويلات في تنازعها مع الجيران، وفي اعتمادها على المستعمر لكي تأكل وتعيش وتتداوى وتتعلم، بل ولكي تدافع عن نفسها من فزاعات دويلات الجيران تارة ومن (الإرهاب) تارة، لا من المحتل أو المستعمر الحقيقي.

وقد علمتنا السنوات الأخيرة دروساً باهظة الثمن، لعل من أهمها أن الحراك الشعبي فقط على نظم الاستبداد أو القمع أو الفشل أو الفساد - وكلها منظومة واحدة في نهاية المطاف - لن يؤدي إلى تغيير حقيقي على الأرض، بل أدى في كل الحالات وفي كل البلدان لانقلابات داخلية من أذرع نفس النظم الفاسدة على بعضها، سواء في رأس هرم السلطة أو انقلاب تحته بدرجة أو درجتين، ثم يعقب ذلك تنازلات دولية أكبر ووضع حقوقي وسياسي واقتصادي وصحي وتعليمي وأمني أسوأ من ما كان، ذلك لأن القوى الخشنة الحقيقية -رسمية وغير رسمية- في تلك الدويلات تدعمها أموال الدولة المنهوبة من أصحاب السلطة، ولو لم تكفي فسيدعمها المنافقون من الأعراب والمنافقون من المتصهينين، وهي تعمل للبقاء في إطار المشروع الاستعماري في خارطته الجديدة، وهي إذن لن تتوانى عن قمع شعوبها وقتلهم بالألوف بل والملايين لو حاولوا إخراج الاستعمار في أشكاله الجديدة من بلادهم أو مقاومة الخارطة الجديدة المرسومة.

لم يعد الاستعمار أعزلاً في مواجهة شعوب العالم الإسلامي مباشرة، بل يواجهها بطبقة أصحاب السلطان والمصالح الذين يقطنون أعلى هرم السلطة، وهؤلاء يدفعون الجزية لأعداء الشعوب - في صور كثيرة - لحمايتهم من شعوبهم، ثم يدفعون أكثر من مصائر نفس الشعوب ليوافق المستعمرون الجدد على توريث أولادهم وأقاربهم من بعدهم. هذا هو الحال في مجمله من غرب أفريقيا إلى بلاد العرب إلى شرق آسيا، إلا ما ندر.

(ماذا نفعل؟ ما هو مفتاح الحل؟)  هو السؤال الكبير الذي يسأله الشرفاء من أصحاب العقول والضمائر في أنحاء العالم الإسلامي، وهو السؤال الذي لا توجد إجابة حاسمة له إلى يومنا هذا. ولكن على حال هذا رأي لعله يفيد خاصة في سياق الموجة الجديدة من الحراك الشعبي في السودان والجزائر: مفتاح الحل هو العودة لمطلب (الدولة المدنية) والالتفاف حوله.

فمع توحش - أو بالأحرى تشيطن - مجموعة (الواحد بالمائة) التي تدير موارد هذا العالم وتضليل مجموعة (العشرة بالمائة) الخادمين لهم والمستفيدين من بقاء هذا النظام العالمي الاحتكاري، فلنا أن نتوقع بسهولة -كما يتوقع العقلاء في الشرق والغرب- أن موجات الاحتجاجات والثورات ستتوالى وتتزايد حدة واتساعاً -في الشرق بل وفي الغرب كذلك. ولكن ستستمر الشعوب في العالم الإسلامي خاصة في دفع أثمان باهظة من دماء وأعراض وأعمار شبابها وفتياتها وأصحاب العقول والضمائر والفكر والعلم فيها ما لم يتوحد العقلاء خلف مطلب واحد، ألا وهو مطلب (الدولة المدنية).

مطلب (الدولة المدنية) معناه أنها لا يحكمها لواءات العسكر ولا قيادات الأمن. هؤلاء لهم حدودهم المعنية بعيداً عن دائرة الحكم الذي يجب أن يتولاه مدنيون مؤهلون وواعون. وهذه في نظري لا يمكن أن تتحقق في الواقع إلا أن يأخذ زمام المبادرة في كل بلد مجموعة من الشرفاء من العسكر أنفسهم، على أن تدعمهم مجموعة أخرى من الشرفاء من طبقات (الصفوة) في كل مجتمع أياً كان تعريفه للصفوة. الحراك الشعبي دون تأييد حقيقي غير مخادع من نخبة من العسكر ودون نخبة أخرى تشق عصا الصفوة ذات اليد العليا في المجتمع وتنحاز للعامة -هو حراك لن يؤدي لشيء. ولا يصح في هذه المرحلة التعبير عن أي أيديولوجية سياسية حزبية أياً كانت إلا (الأيديولوجية المدنية)، والتي تمثل حدود القيم العليا المشتركة بين الشرفاء والعقلاء وتضع نصب أعينها أولاً وآخراً إزاحة كابوس حكم العسكر (بالاستعانة بالعسكر الشرفاء الذين يؤمنون بمدنية الدولة). ولا يصح بحال استخدام وسائل العنف خارج هذا الإطار، لأنه لن يحل شيئاً ولا يؤدي إلا زيادة الطين بله.

مطلب (الدولة المدنية) بمعنى أنه لا يحكمها قبيلة معينة دون إشراك حقيقي للشعوب سواء أكان النظام الذي يرتضيه الناس (ملكياً) أم (جمهورياً). الأسماء لا تهم، ولكن المهم هو أنه قد آن الأوان للعائلات المالكة والأسر النافذة وطبقات السطوة التي تحكم العالم الإسلامي - آن لهم أن تشترك شعوبهم بصرف النظر عن تنوعاتها الداخلية إشتراكاً حقيقياً في كل السلطات الخمسة، لا رمزيات وشكليات خداعة في صورة مجالس نيابية أو شورية أو بلدية وهمية لا سلطان لها ولا رقابة لها على الحكام ولا قرار، ولا قضاء غير شريف يأتمر بأمر الحكام أو يضعهم فوق القانون وخارج نطاق تطبيقه، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، ولا مجتمع مدني كرتوني تحت رعاية السلطة لا يجرؤ على النقد أو التعاون مع نظرائه في الكفاح أو تطوير الحياة العامة خارج الأطر (السيادية)، ولا إعلام أبواقه يمتلكها الحكام أو رجالهم المخلصين ويحتكرون الكلمة كما احتكروا المال ووسائل العنف ويضعون الخطوط الحمراء للإعلام كما تملي كراسيهم ومصالحهم، ولا ثروات دولة بل وجنسيتها تمنح فقط لأصحاب الولاء ويبقى أصحاب المعارضة (بدون) جنسية أو بجنسية درجة ثانية كما نرى في دول كثيرة من غرب أفريقيا مروراً بالعالم العربي كله وإلى شرق آسيا.

مطلب (الدولة المدنية) بمعنى اشتراك المواطنين -كل المواطنين- دون حظر على تساوي المسلمين وغير المسلمين، والرجال والنساء، ومكونات البلد من كل الأجناس والأقليات - في الحقوق والواجبات المدنية. بدون هذه المساواة والمصالحة بين مكونات الشعوب لن تقوم لها قائمة، وسيظل الاستعمار في شكله المعاصر مستفيداً من الانقسامات وتأجيجها. كيف لا وهم الذين ابتدعوا شعار (فرّق تسد)، وما تفريق العراق بعد الاحتلال إلى تلك التقسيمة العجيبة (سنة وشيعة وأكراد) عنا ببعيد.

مطلب (الدولة المدنية) معناه الإيمان بوضع مصلحة المواطن أولاً، تقاتل الدولة من أجل المواطن وليس ضده، وتضع سياساتها العامة من أجل الصالح العام فعلاً، وتجيش الجيوش والشعوب من أجل حماية ذلك الصالح العام. وحين تقوم تلك الدولة التي تضع الصالح العام نصب أعينها فلا شك أنها ستتعاون إقليمياً مع نظرائها وستبدأ في تكوين شراكات واتحادات على كل المستويات وتبدأ في تذويب العصبيات الجاهلية والهويات الزائفة الحالية نحو خريطة جديدة فيها تكتلات واتحادات جديدة. الدولة المدنية بهذه المعاني كلها هي الطريق الواقعي للاتحاد الإسلامي المنشود، بدلاً من هذا التشرذم الذي لا مثيل له في خريطة العالم. هذا هو البديل عن الخريطة الجديدة التي يطرحها الاستعمار فيجزئ فيها المجزأ ويقسم المقسّم.

وبعد. فهذه النظرات في هذا المقال كلها (إسلامية) و(شرعية) و(مقاصدية)، وكل ذلك عليه أدلة نقلية وعقلية فصلتها في ما اتسع من غير هذا المقام. ولنا أن نسأل: ما هو الطرح (الإسلامي) في هذا إلا ما يحفظ حياة الناس ومصالحهم العامة والخاصة ويرتقي بمستوى العدل والأمن والكفاية والحقوق في مجتمع الإنسان؟

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

لماذا الحزن على مرسي؟

قليلة بل نادرة هي المرات التي تجمع بها عاطفة الشعوب العربية بالحزن على زعيم عربي.. …