كيف يتحصَّن الداعية من ظاهرة الإلحاد؟

الرئيسية » بصائر الفكر » كيف يتحصَّن الداعية من ظاهرة الإلحاد؟
muslim-student-reading

لم يخلُ أي عصر من العصور المتقدمة أو المتأخرة من التاريخ الإسلامي، وحتى عصرنا الحديث، من المذاهب والأيديولوجيات والأفكار الهدامة، وعلى رأسها الإلحاد.

وقضية الإلحاد ليست قضية عَقَدية فحسب، بمعنى أنها لا تتصل بنقطة الإيمان أو عدم الإيمان بالخالق ووجوده، وإنما هي ظاهرة أوسع، لها أبعاد اجتماعية وسياسية عميقة.

وكالمعتاد؛ فإنه عند تناول أية ظاهرة أو قضية؛ يكون من المفيد والمهم تحرير المفاهيم الأساسية للحديث، حتى يمكننا فهمه.

نحن نتكلم في هذا الموضع عن أمرَيْن أساسيَّيْن. الدعوة والإلحاد.

والدعوة، أمرها سهل ومفهوم؛ حيث تعني لغةً التبليغ والنداء، وفي الاصطلاح الذي يختص به هذا الموضع من الحديث، هو تبليغ دين الله تعالى إلى الناس، وإدخال الناس فيه، والسعي إلى نشر الشريعة السمحاء.

أما الإلحاد "(اللاربوبية) أو (Atheism)"، فهو على مستوى الاصطلاح مشكلة كبرى في تعريفه وشرحه، ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن قضية تحصين الداعية من الإلحاد؛ حيث إن المصطلح أوسع قليلاً من المفهوم الشائع عنه، وهو إنكار وجود الله عز وجل.

فالإلحاد باب واسع في اللغة، وبالتالي، فهو باب واسع في الاصطلاح والماصدقات، وبعضها قريب بالفعل من الداعية.

وبالتالي؛ فإننا عندما نتحدث عن تحصين الداعية من ظاهرة الإلحاد؛ فإننا لا نتكلم فحسب عن كيفية توثيق عُرى الإيمان في نفسه، وكيفية تدريبه وتأهيله علميًّا –بمعنى العلم الشرعي والعلم المادي أو الدنيوي– وعقليًّا للرد على الشبهات ، وخصوصًا الشبهات التي تتلبَّس رداء العلم المادي الذي وصل إلى ذرىً لم يكن يتصورها أحدٌ من قبل.

فهناك أنواع من الإلحاد وردت في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سُورَة "فُصِّلَتْ" – الآية 40].

والإلحاد في هذه الآية، في كلمة "يُلْحِدُونَ"، كما يقول الطبري في تفسيره يعني "الذين يميلون عن الحق في حججنا وأدلتنا، ويعدلون عنها تكذيبًا بها وجحودًا لها"، وكذلك يعني المعاندة، والكفر والشرك.

ويقول عَزَّ مَن قائل: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [سُورَة "الأعراف" - الآية 180].

و"يُلْحِدُونَ" هنا كما في الطبري، تعني المشركين، ويعني إلحادهم في أسماء الله الحسنى، أنهم قد عَدَلوا بها -أي حادوا وحرَّفوا- عمَّا هي عليه؛ حيث أسموا بها آلهتهم وأوثانهم، مع تعديل في بعض الأحرف، وصياغتها في اشتقاقات أخرى، مثل "اللات" التي هي اشتقاق من لفظ الجلالة "الله"، و"العُزَّى"، التي هي اشتقاق من اسم الله "العزيز"، سبحانه وتعالى عمَّا يصفون.

ثم هناك قوله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [سُورَة "النحل" - الآية 103].

و"يُلْحِدُونَ" في هذه الآية، يُقصدُ بها المشركون كذلك، الذين زعموا أن الرسول الكريم "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، كان يتلقى الوحي من أحد نصارى مكة قبل الهجرة، وكان يُدعى "بَلْعام"، وقيل إن اسمه كان "يعيش"، وكان هذا أو ذاك أعجمي اللسان، وليس عربيًّا.

ومن خلال هذا المعنى، والمعاني السابقة؛ فإن الإلحاد – إذًا – لا يعني فقط فكرة إنكار الربوبية أو الألوهية، وإنما هو يحوي بين جنباته طائفة واسعة من الانحرافات العَقَدية، مثل التكذيب والشِّرْك، والأهم، وهو ما يمكن أن يكون الأقرب إلى أن يقع فيه الدعاة، بل ووقع فيه بعض مَن يعملون في حقل العمل الإسلامي، الهوى والميل، وتحريف تعاليم الإسلام وهَدْيه، إلى آفاق غير سوية.

الإلحاد لا يعني فقط فكرة إنكار الربوبية أو الألوهية، وإنما هو يحوي بين جنباته طائفة واسعة من الانحرافات العَقَدية، مثل التكذيب والشِّرْك، والأهم، وهو ما يمكن أن يكون الأقرب إلى أن يقع فيه الدعاة، بل ووقع فيه بعض مَن يعملون في حقل العمل الإسلامي، الهوى والميل، وتحريف تعاليم الإسلام وهَدْيه، إلى آفاق غير سوية

وقضية الميل والتحريف هذه في وقتنا الراهن، تمثل أزمة وفتنة حقيقيتَيْن أمام العاملين في حقول العمل الإسلامي المختلفة، ما بين فتنة التكفير، وفتنة الحركات، وكذلك فتنة السياسة في ظل ما يُعرَف بالثورة المضادة التي تلت ثورات الشعوب خلال مرحلة ما يُسمَّى بـ"الربيع العربي"، منذ نهايات العام 2010م، وتجددت بفعل تطور الأحداث في الجزائر والسودان.

ومن ثَمَّ؛ فإن الداعية ينبغي أو ما ينبغي؛ أن يتم تحصينه في هذه النقطة، بحيث يكون عندما ينطلق إلى ميدان الدعوة الواسع، لا يحمل بين جنباته أي انتماء إلا للإسلام، ولا يوجد أي تأثير عليه، سوى إيمانه وتعاليم شريعته، وألا ينحاز إلا لسواها، ولا يعلي أية اعتبارات أخرى فوقها.

وبطبيعة الحال؛ فإن قضية الإلحاد، تحمل الكثير من التحديات الأخرى.

وهي مهمة أشق وأصعب في المجتمعات التي لا توجد فيها غالبية مسلمة، وبالذات المجتمعات الغربية التي صار فيها العلم والعقل آلهة تُعبَد من دون الله سبحانه وتعالى.

وهذا أمر عليه أدلة إحصائية؛ حيث نجد أن نسبة الملحدين في فرنسا وبريطانيا، تصل إلى أربعين بالمائة من أبناء هذه المجتمعات.

فنتصور الواقع الصعب الذي يواجه الدعوة والدعاة في مجتمعات تعبد المادة، وتقدس العقل، في ظل ما وصلت إليه منجزات العلم الحديث –برغم أن وظيفة العلم، هي اكتشاف القوانين التي خلقها الله تعالى في الطبيعة والإنسان والكون– وفي ذات الوقت، هي لا تؤمن بوجد إله أو خالق لهذا الكون.

وهذا الأمر، تعترف به المفكرة والمستشرقة الأمريكية، كارين أرمسترونج، في كتاب لها بعنوان: "تاريخ الخالق الأعظم"؛ حيث تقول بأن ظاهرة الإلحاد أخذت مكانها في المجتمعات الأوروبية والغربية بشكل عام، منذ نهايات القرن السابع عشر، وبدايات القرن التاسع عشر، وهو عصر الطفرة العلمية، وسيادة نظرية سطوة العقل .

فتقول إنه "مع التطور العلمي والتكنولوجي الذي شهده الغرب، بدأت بوادر تيارات أعلنت استقلالها عن فكرة وجود الخالق الأعظم".

ويزيد من وطأة الأمر، وبالتالي ضرورة التأهيل للدعاة، ارتباط ظاهرة الإلحاد في هذه المجتمعات، بظاهرة أخرى، وهي "اللادينية" "Non-religious"، والتي تعني "عدم الإيمان بأي دين"، ورفض جميع الأديان باعتبار أنها "صنع ونتاج فكري بشري".

وهذا التيار، لو أضيف إلى الملحدين وما اتصل من نظريات وأفكار؛ فإننا سوف نجد أن ما يقرب من سبعين بالمائة من سكان الولايات المتحدة هم بين ملحدين (12 بالمائة)، ولا أدريين (17 بالمائة)، فيما 37 بالمائة منهم يؤمنون بوجود روح ما، ولكنهم "لادينيين".

وحتى في مجتمعاتنا العربية والمسلمة؛ هناك ذات التحدي؛ حيث تنتشر وبقوة التيارات العلمانية، والليبرالية، والنيو ليبرالية، في مختلف الاتجاهات الفكرية والتطبيقية، بين الدين والمجتمع والاقتصاد والسياسة.

وساهم في ذلك عوامل عديدة، من بينها ضعف التأهيل التعليمي والثقافي، وتفكك الدولة الإسلامية الجامعة، إلى دول قومية لا يمثل الإسلام فيها الهوية الأولى، حتى لو ذُكِرَ في دساتيرها أنه ديانة الدولة، أو أنه مصدر التشريع.

ولقد قادت عوامل التردي الحضاري التي تعاني منها الأمة، ولاسيما في الجانب العلمي، إلى سيادة فكرة مدمرة على عقول شبابنا ومجتمعاتنا، وهي أن النموذج الغربي – بكل مشتملاته، بما في ذلك المكوِّن الفكري والعقيدي الهوياتي – هو النموذج الأمثل، في ظل الطفرات المتحققة في الغرب في مختلف المجالات، ولاسيما الجانب العلمي، والجانب المعيشي والاقتصادي، والأهم، في مجال الحقوق السياسية والاجتماعية، التي تعني كرامة الإنسان حرفيًّا!

لقد قادت عوامل التردي الحضاري التي تعاني منها الأمة، ولاسيما في الجانب العلمي، إلى سيادة فكرة مدمرة على عقول شبابنا ومجتمعاتنا، وهي أن النموذج الغربي – بكل مشتملاته، بما في ذلك المكوِّن الفكري والعقيدي الهوياتي – هو النموذج الأمثل، في ظل الطفرات المتحققة في الغرب في مختلف المجالات

ولذلك سادت وانتشرت –في ظل حالة من الانهزام النفسي الذاتي التي نعاني منها في عالمنا العربي والإسلامي– تيارات هدامة، من أهمها التيارات الإلحادية، والتي تبدأ في جذرها بالتخلِّي عن مظاهر التدين.

ولعل في نقطة التخلي عن الحجاب لدى فتيات الأجيال الأحدث سنًّا في مجتمعات عربية ومسلمة عديدة، بعد التشويش الذي حدث في إطار الصدامات التي وقعت بين الأنظمة المستبدة والحركات الإسلامية في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي، ما يشي بحجم المشكلة الحاصلة.

وحتى أوساط الدعاة لم تسلم من هذه الفتن كما رأينا من بعض الأسماء؛ حيث جاءت السياسة والمنفعة على حساب المبدأ لديهم، فليس من المستبعد أن تكون لآفة الإلحاد أثرها بدورها بنفس النسق والمنطق.

وفي هذا الإطار؛ فإن تحصين الدعاة في مواجهة الإلحاد وأية ظواهر أخرى سلبية، لن يتأتَّى إلا من خلال التأهيل القوي الذي يبدأ بالتأسيس العقدي والعلمي الشامل، ويستمر طيلة مشوار أو رحلة الداعية .

وهذا لن يتحقق إلا من خلال إطار منظَّم، يضم كبار علماء الأمة، ويعمل على تقديم الدعم العلمي والنفسي والفكري، وحتى الإسناد السياسي من خلال منظومة من العلاقات البنَّاءة مع الحكومات في الدول التي يعملون بها.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

بندقية المقاومة.. إرث أجيال فلسطين

أثبتت السنوات الخمس الأخيرة، أن المقاومة والنضال للتحرير مكون أساسي في النسيج الفلسطيني، يرضعه الأطفال …