إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمنوا

الرئيسية » بأقلامكم » إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمنوا
Question mark

قال تعالى: " إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ {38} ( الحج 38 ).

ربما يقول قائل – والعياذ بالله –

- أين دفاع الله عن الذين آمنوا وسط هذه الانتهاكات ، وهذا الظلم ، وهذا الفجور والتجبر من أعداء الله؟

- أين دفاع الله تعالى والأعراض قد انتهكت، والحرمات قد استبيحت، والأبدان قد مُثل بها وقد حُرقت؟

- أين دفاع الله تعالي عن هؤلاء الشيوخ الرُّكع، والأطفال الرُّضع؟

- أين دفاع الله وقد أنهكتنا العبادة وأرهقنا الدعاء وزاد علينا البلاء وبلغت القلوب الحناجر؟ وأسئلة أخرى كثيرة.

* لماذا يتأخر نصر الله عن الذين آمنوا؟

إن النصر قد يتأخر على الذين ظُلموا وأُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: " ربنا الله " . فيكون هذا التأخير لحكمة يريدها الله.

1- قد يتأخر النصر لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها، ولم يتم بعد تمامها، ولم تحشد بعد طاقاتها، ولم تتحفز كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى المكنون فيها من قوى واستعدادات. فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكاً لعدم قدرتها على حمايته طويلاً!

2- قد يتأخر النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في وسعها وطاقتها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد ، فلا تستبقي عزيزاً ولا غالياً ، لا تبذله هيناً رخيصاً في سبيل الله.

3- وقد يتأخر النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها ، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر. إنما يتنزل النصر من عند الله تعالى عندما تبذل الأمة آخر ما في وسعها وطاقتها ثم تكل الأمر بعد ذلك إلى الله.

4- وقد يتأخر النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله تعالى ، وهي تعاني وتتألم وتبذل ، ولا تجد لها سنداً إلا الله، ولا متوجهاً إلا إليه وحده في الضراء. وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عندما يتأذن به الله تعالى . فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها به الله.

5- وقد يتأخر النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته فهي تقاتل لمغنم تحققه ، أو تقاتل حمية لذاتها ، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها. والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله ، بريئاً من المشاعر الأخرى التي تلابسه . وقد سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل شجاعة والرجل يقاتل ليُرى ، فأيها في سبيل الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ".

6- كما قد يتأخر النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير ، يريد الله تعالى أن يجرد الشر منها ليتمخض خالصاً، ويذهب وحده هالكاً، لا تتلبس به ذرة من خير حتى إذا ذهب الشر ذهب غير مأسوفاً عليه ولا يجد له شفعاء ولا مترحمين!

7- وقد يتأخر النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تماماً . فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصاراً من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله ، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة . فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عارياً للناس ، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية!
8- وقد يتأخر النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة . فلو انتصرت حينئذ للقيت مُعارضة لا يستقر لها معها قرار. فيظل الصراع قائماً حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر، ولاستبقائه!

من أجل هذا كله ، ومن أجل غيره مما يعلمه الله تعالى قد يتأخر النصر، فتتضاعف التضحيات ، وتتضاعف الآلام ، مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية .

وللنصر تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن الله به بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه. قال تعالى: " .... وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ {40} الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ {41} (الحج 40 – 41).

وأخيراً أقول: إن الثمرة لا تطيب إلا إذا اكتمل نضجها والطعام لا يستساغ إلا إذا اكتمل نضجه والجنين لا نأمن عليه إلا إذا استوفى مدة حمله.

اللهم إنا نسألك نصراً تقر به أعيننا وتهلك به عدونا وتعلي به رايتنا وتمكن به لأمتنا

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

التحكيم الشرعي في المشاكل الزوجية

أولى الاسلامُ اهتماماً كبيراً بالأسرة باعتبارها نواة المجتمع وأن صلاحها هو المعادل الموضوعي لصلاحه، وفسادها …