د. ماهر السوسي: رمضان فرصة الدعاة لتجديد إيمان الناس وتربية النفوس

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » د. ماهر السوسي: رمضان فرصة الدعاة لتجديد إيمان الناس وتربية النفوس
ماهر السوسي

الداعية الناجح هو من يخاطب الناس على قدر عقولهم

الأعمال في رمضان تزداد أجورها بقدر الإخلاص فيها وإتقانها

أفضل الدعاة هو الذي يدعو الناس بأفعاله قبل أقواله

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة سانحة ومناسبة كريمة لنشر الدعوة إلى دين الله وتهيئة الناس وجدانياً لسماع الحق، لأن القلوب في رمضان تكون جاهزة لقبول المواعظ الحسنة وتخشع لذكر الله تعالى، كما تهيج مشاعر الدعاة في هذا الشهر وتنطلق ألسنتهم لسماع دعوتهم وكلامهم الطيب.

فكيف يمكن للداعية استغلال شهر رمضان للتأثير على سلوك وقلوب الناس؟ وماهي الأدوات والوسائل والأساليب اللازمة للداعية لتحقيق هذا الغرض؟

هذه الأسئلة وغيرها كانت محور حوارنا مع الدكتور ماهر السوسي أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية.

بصائر: كيف يمكن للمسلم أن يجدد عهده مع الله في شهر رمضان المبارك؟

د. ماهر السوسي: شهر رمضان هو شهر مميز، له وقعه الخاص في نفس الإنسان المسلم، وهذا أمر معلوم من المشاهدة، فالواقع يثبت أن الحسّ الإيماني عند المسلمين يرتفع في هذا الشهر بالذات، ويكون أعلى مما هو عليه في الأشهر الأخرى ، وصورة ذلك هي إقبال الناس على الطاعات والعبادات المختلفة بشكل أكثر مما هو عليه الحال في غيره من الشهور.

من هنا فإن على المسلم الذي يريد أن يجدد عهده بالله أن يستغل هذه الفرصة، ويستفيد من ميزة هذا الشهر الذي يزيد فيه اتصاله مع الله تعالى، ويعقد العزم على الاستمرار على هذه الطاعات فيما بعد الشهر الفضيل عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "تعرضوا لنفحات ربكم في أيام دهركم، فإن لله نفحات عسى أن يصيبكم منها بواحدة فلن تشقوا بعدها أبداً" ورمضان هو نفحة من نفحات الله تعالى، التي ينبغي على المسلم أن يستغلها كما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بصائر: كيف يقوم الداعية بدعوة الناس في رمضان؟ وماهي الأدوات والوسائل والأساليب اللازمة لتحقيق هذا الغرض؟

د. ماهر السوسي: كما أسلفت فإن هذا الشهر له فضله الخاص، وميزته الخاصة، وأثره العميق في نفس المسلم، لذا فمن الجيد أن يركز الداعية على تلك الفريضة الخاصة التي اختص بها رمضان، وهي فريضة الصوم، ويحاول الداعية أن يستفيد من حكمة مشروعية الصوم، على أن ذلك موضوع لا يطرقه الدعاة إلا مرة واحدة في العام، فيكون بعيداً عن الموضوعات التقليدية التي يطرحها الدعاة في سائر أيام السنة، فيحاول الداعية تحليل هذه الفريضة من جميع جوانبها، وبيان كل متعلقاتها من الناحية النفسية والاقتصادية والاجتماعية والروحية، وغير ذلك، ويبيّن أن الصوم هو بحد ذاته مدرسة تربوية، وأن فيه فرصاً كثيرة للمسلم، كفرصة تغيير الكثير من العادة السيئة كالتدخين مثلاً والغيبة والنميمة، وفيه فرصة اقتصادية فهو شهر يتعلم فيه الإنسان الاقتصاد في النفقات، وهو فرصة لتربية النفس على الصبر ومجاهدة الحياة ومكابدتها، وفرصة لتصحيح أسلوب الشخص في التعامل مع الآخرين، وفي كل ذلك نماذج في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرته مع أصحابه.

أما عن الأساليب المستخدمة في الدعوة: فعلى رأسها الخطاب المباشر في المساجد إن كان على شكل مواعظ أو خطب الجمعة، على اعتبار أن الناس تقبل على المساجد في هذا الشهر الفضيل، وكذلك لا يمكننا إهمال منصات التواصل الاجتماعي على اختلافها؛ ذلك أنها أكثر جذباً للناس اليوم، فهم أكثر تعلقاً بها ، وأرى أن هذا مجالٌ خصبٌ للدعوة، وخصوصاً بالنسبة للدعاية التي تحاول أن تبتعد عن الأساليب التقليدية، ويبتكر الداعية أساليب جديدة لم يعتد عليها الناس، وبعد ذلك تأتي وسائل الإعلام التقليدية على اختلافها.

هذا، وأنصح في هذا المجال باغتنام الفرص المناسبة للدعوة، وهي تلك الظروف التي يكون فيها الناس أكثر استعداداً لمتابعة الداعية، وأن يكون الداعية خفيف الظل على الناس، لا يرهقهم بقضايا معقدة تفوق قدراتهم، ولا يطيل عليهم بمواعظه، وفي ذلك اقتداء برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، حيث ورد عن بعض أصحابه قولهم: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة خشية السآمة علينا"، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختار الوقت المناسب للموعظة، والأسلوب المناسب للموضوع المطروح، والتخفيف على أصحابه رضي الله عنهم، ثم إن المتتبع لأسلوب الدعوة في القرآن الكريم، يجد عدة أساليب مختلفة: ابتداء بالقصة، ومروراً بالأمثال، ثم الترغيب والترهيب وغير ذلك مما حوى القرآن الكريم من أساليب الدعوة.

بصائر: كيف يمكن تهيئة الناس وجدانياً خلال شهر رمضان وما بعده للاستفادة من وسائل وأساليب الدعوة، أو بمعنى آخر ضمان استمرارية الروح الإيمانية العالية ما بعد رمضان؟

د. ماهر السوسي: رمضان فرصة لتجديد إيمان الناس، ومن ثم الاستمرار في الإقبال على الله تعالى، وتهيئة الناس إلى ذلك أمر ليس باليسير، يحتاج إلى داعية عالم بأساليب الدعوة، ومن ثم على قدر وافر من الثقافة بفنون الحياة المختلفة التي يمكن من خلالها الوصول إلى قلوب المدعويين.

وقد بينت في السابق الوسائل المستخدمة في الدعوة والأساليب التي وردت في كتاب الله تعالى، ولكن الأمر في النهاية يرجع إلى الداعية نفسه وكيفية معرفته باستخدام هذه الوسائل وتلك الأساليب، والمهم في هذا الأمر البعد عن سمت العلماء الأجلاء القدامى، فهم كانوا أبناء عصرهم، من أجل ذلك تفوّقوا على أنفسهم، ونحن ينبغي أن نكون كذلك حتى ننجح في الدعوة ونستطيع أن نؤثر في الناس، فيجب أن يكون خطابنا للناس خطاباً معاصراً، ويجب أن نتجنب مخاطبة الناس بذلك الأسلوب الذي تحدث به العلماء القدماء ، وخصوصاً البعد عن المصطلحات القديمة التي لا يعرفها لناس، كالصاع والمد والدرهم البغلي والولوغ والولوج وغيرها من المفردات اللغوية التي لم يعد لها استعمال في عصرنا الحاضر.

وكذلك يجب على الواعظ الداعية أن يساعد الناس على فهم القضايا المعاصرة، والإشكاليات التي يتعرضون لها، فهماً ينسجم مع عقيدتهم، ويبين لهم أن في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الشفاء لكل الأدواء المعاصرة اليوم، فإذا وجد الناس علاجاً لمشاكلهم وقضاياهم الفكرية والاقتصادية والاجتماعية المستعصية في كتاب الله وسنة نبيه، فإنهم سيكونون أكثر تمسكاً بالإسلام، وأكثر التصاقاً به.

بصائر: كيف يمكن للداعية أن يؤثر على سلوك الناس؟ وما الصفات التي يجب أن يتصف بها؟

د. ماهر السوسي: في كتاب الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}، فهذا بيان لأهم صفة يجب أن يتصف بها الداعية وهي القدوة الحسنة، وخير الدعاة هو الذي يدعو الناس بأفعاله قبل أقواله، والأصل أن الداعية إذا ما أراد أن يدعو الناس إلى أمر ما أو خلق ما فيجب أن يكون هو أسبقهم إليه، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم .

هذا، ومن الأخطاء الملحوظة على الدعاة أن كثيراً منهم يعتقد أن الداعية يجب أن يكون متجهماً عبوساً، ظناً منه أن ما عدا هذا مجون ولهو، وهذا خطير جداً؛ لأن فيه تشويه للإسلام والمسلمين، حيث ورد في السنة المطهرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يمازح أصحابه، بشوشاً غير عابس، يضحك تبسماً، مازح المرأة العجوز فقال: "لا تدخل الجنة عجوز".

ومن صفات الداعية الناجح أن يخاطب الناس على قدر عقولهم، كما ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم جهه: "خاطبوا الناس على قدر عقولهم، أتريدون أن يكذب الله ورسوله".

وكذلك فعليه دعوة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة ما جاء في كتاب الله تعالى.

بصائر: ما هو ثواب وأجر وفضائل الدعوة إلى الله في أيام رمضان ولياليه بخلاف الأيام العادية؟

د. ماهر السوسي: إن الأعمال تزداد أجورها بقدر الإخلاص فيها وإتقانها، وإذا كان الناس في رمضان أقرب إلى الله تعالى، والداعية مثلهم، فلا بد أن يكون هو أيضاً أكثر إخلاصاً في دعوته إلى الله، وأكثر حرصاً على تجويد خطابه للناس، وأكثر صدقاً في دعوته، وأكثر مثابرة في دعوة الناس وردهم إلى الله تعالى، وفي اعتقادي أن هذه هي مقومات زيادة الأجر على الدعوة؛ ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها وعن أبيها: "أجرك على قدر نصبك" والنصب هو التعب والمشقة التي يصادفها العابد في عبادته، والداعية يحصد أجره بقدر ما يخلص في الدعوة، ويجهد نفسه فيها.

بصائر: كيف يمكن للداعية أن يستفيد من شبكة المعلومات (الإنترنت) لبث الدعوة؟

د. ماهر السوسي: في الحقيقة إن شبكة الإنترنت هي بنك معلومات لا ينضب، وهي تشكل للداعية مصدراً ممتازاً للمعلومات، يمتاز بسهولة التناول، لكن هذه الشبكة تحتاج إلى داعية عالم حاذق، يستطيع التمييز بين الغثّ والسمين، فهذه الشبكة فيها ما فيها من المعلومات، فيها ما يوافق ديننا وعقيدتنا، وفيها ما هو ليس كذلك، وهذا من أخطر الأمور في هذا المجال؛ لذا إن لم يكن الداعية عالماً بأمور دينه، أو على الأقل عارفاً بالموضوع الذي يجمع عنه المعلومات، فإنه قد يخلط بين ما هو مشروع وهو غير مشروع، ومن هنا فثقافة الداعية أمر غاية في الأهمية عند تعامله مع هذه الشبكة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفي فلسطيني مقيم في قطاع غزة، حاصل على درجة البكالوريوس في الصحافة والإعلام من الجامعة الإسلامية بغزة عام 2000، عمل في العديد من الصحف والإذاعات والمواقع الإلكترونية العربية والدولية أبرزها: العودة اللندنية، العرب اللندنية، القدس الفلسطينية، موقع إخوان أون لاين. وله العديد من المقالات في مجالات متنوعة، يعمل حاليا مديرًا لموقع الرسالة نت الفلسطيني بغزة وكاتب في موقع " بصائر " الالكتروني.

شاهد أيضاً

كيف يمكن للحركات الإسلامية جبَّ الغيبة عن نفسها وأتباعها؟

يقول الإمام الشافعي -رحمه الله-: "لو أصبت تسعاً وتسعين وأخطأت واحدة لترك النـاس ما أصبت …