3 دروس مستفادة من ثورة ربض قرطبة

الرئيسية » بصائر الفكر » 3 دروس مستفادة من ثورة ربض قرطبة
قلب قنطرة

حينما وقعت ثورة ربض قرطبة قبل 1200 عام تقريباً، ترك المسلمون قرطبة ضعافاً مكروبين متألمين، بعد أن حُرقت ديارهم وسلبت أملاكهم وطردوا منها عنوة؛ لأنهم طالبوا بحقهم الإنساني وحسب!

وبرغم أن هذا الخروج لم يتبعه استقرار مباشر، بل تعذبوا من جديد وطردوا مرات ومرات وأوذوا حيث توزعوا هنا وهناك سواء في نواحي الأندلس، أو المغرب العربي أو في مصر، وغيرها من الأماكن التي لجأ الربضيون إليها بعد تهجيرهم.

ولعل أهم سبب ساعدهم على الصمود، والاستمرار هو أنهم لم يهزموا من دواخلهم، ومنه استمدوا قوتهم وانطلقوا بإرادة منبعها صدق إيمانهم بهدفهم وتمسكهم بحقهم الذي كان سبباً في خروجهم من قرطبة وبرغم أن أحداً منهم لم يعد إليها لاحقاً إلا أن في قصتهم الكثير من الفوائد.

وقارئ التاريخ يقرأ في طياته الكثير من التكرار فالأحداث والأيام والمواقف تتشابه، ولا تختلف إلا الأسماء ربما والجنسيات والأشكال .

لذلك فإن من الحكمة التماسُ الفوائد التي تعين على قراءة الواقع، واتخاذ قرارات صائبة، والاستمرار على الإيمان بالهدف السامي مهما انتقده حاقد.

فيما يلي جمعت بعض الدروس المستفادة من دراستي لثورة الربض في قرطبة، والتي أشعلها الربضيون في الثالث عشر من رمضان عام 202 للهجرة، اعتراضاً على فجور وعربدة الحكم بن هشام الذي كان قد تولى الحكم بعد أبيه لكنه لم يلتزم أخلاق أبيه وأجداده.

أولاً/ تكون المنحة في قلب المحنة، ولا يكتشف البشر ذلك إلا بعد فوات الأوان أحياناً:

بعد أن استقر قسمٌ من الربضيين في الإسكندرية، حصلت خلافات ومشاكل بعد سنوات معدودة اضطرتهم لركوب البحر والتوجه نحو جزيرة كريت، نواحي قبرص واليونان، وهناك أسسوا لعاصمة دولة الخلافة الإسلامية.

جدير بالذكر أن أهل قرطبة تربّوا على أخلاق الدين الإسلامية الأصيلة، وكانوا يحتكمون للمسجد وفقهاء الدين، ولما اشتعلت الثورة كانت للدفاع عن رجال الدين والرجال الصالحين الذين صلبهم ونكّل بهم الحكم ورجاله، وقد كانت قوة مجلس رجال الدين أشبه بقوة المجالس التشريعية والبرلمانية الحالية من جهة تأثيره على مجلس الدولة وقراراته.

لكن الربضيين حين طردوا من ديارهم نشروا أخلاقهم وانتشرت قصتهم وسيرتهم العامرة بالخير في كل مكان اتجهوا إليه، حتى وصلت إلينا، وفي هذا الأمر تكتشف كثيراً من الدروس:

1. قد يكمن الشر في قلب ما نراه خيرا، والخير موجود في قلب ما نعتقد أنه شر، فقد استطاع الأندلسيون نشر الأمل في قلوب كثير ممن سمع بقصتهم وجدير أن تتعمق الشعوب المظلومة في قصتهم .

قد يكمن الشر في قلب ما نراه خيرا، والخير موجود في قلب ما نعتقد أنه شر

2. أخلاقهم التي تعاملوا بها واحترامهم للولاية ولإنصاف وخيرية أجداد حاكمهم الظالم والتي استطاعوا نشرها أنّى اتجهوا، ستظل درساً يستحق الإضاءة عليه والتبحر فيه.

3. حين تضيق البلاد بأهلها، ويشتد الظلم، وتتعذر لقمة العيش، فلا بأس باتخاذ قرار البحث عن حياة تليق في مكان آخر من هذا الكون الفسيح، فربما تكون فرصة لنشر علم وخير أو اقتناص حياة مثمرة .

ثانياً/ ليس شرطا أن يكون أبناء الصالحين صالحين، فالصلاح لا يورّث:

يقول شاعر: وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه، ولكن الأجداد كانوا يتناقلون مقولة أصدق، وهي: "ينبت الشوكُ من الوردِ وينبت الوردُ من الشوك".

هذا في الحقيقة بند تربوي مهم، وجميع الأنظمة التربوية تشير إلى دور القدوة والمحاكاة في التربية، إلا أن العوامل الخارجية تؤثر دوماً في التربية، خصوصاً إذا لم يكن هنالك وازع داخلي، وكانت المؤثرات الخارجية كثيفة ومؤثرة وجذابة.

وفي قصص القرآن الكريم ما يؤكد ذلك، من قصص أنبياء كرام اصطفاهم الله، بينما نشأ أبناؤهم عصاة، أو عصاة ووثنيون اصطفى الله أبناءهم الصالحين.

وقد كان آباء الحكم بن هشام وأجداده وأبناء عمومته من خيرة الناس الذين حكموا بالعدل وازدهرت بلادهم في عهودهم، إلا أن محيطه والبطانة الفاسدة جذبته إلى اللهو والشرب والمعاصي حتى بدّلت أخلاقه التي تربى عليها وأخرجت أسوأ ما فيه.

ومن هذا الدرس نتعلم:

1. لا يمكن للمجتمع الحكم بصلاح الابن أو فساده بمقياس قدر التزام أبويه دينياً وعدمه، ولا يحكم على الوالدين بالتزام ابنهما أو فساده.

لا يمكن للمجتمع الحكم بصلاح الابن أو فساده بمقياس قدر التزام أبويه دينياً وعدمه، ولا يحكم على الوالدين بالتزام ابنهما أو فساده

2. ضرورة بناء وازع داخلي ديني وأخلاقي وضميري في نفوس الأبناء، وعدم الاعتماد كليا على مراقبتهم وتصحيح الأخطاء، كي نقيهم شرور الحياة خارج المنزل بالوازع الذي نزرعه فيهم.

3. لا يوجد شيء قد يقي الابن إفساد البيئة المحيطة مثل دعاء الوالدين له والصدقة بنية صلاحه، بجانب التربية السوية وفهم طبيعة الابن جيداً للتعامل كما يجب.

ثالثاً/ السكوت على الأخطاء الصغيرة يجعلها تتفاقم والذنوب الصغيرة بوابة للكبائر:

سواء كان في الأخلاق، أم في التعاملات والعبادات.

فالسكوت على المعصية الصغيرة يطبع القلب حتى يصبح القلبُ وقد تساوت لديه صغائر المعاصي وكبائرها فيخرج عن دينه ويتجرد من إنسانيته ويسحق المبادئ بدون رادع.

السكوت على المعصية الصغيرة يطبع القلب فتتساوى لديه صغائر المعاصي وكبائرها فيخرج عن دينه ويتجرد من إنسانيته ويسحق المبادئ

هذه هي الطبيعة البشرية التي تتجاذب النفس فيها قوة الشياطين وقوة الملائكة، وكل من هاتين القوتين تتلمس الثغرات لتشق طريقها .

في قرطبة الفتنة جلبت فتنة إلى أن سيطرت على البلد ولم تستثن الوالي/ الحكم بن هشام، الذي انصهر فيها وجانب الصواب فتجبّر وظلم وصلب من طالب بحقه وحرق الربض بأهله وطرد من عاش منهم.

كل هذا بعد أن استسهل شرب الخمر، ثم أحيط بالغواني ثم تطوّر الأمر ليسير في ذات الطريق التي كان يسير فيها والده وأجداده يتفقدون أحوال رعاياهم فيها، لكنه بكل سطوته وقوته كان يشق تلك الطريق ليرعب أهل قرطبة ويزيد الضرائب عليهم ويصارعهم في لقمة عيشهم.

ثمّ لما ثاروا، ولما رأى الفقهاء استبداله بسبب فجوره وطغيانه صلبهم ونكّل بهم.

أخيراً،،،

إن المتأمّل في أحداث التاريخ، يقرأ الكثير جداً مما نعايشه واقعاً سياسياً، واقتصادياً ودينياً، وأخلاقياً واجتماعياً... إلخ. و الأمر يستحق أن نتفكّر، ونتعلّم منه ما استطعنا، تماماً كما نستحق أن نعيش حياة يغمرها السلام والطمأنينة ولكن النجاح فيه لن يتحقق بالتعايش العشوائي مع الظروف والأماكن والأشياء.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

علم النفس في القرآن الكريم وقضية شمول النَّصِّ القرآني

من بين أهم الأمور التي يجد الكثير من علماء اللإسلام ومفكِّريه أنه من الضروري وضعها …