النقد الاجتماعي عند المؤرخين والكُتَّاب الأندلسيين

الرئيسية » كتاب ومؤلف » النقد الاجتماعي عند المؤرخين والكُتَّاب الأندلسيين
كتاب النقد الاجتماعي عند المؤرخين والكُتَّاب الأندلسيين - الغلاف الأمامي

تُعتَبر قضية فشل الدولة وانهيار الأنظمة والمجتمعات من بين أهم المهددات التي تواجه الأمة العربية والمسلمة في العقود التي تلت الاستقلال عن المستَعمِر الأوروبي.

فمنذ السبعينيات، وبدءًا بأفغانستان، مرورًا بالصومال، وصولاً إلى ليبيا واليمن في مرحلة ما بعد ثورات ما يُسمَّى بـ"الربيع العربي"؛ واجهت الكثير من الدول العربية والمسلمة أوضاعًا وتحديات داخلية، ومخططات خارجية هدَّامة من أجل إسقاطها، قادت إلى فشلها وسقوطها.

وفي حقيقة الأمر؛ فإن هذه السياقات ليست بجديدة، وإنما لها عمق تاريخي، ويتجدد الحديث عنها في فترات التراجع والانحطاط الحضاري للكيانات المختلفة، وكذلك فترات الصراع الذي ينشأ بين الأمم والحضارات.

وفي هذا الإطار؛ فإننا نجد تشخيص أسباب هذه الحالة في الكثير من الكتب والمدونات القديمة، التي تناولت حالات مماثلة تعرضت لها كيانات وقوى حضارية كبيرة عبر التاريخ.

ويُعتبر علماء العمران والاجتماع المسلمون، هم الآباء الأوائل الذين رسَّخوا لهذه العلوم، باعتراف نظرائهم الغربيين، ومن بينهم إيميل دوركايم الذي يُعدُّ مؤسس علم الاجتماع في الحضارة الأوروبية.

وبين أيدينا كتاب بعنوان "النقد الاجتماعي عند المؤرخين والكُتَّاب الأندلسيين"، للمؤرخ والمفكر المصري، الدكتور عادل يحيى عبد المنعم، قدم فيه أبرز الأفكار والمدونات التي قدمها المفكرون والمؤرخون الأندلسيين خلال الفترة من القرن الثالث إلى القرن التاسع الهجري، والتي توافق الفترة من القرن التاسع إلى الفرن الخامس عشر الميلادي.

والكتاب له وجهان في الأهمية، فهو أولاً يكشف عن سبق المسلمين، وحضارة الأندلس في مجالات العلوم الاجتماعية، والتي تُعتَبر أحد الجوانب التي ينال منها بعض المستشرقين وأنصار الحضارة الغربية، بأن الحضارة الإسلامية لم تقدم  أي إنجاز.

الوجه الثاني لأهمية الكتاب، هو أنه يتكلم بشكل مستفيض عن أسباب تفكك وسقوط حضارة الأندلس، وعوامل ذلك من داخل المجتمع الأندلسي ذاته، من خلال كتابات ومدونات المؤرخين الأندلسيين.

ولكن الكتاب لا يقف في سياقاته عند الحدث التاريخي الذي وضع لأجله؛ حيث إن مجموعة الكتابات التي قدمها المؤلف، تصلح لان تنطبق على المجتمعات الإنسانية المعاصِرة، وتقدم نظرة واقعية في صدد كيفية حمايتها من عوامل السقوط والتفكك.

مع الكتاب

الكتاب انتظم في إطار منهجي علمي؛ حيث جاءت منهجيته في خمسة فصول، عرضت المحتوى الذي اختاره المؤلف موضوعًا لكتابه في إطار مجال زمني ضمن المجال الموضوعي الذي اختاره للدراسة، مع تدعيم المحتوى بالمصادر والمراجع، مع ثبت من المصادر والمراجع العامة في نهاية الكتاب، بجانب عدد من الملاحق التي دعمت رسالة المؤلف الأساسية من الكتاب.

وثمَّة ملاحظتَيْن أساسيتَيْن يجب وضعهما في الاعتبار عند البدء في قراءة الكتاب.

الملاحظة الأولى، هي أن المؤلف لم يتناول قضايا اجتماعية، ماضوية، فحسب في سياق كتابه؛ حيث إن الكتاب ذو محتوىً سياسي بالأساس، في إطار علم الاجتماع السياسي، وعلوم النظم السياسية والاجتماعية، ويخدم واقعنا ومستقبلنا في العالم العربي والعالم المسلم.

وهي الملاحظة الثانية؛ حيث إن رسالة المؤلف الأساسية من كتابه، هي تحذير المجتمعات العربية والمسلمة من مخاطر ما رصده من أفكار في كتابات المفكرين والمؤرِّخين الأندلسيين حول عوامل انهيار وتفكك المجتمعات.

وأهم هذه الأفكار، ووضعها المؤلف كمركزية، مسألة الخلافات والنزاعات الداخلية، والتي تتيح للخصوم والأعداء التدخل من أجل تحقيق مستهدفاتهم في تخريب وتدمير مجتمعاتنا ودولنا العربية والمسلمة.

كذلك للكتاب أهمية في تناول الكثير من التفاصيل عن التاريخ السياسي والاجتماعي لمنطقة المغرب العربي، والتي اعتبرها المؤلف وحدةً جيوسياسية واحدة مع الدولة الإسلامية في الأندلس، وأبرز طبيعة التأثيرات المتبادلة بين كلا الإقليمَيْن.

ومن بين أهم مَن استند المؤلف عليهم وعلى كتبهم، ابن حزم، وابن عمر الأندلسي، والونشريسي، ومحمد بن عبد الله الخطيب، أو لسان الدين ابن الخطيب، وعبد الرحمن الأندلسي، وأبو الوليد الأزدي.

ومن بين أهم الكتب التي أخذ منها، كتاب "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب"، للمؤرخ المعروف، أحمد بن محمد المقري التلمساني.

وتعود أهمية بعض هذه الأسماء إلى أنها قد قامت بتأليف ووضع مصنفاتها، في القرون التالية لسقوط آخر حصون المسلمين في الأندلس، مثل "نفح الطيب"، الذي وضعه مؤلفه بعد بما يقرب من قرن ونصف من الزمان، وبالتالي؛ استطاع المقري أن يقدم فيه رؤية شاملة، متنزهة عن أثر السياسة وخلافاتها ونسبياتها وقت وجود هذا الحكم أو ذاك في الأندلس والمغرب العربي.

الفصل الأول من الكتاب، "النقد الاجتماعي عند مؤرخي وكتاب الأندلس منذ القرن الثالث الهجري حتى نهاية الخلافة الأموية"، قدم فيه المؤلف معالم من الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الأندلس خلال تلك الفترة الزمنية، ومظاهر صراعات الطبقة الحاكمة، وأبرز المشكلات السياسية والاجتماعية ذات الطابع الأخلاقي – مثل الغش التجاري – التي رأى مؤرخو ومفكرو الأندلس أنها قادت إلى حالة من الضعف والاضمحلال، والتشرذم.

أما الفصل الثاني، "النقد الاجتماعي عند مؤرخي وكتاب الأندلس في عهد الطوائف"، فقد كان من أهم فصول الكتاب؛ لأنه تناول عوامل الضعف التي يجب الانتباه إليها في مختلف العصور من جانب المفكرين وصُنَّاع القرار وقادة المجتمع.

وأبرز ما ركَّز عليه المؤلف فيه، في هذا الصدد، حالة الانقسام والتشرذم التي تلت انهيار الدولة الأموية، وواقع البذخ والإسراف الذي مال إليه ملوك الطوائف، وأهم عوامل الانحطاط التي سادت في هذا العصر.

الفصل الثالث، "النقد الاجتماعي عند مؤرخي وكتاب الأندلس في عصرَيْ المرابطين والموحدين"، يُعتبر من بين الفصول المهمة التي تقدم في طياتها كيفية التعاطي مع الظروف السلبية التي تسود بلدًا أو مجتمعًا ما، والقضاء عليها، والانطلاق مجددًا إلى أفق النهضة والحضارة.

ولعل أهم دروس هذه المرحلة، توحيد القيادة السياسية، والقضاء على مظاهر الفساد السياسي والاقتصادي، والأهم من ذلك، وأساسه، العودة إلى أخلاقيات الدين الحنيف، وتطبيق شريعته وأحكامها في مختلف المجالات.

ثم جاء الفصل الرابع، "النقد الاجتماعي عند مؤرخي وكتاب الأندلس في عصر سيادة غرناطة"، وفيه تناول المؤلف مظاهر التطور الفكري والعلمي والاقتصادي الذي ساد في تلك المرحلة التي كانت هي الأخيرة قبل انهيار دولة الإسلام في الأندلس، ودور فساد الحياة السياسية والاجتماعية في تحقيق ذلك.

وأخيرًا الفصل الخامس، والذي حمل عنوان: "النقد الاجتماعي في الكتابات المرتبطة بالأندلس"، فقد قدم فيه المؤلف عروضًا لعدد من الكتب التي صدرت خلال وجود حضارة المسلمين في الأندلس، وفي المغرب العربي وشمال أفريقيا.

وقال المؤلف إنه قام بذلك في هذا الفصل لعزلها عن سائر المصنفات التي استعان بها في تأليف الفصل السابقة، لأنها استندت إلى مصادر سابقة، أو لم تأتِ بالكثير في مجال الاهتمام الموضوعي الذي وضعه المؤلف للكتاب، وهو النقد الاجتماعي، مثل "تاريخ الأندلس" للكردبوسي.

وفي الأخير؛ فإن الكتاب فرصة مهمة للتعرف على تفاصيل أكثر دقة وخصوصية لهذه الفترة التاريخية المهمة من تاريخ الأمة المسلمة، وإعادة إحياء فترات نهضة الأمة، وأسماء قادة عظام، مثل عبد الرحمن الداخل، ويوسف ابن تاشفين.

مع المؤلف

الدكتور عادل يحيى عبد المنعم، من الجيل الجديد للمؤرخين المصريين والعرب، وحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة عين شمس، قبل أن يشتغل بالتدريس في أحد المعاهد العليا لإعداد المعلمين في ليبيا، قبل أن يعود إلى التدريس بكلية التربية، جامعة عين شمس، وشديد الاهتمام بآثار المفكرين والمؤرخين المغاربة والأندلسيين، وله أبحاث عديدة منشورة في هذا المجال.

بيانات الكتاب:

اسم المؤلف: د. عادل يحيى عبد المنعم

اسم الكتاب: النقد الاجتماعي عند المؤرخين والكُتَّاب الأندلسيين من القرن الثالث إلى القرن التاسع الهجري / التاسع إلى الخامس عشر الميلادي

مكان النشر: القاهرة

الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب

تاريخ النشر: 2018م

الطبعة: الطبعة الأولى

عدد الصفحات: 415 صفحة من القطع الكبير

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

لا تهتم بصغائر الأمور فكل الأمور صغائر

للأسف فإنه مع كبر وعظم الأمور والقضايا التي نمر بها سواء على مستوى الأمة أو …