د. عبد الباري خلة: عليكم الحذر من الدعاء على أولادكم!

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » د. عبد الباري خلة: عليكم الحذر من الدعاء على أولادكم!
عبد الباري خلة

لا ينبغي للمؤمن أن يدعو على أولاده، بل عليه أن يحذر من القيام بذلك؛ لأنه قد يوافق ساعة إجابة

الأبناء زينة الحياة الدنيا، والدعاء له أثر عظيم في صلاحهم وسلوكهم

لا يجوز للمسلم أو الابن أن يدعو على نفسه حال الضيق، فإن الله قدر كل شيء ولا يعترض على الله في شيء

الأبناء هم أمانة عند الوالدين، كلّفهما الله بحفظها ورعايتها، وأوصاهما بتربيتهم تربية صالحة في دينهم ودنياهم، والأبوان مسؤولان بين يدي الله عن تربية أبنائهم، قال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راع في بيته وهو مسـؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها) (متفق عليه).

لكنْ كثيرون هم الآباء الذين يشتكون من حال أبنائهم السلبي تجاه التزامهم دينياً وأخلاقياً وسلوكياً، ويبحثون هنا وهناك عن حلول ناجعة لإصلاحهم دون جدوى، مما يدفعهم للدعاء عليهم بكثرة، وفي كل وقت وحين، فما هو موقف الإسلام من الدعاء على الأبناء بالشر؟ وهل يجوز برّ الوالدين حتى وإن كانا ظالمين ويدعوان على أبنائهم، وهل يضرّ دعاء الوالد على أولاده البارّين أيضاً؟

هذه الأسئلة وغيرها كانت محور حوارنا مع الدكتور "عبد الباري خلة" -أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله بكلية الدعوة الإسلامية بغزة-:

بصائر: ماهي الحقوق الواجبة على الآباء تجاه أبنائهم؟ وكيف حثّ الإسلام على أدائها؟

د. عبد الباري خلة: يقول الله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف،آية46]، وبالتالي إن للأبناء على الآباء حقوقًا كثيرة، ومن هذه الحقوق أن يحسن الأب اختيار الأم؛ لأنه لن توجد ذرية صالحة إلا من زوجة صالحة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (تُنكح المرأة لأربع؛ لمالها ولحسبها، ولجمالها ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك) (رواه البخاري).

فالمرأة الصالحة هي التي إذا نظر إليها زوجها سرّته، وإذا غاب عنها حفظته، وهي التي تعين زوجها على طاعة الله سبحانه وتعالى.

وهي التي تربّي أولادها على الأخلاق، وهي التي تعرف حقّ الله وحقّ زوجها، فعن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (إذا صلَّت المرأة خَمْسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت) (رواه أحمد).

أيضاً من الحقوق أن يحسن الأب اختيار اسم الابن، فعن ابن عمر رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (إن أحب أسمائكم إلى الله، عبدالله وعبدالرحمن) (رواه مسلم)، فعلى الأب أن يختار لابنه اسمًا حسنًا، فإنه يدعى به يوم القيامة.

ومن الحقوق الواجبة على الآباء تجاه الأبناء أن يعلّموهم شيئًا من القرآن، يقول الشافعي رحمه الله: "ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم، فهو نور يهتدي به الحائر".

ويقول القابسي: "فمن رغب إلى الله أن يجعل له من ذريته قرة أعين، لم يبخل على ولده بما ينفقه عليه في تعليمه القرآن، فلعلّ الوالد إذا أنفق ماله في تعليمه القرآن أن يكون من السابقين بالخيرات -بإذن الله- والذي يعلِّم ولده فيحسن تعليمه، ويؤدّبه فيحسن تأديبه، قد عمل عملاً يُرجَى له من تضعيف الأجر فيه".

ويكون الابن المربى من عمل الأب، يقول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث؛ إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (رواه مسلم).

وجاء رجل يشكو عقوق ولده لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأحضره عمر وسأله: "لماذا تعق والدك؟ فقال الولد: يا أمير المؤمنين، أليس للولد حق على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما هي؟ قال: أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلِّمه الكتاب (القرآن).

فقال الولد: إن أبي لم يفعل شيئًا من ذلك، أما أمي، فهي زنجية كانت لمجوسي، وقد سمَّاني جعلاً، ولم يعلمني من الكتاب حرفًا واحدًا، فالتفت إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال له: أيها الرجل، أجئت إليَّ تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقّك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك".

بصائر: العديد من الأهالي يقومون بالدعاء على أبنائهم في كل وقت وحين ودون سبب، ماحكم الشرع من ذلك؟ ولماذا لايدعون لأبنائهم بالخير والهداية والصلاح بدلاً من ذلك؟

د. عبد الباري خلة: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم) (رواه مسلم).

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعاء على الأولاد والأموال والأنفس، خشية أن يوافق ساعة الإجابة، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ)(رواه مسلم).

ودعاء الوالد لولده أو عليه مستجاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثَلاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ لا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ) (رواه ابن ماجه بسند حسن) ورواية الإمام أحمد: (وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ).

بصائر: ما حكم دعاء الوالدين على الأبناء بالشر بكثرة وفي بعض الأوقات دون سبب، هل يستجاب؟

د. عبد الباري خلة: لا يجوز دعاء الوالد على أولاده، ومن رحمة الله تعالى أنه لا يستجيب دعاء الوالدين على أولادهما إذا كان في وقت الغضب والضجر، قال الله تعالى: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [يونس،آية:11].

قال ابن كثير رحمه الله: "يخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده، وأنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم، أو أموالهم، أو أولادهم في حال ضجرهم، وغضبهم، وأنه يعلم منهم عدم القصد بالشر إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم -والحالة هذه- لطفاً ورحمة، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم، أو لأموالهم، أو لأولادهم، بالخير والبركة والنماء". ولا تستجاب دعوات الوالدين على ولدهما ما لم يكن الولد ظالماً.

ولا يجب على الابن أن يستجيب للوالدين في كل أمر؛ لأن الطاعة لا تكون إلا في المعروف، فلو أن أباً أمر ولده أن يطلق زوجته بدون سبب شرعي فلا يلزم الابن ذلك.

بصائر: هل يجب بِرّ الأب حتى لو كان ظالماً ويدعو على أبنائه؟ وهل يضر دعاء الوالد على أولاده البارين أيضاً؟

د. عبد الباري خلة: ظلم الوالد لا يُبيح لنا أن نعقَّه أو نسيء معاملته، فأنت مأمورٌ وغيركُ بالإحسان والبر للوالد ولو كان كافرًا، فأنت أيضًا مأمورٌ بمصاحبته بالمعروف والبرّ والصلة له، قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ* وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[لقمان، الآية:15].

فالأب وإن كان ظالمًا لا يجوز لنا عقوقه، وسوف يحاسبه الله على تقصيره في القيام بواجباته الشرعية، وسوف يجازينا على برِّنا له وإحساننا إليه وصبرنا.

أيضاً لا ينبغي للمؤمن أن يدعو على أولاده، بل ينبغي له أن يحذر ذلك؛ لأنه قد يوافق ساعة إجابة، فينبغي له ألا يدعو عليهم، وإذا كانوا صالحين كان أشد في تحريم الدعاء عليهم، أما إذا كانوا مقصرين فينبغي أيضاً ألا يدعو عليهم، بل يدعو لهم بالهداية والصلاح والتوفيق، هكذا ينبغي للمؤمن، وقد جاءت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم يحذّر من دعاء الإنسان على ولده أو على أهله أو على ماله؛ لئلا يصادف ساعة إجابة، فيضرّ نفسه، ويضرّ أهله، ويضرّ ولده.

بصائر: ما مدى أهمية دعاء الوالدين لأبنائهم في صلاحهم وهدايتهم؟ وكيف كان النبي صلى الله وعليه وسلم يعلمنا ذلك؟

د. عبد الباري خلة: يقول الله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} فالأبناء والأولاد هم زينة الحياة الدنيا وزهرتها وبهجتها، ولكن لا تقرّ أعين الآباء بالأبناء حقيقة إلا إذا كانوا صالحين، وبالتالي فإن للدعاء والتضرع إلى الله ليصلحهم أثراً عظيماً في صلاح الأبناء وسلوكهم الطريق السليم في الحياة الدنيا، وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء لأولاده وأحفاده -الحسن والحسين- وأولاد الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين، فقد ورد في صحيح البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: (ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ)، وفي رواية أخرى في مسند الإمام أحمد بإسناد قوي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال: (اللَّهُمَّ فَقِّهُّ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ)، وفي صحيح البخاري أيضاً عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ وَيَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا).

بصائر: بعض الأبناء يدعون على أنفسهم في حال الضيق! هل هذا يجوز؟

د. عبد الباري خلة: لا يجوز للمسلم أو الابن أن يدعو على نفسه حال الضيق فإن الله قدر كل شيء ولا يعترض على الله في شيء، فإن يئس الإنسان من الحياة فليقل ما علمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم، فعن أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ، فَلْيَقُلِ اللّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي). (رواه البخاري).

بصائر: هل يُستجاب دعاء مَن دعا على نفسه بدعاء سيئ؟

د. عبد الباري خلة: ربما يستجيب الله دعاء المرء على نفسه، لذا نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَوْلاَدِكُمْ وَلاَ تَدْعُوا عَلَى خَدَمِكُمْ وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لاَ تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَاعَةَ نَيْلٍ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ). رواه أبو داود بسند صحيح. والله أعلى وأعلم.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفي فلسطيني مقيم في قطاع غزة، حاصل على درجة البكالوريوس في الصحافة والإعلام من الجامعة الإسلامية بغزة عام 2000، عمل في العديد من الصحف والإذاعات والمواقع الإلكترونية العربية والدولية أبرزها: العودة اللندنية، العرب اللندنية، القدس الفلسطينية، موقع إخوان أون لاين. وله العديد من المقالات في مجالات متنوعة، يعمل حاليا مديرًا لموقع الرسالة نت الفلسطيني بغزة وكاتب في موقع " بصائر " الالكتروني.

شاهد أيضاً

التفكر بالنِعم… العبادة المُغترِبة

اعتدنا على النعم لدرجة أننا إذا سُئلنا عن حالنا قُلنا: لا جديد! فهل استشعرنا تجدد …