أعمالنا الدعوية.. بين الالتزام والتطبيق وإعمال الاجتهاد

الرئيسية » بصائر الفكر » أعمالنا الدعوية.. بين الالتزام والتطبيق وإعمال الاجتهاد
opinions3

من أهم عوامل الفشل في أي إطار مُنتَظَم، التكلُّس والجمود، وعدم مواكبة المستجدات[/tweetable]، وهذا له أسباب كثيرة، تختلف باختلاف طبيعة هذا الإطار المُنتَظَم، ما بين سياق مجتمعي معتاد، مثل الأسرة، أو في إطار عمل عام منظَّم، مثل الدعاية الانتخابية والحملات السياسية، وصولاً إلى العمل الدعوي الذي هو جزء من مناشط عدة يشملها العمل الإسلامي.

وبالرغم من تنوُّع أسباب هذه الحالة، ولكنها تقف جميعها عند مستوىً واحد أساسي، وهو مسألة الاستيعاب العقلي، وضرورة الوعي بقضية شديدة الأهمية تمثل صُلب مسألة التطور الحضاري والمراكمة المرتبطة به، وهي أن المستجدات تفرض التجديد في الآليات والوسائل.

وهذا التجديد بدوره يجب أن يستند إلى حالة من الإدراك والوعي بهذه المستجدات، وفهم أهمية هذه العملية (التجديد) في مرحلة بعينها.

وتزداد صعوبة هذه المسألة في المحطات التي تأتي بأحداث وتطورات تفرض تغييرات عميقة، قد يتضاد بعضها مع مفاهيم/ آليات... إلخ. قديمة، ربما تكون قد سادت لفترة طويلة فترسَّخت عنها قناعة بأنها من الثوابت التي لا يجوز أو لا يمكن المساس بها من الأصل.

تزداد صعوبة المسألة في المحطات التي تأتي بأحداث وتطورات تفرض تغييرات عميقة، قد يتضاد بعضها مع مفاهيم/ آليات... إلخ. قديمة، ربما تكون قد سادت لفترة طويلة فترسَّخت عنها قناعة بأنها من الثوابت التي لا يجوز أو لا يمكن المساس بها من الأصل

ومن الأكثر معاناة في هذا الأمر، الأجيال الحالية من المسلمين؛ فنحن نقف أمام أسوار عالية تعترض طريق التطوير والتغيير، سواء على مستوى المفاهيم أو الآليات.
ويعود ذلك إلى قضية مهمة مثَّلت أزمة وخلافًا مزمنَيْن طيلة قرون طويلة من عمر الحضارة الإسلامية، وهي قضية قدسية النص الشرعي، أو بمعنىً أدق، قضية تسيُّد مدرسة حَرْفية النص الشرعية في عقلية الوجدان الجمعي للمسلمين.

وهي مشكلة كبيرة واجهت المدارس الإصلاحية الإسلامية التي ظهرت في القرنَيْن التاسع عشر والعشرين الميلاديَّيْن؛ فقد وجهت بعنتٍ داخلي أكبر بكثير من حجم الممانعة التي واجهتها من القوى الاستعمارية التي كانت موجودة في حينه، أو من الأنظمة الاستبدادية الحاكمة التي خلفت الاستعمار في البلدان العربية والإسلامية بعد ذلك.

فبالرغم من أهمية النَّص؛ فهو قاعدة كل شيء، وفيه الحكم الشرعي، إلا أن الوقوف عنده فقط هو من أهم أسباب الجمود، وهذا لا يعيب المرءَ قولُه، ولا يمس عقيدته في شيء. والرد على ذلك من القرآن الكريم ذاته؛ لأن فهم القرآن الكريم لا بد له من الاجتهاد والتدبُّر، ولا يفيد النص وحده في شيء، وهذه حكمة ومشيئةٌ من اللهِ تعالى .

ولسنا هنا في معرض تناول هذه القضية التي تناولناها في مواضع سابقة من الحديث، ولكننا نريد أن نشير إلى بعض ما يتصل بها مشكلات عميقة في العمل الإسلامي، لا سيما عند الشباب المنتمي إلى الحركات والجماعات الإسلامية، على اختلاف تلاوينها التنظيمية والفكرية والفقهية.

ومن بين أبرز هذه المشكلات، الخلط الخاطئ بين (تعليمات التنظيم) أو (توجيهات) و (تكليفات) القيادات داخل الجماعة، وبين النص الشرعي والعقيدة؛ فقد تم إسقاط منطق مدرسة النص على هذه التوجيهات والتكليفات، واعتُبِرَت بدورها ضمن النص –حاشا لله– واكتسبت القيادات –مهما كانت أخطاؤها– قداسة النص وأصحابه!

ولا ننكر أهمية الانضباط التنظيمي في تحقيق الأهداف الموضوعة، وفي أي حزب في العالم المتقدم في المجال السياسي، هناك شرطٌ أساسي يتم العمل به بمنتهى الدقة في الأحزاب السياسية، وهو (الانضباط الحزبي) أو الـ (Party discipline) والذي من بين صور تطبيقاته التزام نواب الحزب في المجالس التشريعية المنتخبة بمواقف الحزب الرسمية إزاء القضايا المختلفة، في تصريحاتهم واتجاهاتهم التصويتية، والمخالف يتم معاقبته، ربما بالاستبعاد من الحزب ذاته.

لا ننكر أهمية الانضباط التنظيمي في تحقيق الأهداف الموضوعة، وفي أي حزب في العالم المتقدم في المجال السياسي، ,هناك شرطٌ أساسي يتم العمل به بمنتهى الدقة في الأحزاب السياسية، وهو (الانضباط الحزبي) والذي من بين صور تطبيقاته التزام نواب الحزب في المجالس التشريعية المنتخبة بمواقف الحزب الرسمية إزاء القضايا المختلفة، في تصريحاتهم واتجاهاتهم التصويتية، والمخالف يتم معاقبته، ربما بالاستبعاد من الحزب ذاته

ولكننا في المقابل، نجد أنه في الأمور المصيرية، كثيرًا ما لا يتم الالتزام بهذا الشرط، ولا يكون هناك أية صورة من صور العقوبات على العضو غير الملتزِم، كما نرى الآن في حزب المحافظين البريطاني في أزمة الخروج من الاتحاد الأوروبي أو (البريكسيت) وهي ثقافة نحتاجها في الحركة الإسلامية في وقتنا الراهن، في ظل الأزمات العميقة الحالية، سواء على المستوى المفاهيمي أو العملي، والتي كثيرٌ منها متصل بالواقع الداخلي للحركة الإسلامية.

وهو أمر لا يمكن تفهُّمه؛ لأننا نملك في تاريخنا الإسلامي الأول، تجربة شديدة الأهمية، ومفيدة للغاية في هذه المنطقة، ومن الأهمية بمكان استعادتها في هذه اللحظة التي نعاني فيها أيَّما معاناة كما تقدم.

وأهمية هذه التجربة، يكمُنُ في حجيتها؛ فهي مرتبطة بشخصية من أعظم الشخصيات التي ظهرت عبر التاريخ الإسلامي، بل وعبر تاريخ الإنسانية كافة باعتراف المنصفين من المستشرقين والفلاسفة الغربيين، وهي شخصية سيدنا عمر بن الخطَّاب - رضيَ اللهُ عنه - فعلى أقل تقدير ينتمي عمر بن الخطَّاب، أو بمعنىً أدق الجانب الذي نختاره من سيرته ويمس هذه القضية؛ ينتمي إلى مرحلة النبوة، أي تاريخ الإسلام بالمعنى الحرفي للكلمة، وليس تاريخ المسلمين وفق تصنيفات بعض المؤرخين.

والجانب المختار من سيرة الخليفة عمر -رضيَ اللهُ عنه- في هذا الصدد، هي نقطة الموافقات: موافقات القرآن الكريم والوحي الشريف لبعض ما طرحه عمر من آراء، ووجهات نظر في قضايا كانت خلافية مع الرسول الكريم -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وبعض جماعة المسلمين قبل نزول الوحي فيها.

وبالرغم من الخلاف القائم بين المحدِّثين حول عدد المرات التي وافق فيها الوحي رأي عمر؛ ولكن ليس هذا محور الحديث، ولا هو عن الموضوعات والقضايا التي وافق فيها الوحي رأي عمر، مثل أسرى بدر والصلاة عند مقام إبراهيم وغيرها، ولكن الأهم هو السلوك ذلك.

بل لعله من المفيد في القضية التي نتناولها هنا أيضًا، أن نذكر هنا أن الوحي والسلوك النبوي قد جاءا في كثير من الأحيان كذلك، معارضين لموقف عمر، كما في حالة صلح الحديبية، وردِّ الرسول الكريم -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- مَن أتوه من المسلمين إلى مشركي مكة.

فلسنا هنا في معرض الإشادة بعمرٍ بن الحطَّاب، ولكن الأهمية في الفعل ذاته، وفي ظروفه.

فهو -رضيَ اللهُ عنه- عندما كان يقوم بذلك، كان يقوم به في حضرة وفي حياة الرسول الكريم -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وكلنا كمسلمين نعلم قداسة وقيمة النبي -عليه الصلاة والسلام-لدينا، سواء من الجانب العقدي، أو من الجانب الإنساني والعاطفي.

ولكن، وبالرغم من إيمان عمر -رضيَ اللهُ عنه- وبالرغم من يقينه بأن الرسول -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- ما كان ينطق عن الهوى، وأن للوحي توقيتًا ينزل فيه، وأن الأمور كلها مُقدَّرة من لدُن اللهِ عز وجل، إلا أنه لم يجد حرجًا أو تعارضًا بين ذلك، وبين أن يناقش ويبدي الرأي ويقترح، بل ويعارض في بعض الأحيان التي لم يكُن فيها هناك وحيٌ قد نزل، ثم يأتي الوحي حكمًا بين الجميع؛ لأن الحكم لله تعالى وحده، ولا شريك أو منازع له في ذلك.

بالرغم من إيمان عمر -رضيَ اللهُ عنه- وبالرغم من يقينه بأن الرسول -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- ما كان ينطق عن الهوى، وأن للوحي توقيتًا ينزل فيه، وأن الأمور كلها مُقدَّرة من لدُن اللهِ عز وجل، إلا أنه لم يجد حرجًا أو تعارضًا بين ذلك، وبين أن يناقش ويبدي الرأي ويقترح، بل ويعارض في بعض الأحيان التي لم يكُن فيها هناك وحيٌ قد نزل

ولم يكن ذلك هو سلوك عمر -رضيَ اللهُ عنه- فحسب، فقد جاء سلمان الفارسي -رضيَ اللهُ عنه- أيضًا بذلك، ونذكر له الموقف في غزوة بدرٍ عن موضع نزول قوات المسلمين.
وكذلك لنا أسوة في هذا الأمر، ما كان من منطق موقف عبد الرحمن بن عوف -رضيَ اللهُ عنه- بعد الهجرة، عندما آخى الرسول الكريم -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بينه وبين أحد الأنصار، وكان سعد بن الربيع الخزرجي -رضيَ اللهُ عنه- فقد كان لسعدٍ زوجتان، فقال لعبد الرحمن بن عوف: "يا أخي، إن شئت طلَّقتَ إحدى زوجتَيَّ فتزوجها بعد أن تحلّ، وإن شئت وهبتك نصف مالي"، فقال له الصحابي الجليل، عبد الرحمن بن عوف: "بارك الله لك في زوجك ومالك، ولكن دلني على السوق".

ولم ينكر عليه الرسول الكريم - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - هذا الفعل؛ عندما غلَّب ابن عوف في هذه اللحظة مروءَته على أمرٍ يعلم أنه من النبي -عليه الصلاة والسلام- وأنه –بالتالي– من صميم حقه، ولن يمس كرامته في شيء لو أخذه.

ولم يكن ذلك إلا عن فطرة سليمة، ووعي عميق، يشمل مدرَكًا شديد الأهمية، وهو أنه من الضروري أن يكون لكل شيء سببٌ، ولكل فعلٍ حكمةٌ من ورائه، وبالتالي؛ فإن كل قرار وكل تحرُّك، يجب أن يكون فيه مصلحة ما يجب أن تتحقق، ومن دون ذلك، فإن القرار أو التحرُّك، يكون عشوائيًّا غير مدروسٍ، وبالتالي، إما أنه لن يكون مفيدًا، ويهدر الوقت والجهد والمال فحسب، أو أن يقود إلى خسائر عظمى.

في هذا الإطار، إننا بحاجة إلى أكثر من برنامج عمل انطلاقًا من هذه النماذج المضيئة، وأول هذه البرامج، الإصلاح الإداري الداخلي سواء على المستوى المفاهيمي أو التنظيمي للحركة الإسلامية؛ لكي يكون هناك مجالٌ للإبداع، وأول درجاته الحرية في إبداء الرأي ضمن مبدأ الشورى الذي أكد عليه القرآن الكريم، ورسَّخته الممارسة النبوية في أكثر من موضع.

إننا بحاجة إلى أكثر من برنامج عمل انطلاقًا من هذه النماذج المضيئة، وأول هذه البرامج، الإصلاح الإداري الداخلي سواء على المستوى المفاهيمي أو التنظيمي للحركة الإسلامية؛ لكي يكون هناك مجالٌ للإبداع

يلي ذلك، تثبيت منظومة من البرامج التربوية، يتم من خلالها دراسة هذه النماذج والحالات، وكيفية تطبيقها بالشكل الرشيد الوسطي، الذي يحفظ للحركة الإسلامية وجودها، من دون فوضى أو تفكُّك نتيجة شيوع الرأي واستقلال كل فردٍ بما لديه من فكر ورأي، وتأكيد أهمية أن نقتدي بهذه النماذج في ظل مرجعيتها القرآنية والنبوية، ولا سيما في أوقات الأزمات التي تكون الأمة فيها أحوج ما تكون إلى المصارحات والمراجعات، وهي بدورها هذه الأخيرة، من أهم الأمور التي ينبغي إعادة النظر في الإهمال -بل التحقير- منها في الوقت الراهن لمصلحة شخوص، لا مصلحة الدعوة والأمة.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

قضية “التداول الحضاري” في الإسلام.. بين توجيه القرآن وعجز أصحابه المعاصرين

منذ نحو قرنَيْن من الزمان، دخلت الأمة المسلمة مرحلة من الركود الحضاري، تلتها حالة من …