الخوف عند الأطفال .. (الأسباب والعلاج)

الرئيسية » بصائر تربوية » الخوف عند الأطفال .. (الأسباب والعلاج)
gozamm-blog-scared-straight

إنّ الأبناء هُم ثمرة الفؤاد والكَنز الثمين الذي يُضيء حياة الوالدين، وكلما كان الأبناء سُعداءً كانت راحة البال والفرح عند الآباء وافرةً، بل قد تمتد لتصل إلى راحةٍ نفسية لها ما بعدها من آثارٍ إيجابية في حياة الجميع أطفالاً وكباراً.

لكن الخوف شيء طبيعي في حياة الإنسان، بل جُبِلَ عليه وخُلق به، ولا عيب في ذلك إطلاقاً، فالخوف فطرة في الإنسان، فمثلاً سيدنا موسى -عليه السلام وبرغم مكانته وقوته ورسالته أفصح عن خوفه في قوله تعالى: {قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ} [طه: 45]. والمقصود هنا خوفه من الظالم في إشارةٍ لفرعون، وعليه فإنّ مسألة الخوف طبيعية وغير مقتصرة على عُمْرٍ مُعين.

وحين نستهدف الأطفال ونرصد الظواهر التي يتعرضون لها سواء كانت إيجابية أو سلبية كان لزاماً علينا أن نتحدث عن هذا الأمر في حياتهم.

نحن اليوم سنتحدث عن الخوف عند الأطفال، وأسبابه بشكلٍ من الوضوح والبساطة واليُسر في الخطاب مما يُسهّل مهمة أولياء الأمور ويؤسس لحياةٍ بدون مشاكل.
وهنا لا بد من التذكير بأنّ هناك خوفاً طبيعياً يحدث للأطفال مثل: (الخوف من الظلام، وغِياب الإضاءة، والصوت العالي سواء كان مصدره الرعد مثلاً، أو شِجار يحدث أمامهم) وسِن هذا الخوف يكون منذ ولادة الطفل وحتى السنة الثالثة.

أو أن يخاف الطفل من بعض الخيال العالق في ذهنه كالحيوانات، أو غِياب أُمه عنه، أو خوفه من ترك والده له، وسن هذا الخوف يكون من السنة الرابعة حتى السادسة.
وهناك خوف غير طبيعي يجب الوقوف على أسبابه، وهو ما سنناقشه اليوم مثل: الخوف من الذهاب إلى المدرسة، أو الخوف من الذهاب عند أحد الأقارب، وطبعاً الخوف من الطبيب أو الصيدلي وهذا يحدث بعد سِن السادسة وحتى العاشرة.

أسباب الخوف:

1. رؤية ما يكره
إنّ العين كانت ولا تزال مبعثاً للأمان أو الخوف؛ فرؤية الشيء السليم تضيف حياة طبيعية، ورؤية الخوف والحوادث وبعض القطط السوداء والزواحف -مثلا- تبعث على الفزع والرعب، وأحياناً تصل لأحلامٍ مُفزعة يصحو على إثرها الطفل باكياً أو صارخاً، وتسبب مشاكل نفسية حقيقية للطفل قد يطول علاجها لو غاب الفهم عند الآباء في معالجة هذا الأمر بشيءٍ من التلطف وبثّ الأمان في نفوس الأطفال للتقليل من خوفهم واستبداله بالأمن والسكينة.

2. انعدام الثقة
يتسرب الخوف إلى قلوب الكثير من الأطفال بسبب ضعف الثقة؛ نتيجة عدم غرسها من قِبل الوالدين، أو بسبب مواقف متراكمة في حياة الطفل أنتجت هذا الخوف، فتراه يرفض مثلاً الذهاب لدورة المياه؛ لأنه خائف، أو يبكي لكي يذهب معه والده أو والدته، أو قد تجده يرفض التحرك من مكانه لمكانٍ آخر لو طُلب منه ذلك بدعوى أنه خائف، ويصاحب الجهر بهذا الشعور نظرة حزينة لا تلبث حتى تُترجم لدموعٍ شديدة.

3. المُشكلات الأسرية
إنّ المشاكل الأسرية هي أصل كل شعور سلبي يتوارثه الأولاد ويظهر في شخصياتهم والعكس كذلك، وعليه فإن التوتر والخلاف بين الزوجين من أهم أسباب الخوف عند الأطفال، فعندما يعايشون الصراخ والضرب والإعراض أمامهم ثم الفِراق، من الطبيعي أن يتأثروا بهذا الواقع المُقلِق والذي يسبب غياب الاستقرار النفسي، فيكون امتصاص كل ما سبق نتيجته الخوف بشكلٍ شديد، وربما يصبح ملازماً لهم، لذلك على الوالدين أن يُنحّوا خلافاتهم جانباً ويتعاتبوا بعيداً عن أماكن وجود أطفالهما.

4. القسوة المدرسية
إنّ المُدرّس كان ولا يزال مبعث أمان أو رعب للطفل، وكلما كانت المعاملة حسنة ويسودها الحب كلما زاد تعلق الطفل بالمدرسة وبالمُدرّس، والعكس كذلك.
كثيراً ما يذهب الآباء للمدرسة يشكون من إصابة ابنهم بالتعب أو بإصاباتٍ في جسده نتيجة تعرضه للعنف من المدرسة، ومدارسنا بها من الأساطير في ذلك ما يكفي، بل أغلبنا قد تعرض للعنف المدرسيّ في الصِغر، وكاتب هذا المقال كثيراً ما بكى من ضرب المدرسين له، فهو واقع يُضعِف شخصية الطفل ويصيبه بالفزع والكره للمدرسة كبنيان وكيان، والمُدرّس مربٍ وصاحب رسالة.

إنّ المُدرّس كان ولا يزال مبعث أمان أو رعب للطفل، وكلما كانت المعاملة حسنة ويسودها الحب كلما زاد تعلق الطفل بالمدرسة وبالمُدرّس، والعكس كذلك

5. الغيرة
من الطبيعي أن تحدث الغيرة بين الأطفال، فأحياناً يغار الابن الأول من أخيه الأصغر، فيتعمد بأن يلعب معه بقسوة أو يخيفه ويوهمه بأشياء لمْ تحدث، ويُحذّره من الذِهاب لغرفة نومه بحجة أنّ هناك من يختبئ خلف الباب، وهذه الغيرة في ظاهرها العذاب لكن في باطنها الرحمة، فبرغم ذلك لا يتحمل الطفل بكاء أخيه الأصغر وتجده يذهب إليه ويحتضنه ولا يقبل أن يمسه بشيء يوجعه، وهذا الأمر كله يزول مع الزمن ويصبح من الماضي.

العلاج:

1. الوالدان
إنّ البيت هو المؤسس الرئيسي لكل جميل في حياة الأطفال، والوالدان هما جناحا الحُب والسلام داخل هذا الكيان، وعليه فالرفق واللين والإحاطة العاطفية والحنان والإفراط فيه من قِبل الوالدين تجاه الأبناء يُعجّل باندثار هذا الخوف ، ويجعله يذهب بلا عودة، والمُهم فَهم الوالدين للأمر بعيداً عن المحاضرات والخطب.
ومن الخطورة توجيه النقد للطفل الخائف وخصوصاً أمام أقرانه، فهذا يُعمّق الجرح ولا يداويه؛ لأنّ الأمر سيتحول لسخرية منه وهذه كارثة قد تُسبب معوقات نفسية للطفل، وهنا أُشدد على أن رؤية الأولاد لآبائهم في جوٍ من الحُب والألفة يُساهم في زوال كل ما هو سلبي بداخلهم.

من الخطورة توجيه النقد للطفل الخائف وخصوصاً أمام أقرانه، فهذا يُعمّق الجرح ولا يداويه؛ لأنّ الأمر سيتحول لسخرية منه وهذه كارثة قد تُسبب معوقات نفسية للطفل

2. التدريب
إنّ علاج الخوف يحتاج لشيءٍ من التدرب والتدريب، شأنه شأن التخاطب الذي يحتاج لبعض الحركات، فمثلاً يجب توجيه الطفل الخائف أثناء الجلوس معه بأخذ نَفَسٍ طويل، أو رسم ما يُخيفه لكن بأن يُحوله لشيءٍ يُحبه، وهنا تتحول النقمة إلى نعمة ويزول الأمر بشيء من السلاسة، المهم هو وجود الداعم النفسي والأُسري للطفل والذي يمتدح صنيعه ويُقلل من مخاوفه ويُبدلها لأمانٍ وراحةٍ وهدوء.

3. التدرج في العِلاج
والمقصود هو عدم التعجل في العِلاج أو تمنّي ثمرته سريعاً بدون مجهود، وعليه فالتّريث هو الحل الأمثل لإزالة الخوف بالشكل الذي يُرضي الوالدين ويُطمئنهما على أطفالهما ، والمهم في التدرج هو العِلم والعَمل، فيجب أن يدرك الوالدان وضع طفلهما ويسعيان لأجل معرفة الخطوات الجادة لمنع هذا الخوف من أن يكون سمتاً في حياته، ولا مجال هنا للحديث عن ترك الخوف للأيام لكي تُزيله؛ لأنّ تركه سيزيد من تعقيد المشكلة عند الطفل فيصبح لديه خوف وانطواء وتردد، والسبب هو الكسل في الفهم والعلم والأخذ بالأسباب.

4. اتركه يعتمد على ذاته
إنّ تكليف الطفل بأداء بعض المهام البيتية الصغيرة تُضيف له الثقة والاطمئنان، ولو أخطأ في القيام بها كاملةً فيكفيه شرف المحاولة، وعلى الوالدين مدح جهده القليل واحتضانه والثناء عليه وإسماعه كل كلمات الغزل، فهذه الأمور برغم بساطتها تغرس فيه الثقة بشكلٍ يُعزز من قدراته ومحاولاته الناجحة في المرات القادمة.

5. اطرق الباب
والمعنى هو طرق باب الله عزّ وجل، فكلما كان الطرق كثيراً كان الفتح والجواب أقرب، ويقيناً فإنّ غاية كل أبّ أنْ يكون ولده صالحاً، وأيُّ ولد صالحٍ هو نتاج علاقة ربانية صادقة ولجوء دائم لله، وحاشاه ربنا أن يَرُد يد عبده خاوية، وهذا الملمح ليس رهبانية بقدر ما هو تمام العلاج، وواهم من ظنّ أن العلوم التربوية والتنموية كافية، وغافل من يستبعد الله من أي مشهدٍ في حياته.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وباحث مصري الجنسية، مؤلف عدة كتب فى التربية والتنمية "خرابيش - تربويات غائبة- تنمويات". مهتم بقضية الوعي ونهضة الأمة من خلال التربية.

شاهد أيضاً

10 دوافع قوية لاستكمال عملية التعلم بعد التخرج

إننا كبشر نملك الرغبة في التعلم وتوسيع مداركنا، ويختلف نوع التعليم وما يرغب الإنسان بتعلمه …