الرفض والقبول عند اختيار شريك الحياة

الرئيسية » خواطر تربوية » الرفض والقبول عند اختيار شريك الحياة
Question mark

بداية، يجب على كل ناظر في اختيار شريك الحياة استحضار كلمة واحدة هي رمانة الميزان في الاختيار: المسؤولية . أي أن يستحضر كل طرف المسؤوليات المترتبة على ارتضائه الدخول في النكاح، والتفكر الجاد في مدلول تمكين الآخر من النفس. هذا الاستحضار يضبط ميزان الرفض والقبول، ويجلو كثيرا من الحيرة والدراما التي يقع فيها الشباب والفتيات أثناء ذلك.

ومما لفتني فيما تكرر علي من مشورات وقصص تجارب ذاتية، أن الكثير من الشباب والبنات تأخذهم المشاعر الخيرية من العطف والشفقة، فيقبل الشاب الزواج من فتاة على مضض لأنها "صعبانة عليه بفرحتها به"، وتقبل فتاة الزواج من شاب على كره لأنه "محتاج للحنان بعدما عاناه في طفولته" مثلا.

ولا إشكال في تلك الدوافع الخيرية بذاتها وهناك علاقات تقوم عليها بالفعل، إلا أن الإشكال يكون من أصحابها حين لا يستطيعون تحمل تبعاتها بعد ذلك لأنهم لم يتفكروا فيها بداية، بل اشتغلوا بشعورهم هم بالخيرية والفوقية والسمو اللحظي، ومختلف مشاعر الذات الأنانية. ثم يكون أن تندثر تلك البادرة الخيرية بعد الزواج، ليحل محلها المَنّ على الآخر والتفضل عليه بإحسان القبول به على عدم مناسبته، بعد أن تكون قد ترتبت لذلك الآخر عليه حقوق لا مَنّ فيها ولا امتناع عنها! وما لا ينتبه له أولئك "النبلاء" أن الشرع لم يلزمهم تلك الخيرية الزائفة بداية، لكن ألزمهم الحقوق الشرعية المترتبة على دخولهم في العقد برضاهم "الظاهري".

وفي روايته البديعة "حذار من الشفقة"، يقول ستيفان زيفايج: "الشفقة سلاح ذو حدين: وكل من لا يتقن استعماله يجب أن يكف يديه -وقبلها قلبه- عن لمسه!". فالشفقة من "أسمى المشاعر الأنانية"، لأن في الشفقة "حزنا" من المشفق على من يشفق عليهم، فيكون مدفوعاً في العطف عليهم بدافع إذهاب حزنه هو من حيث لا ينتبه. ومن هنا، يقع الكثيرون في فخ المواساة العاجلة التي قد يترتب عليها ألم أكبر لاحقًا.

الشفقة سلاح ذو حدين: وكل من لا يتقن استعماله يجب أن يكف يديه - وقبلها قلبه - عن لمسه

وإذا كنا نتكلم عن سياق الارتباط، فالكسور القلبية في فترة التعارف والخطبة حيث احتمال الرفض ممكن، هي من طبائع تلك الفترة . فلا ينبغي للرافض أن يأخذ ألم الآخر على محمل شخصي، ويشعر ببحور من الذنب لما سببه له من وجع، إذ الرفض مؤلم مهما كان مُجَمّلا، خاصة لو تعلق أحد الطرفين سريعًا بالآخر.

إدراك ذلك يجعل كل طرف يحرص من البداية على الجدية مع الطرف الآخر، فلا يطيل علاقة اتضح له أنها لن تناسبه خوفًا على شعور الثاني جَرّاء الرفض، فذلك ظُلم بيّن وتلاعب ظالم وليس خيرية محمودة إطلاقا. ويحرص كذلك على الجدّية مع نفسه، فلا يسترسل في الأحلام الوردية والدغدغات الشعورية قبل أوانها، ويُحسِن الاستعداد لفترة "التعارف" بالتركيز على "التعارف" لا "التحابب"، والنظر في مقوّمات "صلاح" العلاقة مع ذلك الطرف لا في "فورانها"، وموازنة المعطيات والممتنعات، ومدى ارتضاء النفس لتلك الموازنة.

ومما يعين على وضع الأمور في سياقها الموزون، التفرقة بين "صلاحية" العلاقة و"صلاح" الأفراد . ذلك أن رفض الارتباط بشخص آخر ليس طعنًا في شخص المرفوض، ولا هو حكم عليه بالإدانة، إلا بقدر ما يكون القبول ختمًا بامتياز المقبول مطلقا، وليس كذلك. فالمسألة تقوم على "الظنيّة". أي أن التقدم للخطبة أو التعارف إعلان بـ "ظن" صلاحية المخطوبة (لا صلاحها) أو أهليتها "المحتملة". كذلك الموافقة على النظر في متقدم إعلان بأهليته "المحتملة" للارتباط به، لا موافقة نهائية على الزواج منه. ثم من خلال التعارفات المبدئية أو الخطبة -أيًا كانت مدتهما فلا قاعدة عامة ولا عبرة بالطول أو القصر بل بجودة التعارف وشخصية الطرفين-، تقوم الأدلة على صحة ذلك الظن أو خطئه. فيكون الرفض حال وقوعه بيانًا عن حقيقة تبدت لأحد الطرفين أسرع من الآخر، أو لكليهما معًا، عن عدم صلاحية العلاقة المتوقعة بينهما، دون التدخل في صلاح أفرادها. فهو على خير وهي على خير، لكن خيريهما لا يجتمعان معًا، هذا كل ما في الأمر.

ومن هنا، فأول التعقيد ينشأ من إصرار الطرف المرفوض على "المحاولة" أو "الاستمرار" في العلاقة ظنا منه بإمكان صلاحيتها، والبرهنة على ذلك للطرف الآخر. ثم يزداد التعقيد بموافقة الطرف الرافض على المحاولة ثانية أو الاستمرار بعد الرفض الأول، لعل وعسى. والحقيقة أنه لا إشكال ولا تحجير على الناس في هذا التصرف، سواء سمّاه البعض مثابرة أو تحايلا.. إلخ، طالما - وأكرر طالما -:

• كان الطرف المُصرّ مدركًا للحد الذي يعقل عنده أبعاد الأمر ويحترم نفسه ويتوقف على الإصرار؛ واعيًا أن رغبته العارمة في الطرف الآخر وشعوره بأهلية نفسه، كلها مشاعر أحادية الجانب لا بد أن يقوم عند الآخر مثلها لتستمر "علاقة" من طرفين لا من طرف واحد. والقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء، وقد قال الشافعي:
فلا كل من تهواه يهواك قلبه ** ولا كل من صافيته لك قد صفا.

• وطالما كان الطرف المتجاوب مدركًا لمسؤوليته عن التجاوب، أي لا داعي للخيرية والشفقة على مضض ثم إلقاء اللوم على الآخر بعد ذلك؛ ومدركًا للحد الذي يَثبت فيه بحزم على موقفه، وينهي إطالة لا داعي فيها، ما دام قد استقامت له في نفسه أسباب رفضه، أي دلائل عدم صلاحية هذه العلاقة له أو صلاحيته لها.

ومما يصعب اتخاذ قرارات الرفض أو القبول، تعبير الكثير من الشباب عن الرفض والقبول بتعبيرات هلامية من نوع: أعجبني، أحببته، لم ترقني، لم أستلطفها.. إلخ. وهذا لا يكفي لاتخاذ قرار بالمضي أو الامتناع في تلك الرابطة الخطيرة. لا بد من محاورة جادة مع النفس لتحليل بواعث المحبة أو دواعي البغض، وهذا النهج -مع المدى- هو ما يجعل تجارب الشخص أنضج وقدرته على تبين التوافق من عدمه أسرع. وأصحاب الروحانيات والنفحات يعارضون هذا المنهج، قائلين إن الحب والقبول شيء يقع في القلب من عند الله، وهذا صحيح لا خلاف فيه، لكنه ليس مانعًا من اتخاذ الأسباب التي شرعها الله وأمر بها مقلب القلوب، من النظر في شؤون العباد بتمحيص. ولا هو قاعدة تعميم بأن هذا الشكل الوحيد للحب أو الانجذاب بين شخصين، فوقوع التوافق بين شخصين بما يدفعهما للزواج، له من الصور والدرجات والألوان والمواقيت ما لا يمكن تحجيره في تصوّر واحد.

وبصورة عامة –لا فتوى شخصية- لا إثم شرعي على الشاب والفتاة في الرفض، لكن النصيحة دائما بالحرص على الاستخارة والدعاء والنظر بجدية في شأن الخاطب\المخطوبة. وأما فتوى "رفس النعمة" التي يحذر بها الأهل الفتاة غالباً والشاب أحياناً عند اتخاذهم قرار الرفض، فردها البسيط أن كل شيء مقدّر ومكتوب عند الله تعالى ، وإنما غاية المطلوب التعبّد لله في مختلف المعاملات وسياقات الامتحان على ما أمر الله به، من "الأخذ" بالأسباب والاستعانة به تعالى. وليس الزواج سياق الرزق الوحيد ولا توفر سياقه هو النعمة اليتيمة. وإن كان الكلام على رفس النعمة فما أعلم أمة أشد من أمة الإسلام رفسا لنعمة هي كبرى نعم الله على البشر: الإسلام!

لمّا شرَع الله – المُنعم - النكاح، شرع معه النظر والرفض والقبول ومعاودة الخطبة... إلخ، فهذه كلها صور مشروعة، لمن كان يسأل عن تشريع الله لا الناس

والفيصل في كونك ممن يقدر النعم أم لا، هو معاملة المُنعم تعالى لا ذات النعمة، فمن كان حاضرا مع المُنعم تعالى بدعائه واستخارته والتضرع إليه، يُرجى له أن يكون أبعد الناس عن الاستهتار بنعمته، بخلاف من يطير فرحا و"قبولًا" بالنعمة ناسياً المنعم. ولمّا شرَع الله –المُنعم- النكاح، شرع معه النظر والرفض والقبول ومعاودة الخطبة... إلخ، فهذه كلها صور مشروعة، لمن كان يسأل عن تشريع الله لا الناس.

إذا فهمت هذا تبين لك أن رفض الارتباط بشخص على قدر من الدين والخلق لأسباب تؤدي لغلبة الظن على عدم القيام بحقوقه/ـا بعد الزواج، قد يكون حقيقة أكثر تقوى من قبوله خشية رفس النعمة.. ثم رفسها آخر المطاف بعد إتلافها!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

إني معكم!

مما يقتضيه إيمان المؤمن -بالله المالك- الربط على قلوب الواجفين من تقلبات الحياة، الذين يعيشون …