كيف نغير ما بأنفسنا؟

الرئيسية » كتاب ومؤلف » كيف نغير ما بأنفسنا؟
كيف نغير ما بأنفسنا

لماذا لا ينصرنا الله عزّ وجل وقد بحّت أصواتنا بدعائه؟ ولماذا تأخر المدد الإلهي ونحن في مسيس الحاجة إليه اليوم قبل الغد، فإنْ قيل: إنّ هذا المدد لا يتنزل إلا على من يستحقه، كان السؤال: فما المطلوب منّا أن نفعله لنكون أهلاً له؟ أين نضع نقطة البداية لطريق النصر والتغيير؟ وكيف نبدأ؟

للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها كان هذا الكتاب والذي يُعد من أهم الكتب التي صدرت في الجانب المتعلق بتغيير النفس، لمفكرٍ وتربوي إسلامي له الكثير من الأدبيات في هذا الاتجاه، حيث يذكر الآلية التي من الممكن أن تنهض بها الأمة وكما كانت في العهد الأول من هذه الأمة، وكيفيات التغيير وأسبابه وآلياته وعوائقه وضروراته حيث شُرحت فيه بأسلوبٍ واعٍ وشرحٍ مُبسّط مختصر.

مع الكِتاب:

قسّم الدكتور مجدي الهلالي كتابه إلى عشر نقاطٍ رئيسة جاءت على شكل مقالاتٍ فكرية وخواطر موجزة، وهي:

القادر المُقتدر : نحن جميعاً بدون الله لا قيمة لنا ولا وجود، لمَ لا وهو سبحانه يمدنا بأسباب الحياة لحظة بلحظة ولو تركنا لهلكنا، فالقلب يحتاج إلى إمداد منه بالقدرة على ضخ الدم للجسم سبعين مرة في الدقيقة الواحدة ولو توقف المدد لتوقف القلب وانتهت الحياة وهكذا كل أجهزة الجسم، فلا يمكننا أن نتحرك حركة ولا ننطق بكلمة إلا من الله عز وجل: {وأنّه هو أضحك وأبكى} (النجم:43) ولا يوجد لأحد في هذا الكون "قوة ذاتية" يستطيع من خلالها أن يعتمد على نفسه في تصريف أموره والاستغناء عن الله، ومع هذه القدرة المطلقة والمشيئة النافذة التي لا تستطيع أي قوة في الأرض مهما كان حجمها أن تقف أمامها فإنّها لا تتنزل إلا على من يستحقها، فهي لا تتنزل بالمدد والنصر على الفئة المؤمنة إلاّ إذا استوفت الشروط المؤهلة لذلك والتي يأتي على رأسها أن يتغير حالها إلى الحال الذي يرضي الله عز وجل وتترك ما يبغضه .

ما المقصود بالتغيير؟: إنّ الغمة لن تنكشف بالدعاء فقط، بل لابد أن يسبق هذا الدعاء ويصاحبه تحول حقيقي عن كل ما يغضب الله وانتقال إلى ما يرضيه، لا بد من روح جديد يسري في كيان الأمة فيوقظها من سباتها، ويعمل على تغييرها تغييراً جذرياً يشمل المفاهيم والتصورات، والسر والعلانية والأقوال والأفعال، فنحن لا نريد انتصاراً وقتياً في معركة من المعارك ثم يعود الحال إلى ما كان عليه، ولا نريد فقط قائداً يقودنا للانتصار فإنْ مات وتركنا عادت الهزائم والنكبات بل نريد أمة جديدة وأجيالاً متلاحقة لا تعرف إلاّ الله وما يرضيه، نريد الخلافة المفقودة وأستاذية العالم وهذه الآمال العظيمة ستكون بلا شك حقائق الغد كما وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نحن لا نريد انتصاراً وقتياً في معركة من المعارك ثم يعود الحال إلى ما كان عليه، ولا نريد فقط قائداً يقودنا للانتصار فإنْ مات وتركنا عادت الهزائم والنكبات بل نريد أمة جديدة وأجيالاً متلاحقة لا تعرف إلاّ الله وما يرضيه

عوائق التغيير: إنّ الانفصال بين القول والفعل والواجب والواقع يستلزم معرفة الدوافع التي تدفع الإنسان للسلوك بصفةٍ عامة، والمراحل التي يمر بها قبل أن يظهر للواقع، ولكي يظهر سلوك اختياري ما إلى الوجود فإنّ هناك ثلاث مراحل لا بد أن تتم داخل الانسان وهي: القناعة العقلية بالفعل المراد القيام به، وإصغاء قلبي لصوت العقل ورضاه بما يشير إليه، وصدور أمر من القلب إلى الجوارح بالتنفيذ.

إنّ من وسائل تكوين اليقين هي المصادر التي يستقي منها الفرد معارفه وتقف على رأسها البيئة التي ينشأ فيها مع الأخذ في الاعتبار أنه كلما صغر السن كان تكوين اليقين أسرع؛ لأنّ صاحبه يستقبل المعلومات بعقله المدرك دون أن يفكر فيها كثيراً ويمررها إلى منطقة اللاشعور ، كما أن وسائل الإعلام بصورها المختلفة من أخطر عوامل بناء اليقين داخل الإنسان، بالإضافة إلى المدرسة والبيئة المحيطة كالأصدقاء والأقارب والجيران، ولكي يتم التغيير الصحيح في الاهتمامات والتصورات ومن ثم السلوك لا بد أولاً من إعادة بناء منطقة اللاشعور، واستبدال اليقين الخاطئ بيقين صحيح تنطلق منه الخواطر والاهتمامات والأفعال التلقائية في حياة الإنسان.

إذا كان المطلوب أن نغير ما بأنفسنا حتى يغير الله ما بنا فلا بد أن يشمل هذا التغيير: الأفكار والتصورات والاهتمامات وهذا يستدعي تغيير اليقين الخاطئ في العقل الباطن، وزيادة الإيمان وتمكنه من القلب وطرد الهوى منه، وجهاد النفس وترويضها على لزوم الصدق والإخلاص لله عز وجل لينعكس نتاج التغيير في هذه المحاور الثلاثة على السلوك.

من أين نبدأ: لابد أن يشمل التغيير العقل والقلب والنفس، ومع القرآن وقدرته الفذة والعجيبة في التأثير والتغيير كان المربي العظيم صلى الله عليه وسلم هو الذي يشرف على عملية التغيير ويتابعها ويوجهها إذن فالحل الذي نريده ينطلق من محورين: المنهج وهو القرآن، والمربي وهو الذي يتعاهد عملية التغيير.

هذا القرآن: إنّ القرآن له قُدرة فذّة وعظيمة على تغييرنا وإعادة صياغتنا من جديد، لمَ لا وهو يمكنه تغيير طبيعة الجبال الصلبة القاسية، وهو الطريق للاستقامة الدائمة على أمر الله، لقد كان الصحابة قبل إسلامهم غاية في التفرق والعصبية القبلية والتفاخر بالأنساب وتعامل طبقي يفرق بين السادة والعبيد فكيف توحدوا جميعاً؟ الذي حدث أنّ هناك حبلاً قد نزل من السماء فأمسكوا به جميعاً فجذبهم من الأرض وارتفع بهم إلى السماء فوق الشهوات والأهواء والطين هذا الحبل هو القرآن به توحد المسلمون الأوائل على هدفٍ واحد فاجتمعت كلمتهم وتوحدت وجهتهم وأصبح الله هو غايتهم، وعندما تركت الأمة هذا الكتاب حدثت لها الهزائم والنكبات، ولذلك فإنّ نقطة البداية التي ينبغي أن نبدأ بها ليتم التغيير الداخلي المنشود هو العودة إلى القرآن .

كيفية التغيير القرآني: بسبب ما ورثناه من تعاملٍ خاطئ مع القرآن وعدم اقتناع البعض بأنّ الحل في هذا الكتاب، وبسبب عدم وجود أثرٍ ملحوظ للتغيير على الكثير ممن ينشغلون بالقرآن ويحفظون حروفه ويكثرون من تلاوته كل ذلك أفقدنا بعض الثقة في قدرة القرآن على التغيير، وانحصر دوره في حياتنا ليصبح مصدراً للأجر والثواب دون النظر للمقصد الأسمى من نزوله.

إنّ القرآن يقوم بإعادة تشكيل العقل وبناء اليقين الصحيح فيه فتتغير تبعاً لذلك تصورات صاحبه واهتماماته ومن ثم تلقائية أفعاله ، ويزداد قوة تأثير القرآن على القلب إذا ما تغنّى صاحبه به ورتله ترتيلاً صحيحاً يهز المشاعر ويحول القناعات التي استنتجها العقل من خلال تدبره للآيات إلى إيمانٍ في القلب فلحظات الانفعال والتجاوب القلبي مع القراءة تعني دخول نور هذه الآيات إلى القلب مما يؤدي إلى زيادة الإيمان، وكلما زاد الايمان في القلب انعكس ذلك على الجوارح بأعمالٍ صالحة لم يكن من السهل قبل ذلك القيام بها وشيئاً فشيئاً تعود الحياة إلى القلب وينزوي الهوى وتقل مساحته.

إنّ السر الأعظم لمعجزة القرآن يكمن في قدرته على تغيير أي شخص يدخل إلى دائرة تأثيره الحقيقية فيعيد تشكيله من جديد وذلك من خلال تغيير أفكاره وتصوراته الخاطئة عن مفردات الحياة وإرساء قواعد التصور الإسلامي الصحيح في عقله الباطن، فكلما تغيرت الأفكار والتصورات تغيرت الاهتمامات وعندما تتغير الاهتمامات تتغير طريقة تعامل الشخص مع كل من حوله فتصغر الدنيا في عينيه.

إنّ السر الأعظم لمعجزة القرآن يكمن في قدرته على تغيير أي شخص يدخل إلى دائرة تأثيره الحقيقية فيعيد تشكيله من جديد وذلك من خلال تغيير أفكاره وتصوراته الخاطئة عن مفردات الحياة وإرساء قواعد التصور الإسلامي الصحيح في عقله الباطن

كيف ننتفع بالقرآن: إنّ الدخول إلى عالم القرآن ودائرة تأثيره يحتاج منا إلى جهد ومثابرة وبخاصة في البداية حتى نستطيع تجاوز الطريقة التي اعتدنا عليها في تعاملنا مع هذا الكتاب والتي تهتم باللفظ أكثر من المعنى، وأكثر ما يعيينا على ذلك الاستعانة الصادقة بالله والإلحاح عليه بالدعاء كدعاء المضطر المشرف على الغرق، ومن الوسائل المعينة على العودة الهادئة والمتدرجة إلى القرآن الانشغال به والمداومة على قراءته يومياً، والتهيئة الذهنية والقلبية، والقراءة الهادئة الحزينة بصوت مسموع، والتركيز في القراءة وعدم السرحان، والفهم الإجمالي للآيات والتجاوب مع القراءة وترديد الآية التي تؤثر في القلب ومدارسة الآيات والعمل بمقتضاها.

المُربّي: ينبغي للمربي أن تكون ظروف حياته تسمح له بالتواجد المستمر بين من يشرف على أمر تربيتهم، وعلى المُربي التأكد أنه مهما كانت كفاءته فلن يستطيع تغيير من معه من الأفراد بدون القرآن ، وبعد أن يتأكد المربي من تحقق الوصال بين من معه من الأفراد وبين القرآن فإن عليه دوام متابعتهم وحسن توجيههم نحو طريق الاستقامة دون إفراط ولا تفريط، ومن وظائف المربي ضبط الفهم الصحيح عند الأفراد لمراتب الأحكام وفقه الأوليات مع النظرة الشاملة للإسلام.

إنّ فقه الأولويات والموازنات من أهم الأمور التي ينبغي أن يُعلمها المُربي لمن معه فكثيراً ما سيجد نفسه أمام مصلحتين متعارضتين إن قام بواحدة فاتت الأخرى فماذا يقدم وماذا يؤخر وهنا يأتي دور المربي الذي يحسن توجيه من معه للتعامل الصحيح، فالمربي إذن دلاّل يدل من حوله على منابع الايمان وعلى ما تذوقه من القرآن ففيوضات القرآن لا حدود لها وتسع جميع الخلق.

من وظائف المربي ضبط الفهم الصحيح عند الأفراد لمراتب الأحكام وفقه الأوليات مع النظرة الشاملة للإسلام

المحاضن التربوية: إنّ المحاضن يمكن أن تقوم بدور المربي مع الأخذ في الاعتبار أنه مع وجود القرآن كمحور أساسي لها فإنّ المطلوب منها أن تقوم بضبط الفهم وحسن توجيه طاقات الأفراد المتولدة من معايشة القرآن للقيام بأعمال البر المختلفة في شتى المجالات مع مراعاة ظروف الفرد وإمكاناته.

هيا إلى العمل: لا بد أن نعمل على تبليغ الدعوة في كل مكان وأن نرشد الناس إلى كيفية العودة إلى القرآن والانتفاع الحقيقي به وأن نُلّح عليهم بذلك وشيئاً فشيئاً ستسري هذه الدعوة في أعماق الأمة وستجد لها -بإذن الله- آذاناً صاغية، لمَ لا وهي دعوة تؤيدها الفطرة، فلنبدأ من الآن ولنعد إلى القرآن فكفى ما مضى من أعمارنا ونحن بعيدون عن هذا الكنز العظيم، لا تَسَل عن الطريقة التي سيمكن بها الله جيل القرآن فالكون كونه والملك ملكه يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد له جنود السماوات والأرض.

مع المؤلف:

الدكتور مجدي الهلالي طبيب تحاليل طبية، وداعية مصري، من أعلام الدعوة الإسلامية والإخوان المسلمين بمصر، كان له دور في العمل الطلابي أثناء دراسته الجامعية، اتجه إلى التأليف، فقدم عشرات الكتب في الدعوة و التربية الإيمانية، والتي تهدف إلى ارتقاء الفرد بنفسه والتخلص من مثبطات الهمم، له العديد من الخطب والتسجيلات والمقالات في مختلف الصحف والمواقع الالكترونية، شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات المحلية والدولية، عمل بالسعودية فترة طويلة، وهو الآن مقيم في القاهرة، وما زال يمارس الدعوة والتربية، له العديد من المؤلفات، منها: هلموا إلى ربكم، والتوازن التربوي، والإيمان أولاً – فكيف نبدأ به؟، وعودة الروح ويقظة الإيمان.

بطاقة الكتاب:

اسم الكتاب: كيف نُغيّر ما بأنفسنا؟
اسم المؤلف: د. مجدي الهلالي.
دار النشر: مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة.
عدد صفحات الكتاب: 107
سنة النشر: الطبعة الأولى: (1431هـ_2010م).

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية فلسطينية مقيمة في قطاع غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والاعلام من الجامعة الاسلامية بغزة عام 2011م، وكاتبة في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "الشباب" الصادرة شهرياً عن الكتلة الاسلامية في قطاع غزة. وعملت في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية أبرزها صحيفة فلسطين، وصحيفة نور الاقتصادية، وصحيفة العربي الجديد.

شاهد أيضاً

الإنسان يبحث عن المعنى

تمهيد ينقسم الكتاب لقسمين: قسم ينتمي لأدب السجون والسيرة الذاتية، يحكي فيه الكاتب تجربته بأسلوب …