إلى من أرهقتهم التضحيات ويسألون عن حل !! (2-4)

الرئيسية » بأقلامكم » إلى من أرهقتهم التضحيات ويسألون عن حل !! (2-4)
Question mark

في الحلقة السابقة من موضوعنا هذا قمنا بطرح عشر نقاط أساسية كان لابد من ذكرها والاتفاق عليها تمهيداً للاجتهاد في تناول أطراف الموضوع بموضوعية وإنصاف ومصداقية دون تهويل ولا تهوين.

لقد رأينا وسمعنا وقرأنا وشاهدنا نبرات عالية، ولهجات مختلفة، ودعوات متباينة، تطالب بضرورة إيجاد حل لعشرات الآلاف من المعتقلين وخاصة النساء والمرضى والأحداث منهم للخروج مما هم فيه، وكل أصحاب هذه الدعوات والمطالب يؤصلون لكلامهم بمواقف وأحداث من السيرة ومن التاريخ الإسلامي سأسرد بعضها وأتناولها بما يتفق مع فقه الواقع الذي مهدنا له في الحلقة الأولى.

بداية: إن دعوات هؤلاء ومطالبهم مطالب إنسانية ومشروعة ولابد وأن يُنظر لها بعين الاعتبار بل والاجتهاد بكل السبل المشروعة لتنفيذ ذلك بما لا يترتب عليه مفسدة أكبر.

1- هناك من يستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: "فُكُّوا العانِيَ وأَجِيبُوا الدَّاعِيَ" وأن هذا الحديث يُحتم على الجميع أن يجد حلاً لهؤلاء المعتقلين رحمة بهم وبذويهم.
وهنا أقول: معنى العاني في الحديث هو السجين لدى المشركين والسجن لا شك مُصيبة وابتلاء ولا يتمناه أحد، وللسجن أشكال متنوعة؛ منها حبس البدن، ومنها حبس العقيدة، ومنها حبس الفكر؛ ومنها حبس الإرادة، ومنها حبس الطموح وتقييد الحرية …إلخ.

إن فك العاني "الأسير" فرض كفاية ولا مفر منه ولا تنصل ولا هروب لذلك ورد في الأثر أن الفاروق عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قال: "لَأَنْ أَسْتَنْقِذَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ".

ولكن: ما الحل إذا كان ثمن تخليص هذا العاني هو أن تفقد مقابل تخليصه كل ما تملك من فكر وعقيدة وإرادة وحرية وأن تكون حريتك حرية منقوصة بل ومرصودة ومشروطة ومحددة في إطار لا تتخطاه وأي تجاوز في هذا الجانب سيعيدك للمربع صفر بل لما هو دونه؟

إن أي حل في هذه النقطة لابد وأن ينظر للقضية من كل جوانبها فالقاعدة الفقهية تقول أن "درء المفسدة مُقدم على جلب المنفعة" فإذا كانت المنفعة هي تخليص هؤلاء المعتقلين وهذا حقهم وحق ذويهم إلا أن المقابل سيكون الاعتراف الكامل بشرعية من سفك الدماء وجرف الوطن وحطم مستقبله ومستقبل الأجيال القادمة بل الدوران في فلكه والثناء على ما يفعل، وهذا دون شك "مفسدة أكبر"!

إننا لابد أن نأخذ في الاعتبار أن من ستتفاوض معه لن يسمح لأي ممن خرجوا من تحت يديه بممارسة أي نشاط دعوي ولا حتى مجرد (لقاء في بيت الأرقم)، ثم من يُدريك أن خصمك الذي ستتفاوض معه سيسلب منك المليارات حسب طلبه وشروطه ثم يُعيد الكرة مرة أخرى في الاعتقال والتنكيل طمعاً في المزيد من المليارات التي ألقيت تحت قدميه وفتحت شهيته لغيرها!

2- هناك من يستشهد بقوله تعالى: "فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا" (سورة محمد).

- إن هذا استشهاد في غير موضعه لأن الآية موجهة للمسلمين في حالة أن يكون تحت أيديهم أسرى من المشركين وليس العكس.

يقول الإمام الطبري رحمه الله: وقوله ( فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ) يقول: فإذا أسرتموهم بعد الإثخان, فإما أن تمنوا عليهم بعد ذلك بإطلاقكم إياهم من الأسر, وتحرروهم بغير عوض ولا فدية, وإما أن يفادوكم فداء بأن يعطوكم من أنفسهم عوضاً حتى تطلقوهم, وتخلوا لهم السبيل.

إن ما ورد في هذا الجانب في حق المسلمين هو قوله تعالى: "وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ " (الأنفال 16).

3- هناك من يذكر ما يحدث للنساء والفتيات المعتقلات من انتهاك وأنه ليس من الرجولة ولا من المروءة والشهامة السكوت على ذلك وأن المسلمين الأوائل جيشوا الجيوش من أجل امرأة.

إن هذا بالطبع أمر لا يرضاه أي مسلم ولا أي صاحب نخوة ولا رجولة ولا يرضاه صاحب أي دين مُنصف.

بالنسبة لتجييش الجيوش من أجل امرأة فأي الجيوش مطلوب تجييشها الآن؟ وأين هي؟ وكيف؟ وما هي الإمكانيات والمتطلبات؟ وكيفية توفيرها؟ وما هو المقابل؟ وهل هناك استعداد لتحمل ردود الأفعال والتعامل معها مع العلم أن ردود الأفعال ستكون أضعاف أضعاف ما نعانيه الآن؟

إن ضغط النظام بورقة النساء أمر مقصود لجر أصحاب الشرعية للعنف وحينها يجدون ألف مبرر لسحقهم في الشوارع بل ودك بيوتهم وليس ما يحدث في سوريا وليبيا وغيرهما ببعيد ولا بخفي... وحينها سنجد من سفلتها وأكابر مجرميها وأعوانهم من يستحلون هتك أعراض الحرائر في وضح النهار... نعم، في وضح النهار... فهؤلاء الذين رموا الحرائر بجهاد النكاح وغيره زوراً وبهتاناً لا يتورعون عن ارتكاب أي فاحشة ولا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة.

4- هناك من يعيبون على إقامة حفلات لإحياء ذكرى رابعة أو غيرها من المجازر ويطلقون عليها "لطميات- ومرثيات- وبكاء على اللبن المسكوب- ونفخ في الرماد" إلى غير ذلك من مفردات لغتهم التشاؤمية، وأنه لا جدوى ولا طائل منها وأن المعتقلين وذويهم أحق بكل هذه النفقات...الخ.

- وعلى هذه النقطة أقول: إن أي عمل من شأنه إحياء القضية والإبقاء على جذوة النار مشتعلة في النفوس والقلوب لعمل عظيم يجب تشجيعه بداية من صورة ترسم في كراسة طفل إلى أكبر حفل يُقام.

إن مثل هذه الأعمال تحيي القضية وتغيظ خصومنا الذين يحاولون بشتى الطرق أن تنتهي وتكون نسياً منسياً.

إن القضية لابد وأن تكون حية مشتعلة ولا نسمح بخفوتها حتى إذا أذن الله تعالى بالفرج وجاءت الساعة المرتقبة وجدت نفوساً جديرة بالمواجهة والتضحية وما ذلك على الله بعزيز.

5- هناك من يستشهدون بما حدث في غزوة مؤتة وصلح الحديبية وموقف سيدنا عبد الله بن حذافة رضي الله عنه حين قبَّل رأس مشرك لينقذ إخوانه الأسرى.

لقد ذكرت سلفاً أن كل هذه كانت مواجهات واضحة المعالم واضحة الأطراف ومع أناس بالرغم من كفرهم إلا أنهم يلتزمون بشرف الخصومة وتحكمهم عادات وتقاليد وضوابط لا يتنازلون عنها قيد أنملة.

ولهؤلاء الأحبة أقول:

لماذا لا تذكرون قول النبي صلى الله عليه وسلم لآل ياسر: " صبرًا آل ياسرٍ ، فإنَّ موعدَكم الجنةُ"؟

لماذا لا تسترجعون مشهد بلال رضي الله عنه وهو يُعذب على الرمال المُحرقة في بطحاء مكة؟

لماذا لا تذكرون قول النبي ﷺ للخباب رضي الله عنه : "كانَ الرَّجُلُ فِيمَن قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فِيهِ، فيُجَاءُ بالمِنْشَارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُشَقُّ باثْنَتَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، ويُمْشَطُ بأَمْشَاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ مِن عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ" (صحيح البخاري).

إن كلامي هذا ليس مزايدة في الحديث ولا تنصل من واجب ولا لضعف حجة ولكن لكي نزن الأمور بميزانها الصحيح ولكي نظل على النهج دون تغيير ولا تبديل ، وأن نحتكم للشرع وفقه الواقع دون هوى ولا عاطفة.

اللهم بصرنا بعواقب الأمور حتى لا يطمع فينا عدو ولا يساء بنا صديق

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

النقد الذاتي هل يعزز شخصيتك أم لا ضرورة له؟

يقول الحسن البصري "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه، ماذا أردت تعملين ؟ وماذا أردت …