إلى من أرهقتهم التضحيات ويسألون عن حل !! ( 3-4 )

الرئيسية » بأقلامكم » إلى من أرهقتهم التضحيات ويسألون عن حل !! ( 3-4 )
2017_2_5-Muslim-Brotherhood-trial-in-Egypt20170207_2_21718958_18676030

في الحلقة الأولى من هذا الموضوع تحدثنا بفضل الله تعالى عن بعض الضوابط الحاكمة التي يجب أن نقر بها قبل الحديث عن حل لمن أرهقتهم التضحيات ويبحثون عن مخرج لهم من أزمتهم.

وفي الحلقة الثانية قمنا بفضل الله تعالى بالرد على أهم النقاط التي يسوقها من أرهقتهم التضحيات ويسوقونها كدليل على شرعية مطلبهم ووجاهته.

وفي حلقتنا الثالثة هذه سنذكِّر بطبيعة الطريق وبمردود هذه التضحيات وأثرها على الإبقاء على أصالة منهج الحق للأجيال القادمة، ورفع رايته خفاقة دون نكوص ولا فرار ولا تغيير ولا تبديل. وكذلك التحذير من الوقوع في شرَك أهل الباطل، ومغبة الاطمئنان لمعسول كلامهم ووعودهم.

أحبتي في الله:

- إن معالم الطريق واضحة من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا والآيات والأحاديث والمواقف في هذا الجانب أكثر من أن تحصى وهذا ما تربينا عليه في المحاضن التربوية بل وفي الميادين... فهل ننجح في الشق النظري منها حتى إذا جاء الشق العملي لا يجد مناً إلا تأففاً وضجراً وتعجلاً لقطف الثمرة قبل نضجها! لقد صدق الدكتور بديع حفظه الله حين قال: "إننا لم نكن نهذي حين قلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا".

* لقد جمع الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "الفوائد" كل مظاهر عقبات الطريق هذه فقال: "يا مخنث العزم: أين أنت؟! والطريق طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذُبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضرَّ أيوب، وزاد في المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد صلى الله عليه وسلم".

* يقول الأستاذ مصطفى مشهور رحمه الله: "قد يظن البعض أن استشهاد الشهداء خسارة لحقت بالجماعة بفقدها هذه العناصر الطيبة التي بذلت الجماعة جهوداً كبيرة في إعدادها، لكن الحقيقة أن الجماعة ربحت بشهادتهم ربحاً كبيراً. فالشهادة بالنسبة للدعوات الربانية تعتبر زادًا ووقودًا يُشعل جذوة الإيمان في قلوب المئات والألوف من الشباب الجُدد، ويعوِّض الله بهم الصف أضعافًاً مُضاعفة. كما أن السجن وإن كان تضييقًا وتعطيلاً للطاقات لكنه مدرسة نافعة لأصحاب الدعوات وفرصة لإعداد العناصر المُمحَّصة المتجردة الصابرة، التي تضرب المثل والقدوة في الثبات علي الحق رغم الشدائد وطول الزمن: "وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)" (البقرة من الآية 216).

* كما يقول أيضاً: ومن الخطأ في فهم المحن والابتلاءات أن يظن البعض أنه كان من الممكن تفادى المحن بشيء من الحكمة والسياسة مع الأعداء، ولكن المسئولين ليس عندهم شيء من ذلك فلهذا حدث ما حدث. وهذا أيضًا فهم منحرف خاطئ، إذ لن يتوقف الأعداء عن حربهم لأصحاب الدعوة بقصد القضاء عليهم وعلي دعوتهم إلا إذا تخلوا عنها أو علي الأقل تنازلوا عن بعض جوانبها وخاصة التي تؤذي الأعداء أو تنال منهم ومن مكانتهم".

* ويقول: "ومن الخطأ في التعامل مع المحن والابتلاءات الاستسلام لليأس المفضي إلى القعود عن مواصلة الطريق أو الانصراف عنه تماماً، فهذا هو مراد الأعداء؛ ولو فعل الدعاة ذلك لفعلوا في أنفسهم ما لم يفعله أعداؤهم بهم. والتعامل الصحيح في هذه الحالة هو الثبات على المبادئ ومواصلة الطريق واستمداد العون والثبات من الله".

* ويقول: ومن الخطأ في التعامل مع المحن أن يصبح همنا الأول وشغلنا الشاغل هو كيفية إيقاف الأذى عن الأفراد بأي صورة ولو علي حساب الدعوة والمشروع الإسلامي، كأن نبرم اتفاقات فيها تنازل عن أصول الدعوة وثوابتها أو ما شابه ذلك مما فيه مخالفة للشرع والأصول التي قام عليها العمل الإسلامي. مع أهمية الأفراد وضرورة الحفاظ على سلامتهم ودفع الأذى عنهم بكل السبل المشروعة التي تحافظ على كرامة الدعوة وثوابتها وتبقى رايتها مرفوعة. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فقد رأي أصحابه يُعذبون، وعُرض عليه الملك والمال ورأينا رده في مثل هذه المواقف صلي الله عليه وسلم؛ فالدعوة باقية والأشخاص زائلون.

* يقول الإمام البنا رحمه الله: "أحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها ستلقي منهم خصومه شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيراً من المشقات وسيعترضكم كثير من العقبات، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات. أما الآن فلا زلتم مجهولين تمهدون للدعوة وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد. سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات علي السواء، وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم، وأن تضع العراقيل في طريقكم. وسيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال وإليكم بالإساءة والعدوان. وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة، معتمدين علي قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم: "يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" (التوبة 32). وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتُسجنون وتُعتقلون، وتُنقلون وتُشردون، وتُصادر مصالحكم وتُعطل أعمالكم وتُفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدي هذا الامتحان: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ" (العنكبوت 2). ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ" إلى قوله تعالى " فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ" (الصف:10-14). فهل أنتم مصرون علي أن تكونوا أنصار الله؟”.

أحبتي في الله:

قد يقول قائل أن هذا الكلام يُجدي نفعاً مع أناس تربوا عليه داخل المحاضن التربوية والدعوية منذ نعومة أظافرهم، وارتضوا بهذا الطريق سبيلاً، وارتضوا أن يدفعوا ضريبة اختيارهم كاملة غير منقوصة هم وذويهم، فما ذنب آلاف غيرهم أخذوا على غِرة دون تأهيل ولا استعداد نفسي لهذا المصير؟

ولهؤلاء أقول:

إن هذا الكلام له وجاهته، ولكن لا يجب أن ننسى قول النبي ﷺ: "إنَّ القلوبَ بينَ إصبَعَينِ من أصابعِ اللَّهِ يقلِّبُها كيفَ شاءَ" (سنن الترمذي).

وأقول: إن أصحاب الشرعية لم يُقصروا يوماً في توفير الدعم المناسب للجميع ولذويهم دون تفرقة بين أحد من الناس ودون النظر لانتماءاتهم ولا لتوجهاتهم، فالقضية واحدة والمصير واحد والمبادئ لا تتجزأ.

وأقول: إن الاجتهاد في هذا الأمر مفتوح فمن أراد أن يأخذ بالعزيمة فهذا هو الأصل، ومن أراد أن يأخذ بالرخصة فلا حرج في ذلك ولكن عليه أن يعلم بل يوقن أن خصمه لن يتركه إلا كالغصن الجاف وكالعظام النخرة ولن أكون مبالغاً إذا قلت وكالخرقة البالية.

اللهم بصرنا بعواقب الأمور حتى لا يطمع فينا عدو ولا يساء بنا صديق.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).

شاهد أيضاً

أشهر أخطار الفهم السلبي في علم النفس

لطالما كان لعلم النفس الدور الكبير في التأثير الإيجابي على المجتمع، سواء من الناحية السلوكية …