الأعمال بين الأولوية والمزاجية

الرئيسية » بصائر تربوية » الأعمال بين الأولوية والمزاجية
Checklist box

أولويات ونوعيات الأعمال، قضية غابت عن فهم وفكر الكثير منا، مما جعلها عثرة تعترض إصلاح حالنا ومجتمعاتنا، بل وتؤثر على صحة أعمالنا وقبولها عند الله -سبحانه وتعالى- وهي نتيجة طبيعية لمن أخذ هذا الدين وكأنه جزء من ميراث ورثه عن أبويه، وليس بعد فهم وفقهٍ له ولطبيعة أحكامه الشرعية، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى: اهتمام الكثير منا بالكم وتقديمه على الكيف، إذ اعتاد الناس على تعليق أبصارهم -بل وقلوبهم- بظواهر الأمور دون بواطنها، مما جعل كل موازين حياتنا عرضة للخلل، وأدى إلى اعتلال معاييرنا التي على ضوئها نضبط ونزن أعمالنا.

وتتعلق هذه القضية بضبط أولويات الأعمال التي نتقرب بها إلى الله كعبيد قد رسم لهم سيدهم ومليكهم طريق العبودية، التي إذا أدوا حقها فتحت لهم مشارق الأرض ومغاربها، ونالوا سعادة الدارين والفوز والفلاح فيهما، غير أن الإنسان في خضم تمتعه بكل النعم التي هي أساساً بتفضل وتكرم من الله -عز وجل– عليه، ينسى أنّ عبوديته تُملي عليه أن يعبد الله ويتقرب إليه بأحب الأعمال له -سبحانه وتعالى- لا أخفها مشقة على العبد أو أقربها لهواه؛ لأن المؤمن عبد لله لا لهواه، وهذا ما فهمه الصحابة الكرام؛ إذ كانوا يسألون عن الأولى والأفضل من الأعمال؛ حرصاً منهم على طاعة الله والتذلل إليه، وليتقربوا إلى الله بأحب الأعمال إليه سبحانه وتعالى.

فقد ورد عن عمرو بن عبسة قال: قال رجل يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: "أن يسلم قلبك لله -عز وجل- وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك"، قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: "الإيمان" قال: وما الإيمان؟ قال: "تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت"، قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: "الهجرة"، قال: فما الهجرة؟ قال: "تهجر السوء"، قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: "الجهاد"، قال: وما الجهاد؟ قال: "أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم"، قال: فأي الجهاد أفضل؟ قال: "من عُقِر جواده وأهريق دمه" [مسند أحمد بن حنبل]، فكانوا -رضوان الله عليهم- إذا عرفوا لزموا.

ثم إن المتتبع لما جاء في كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وجد جملة من المعايير تبين الأفضل والأحب إلى الله -تعالى- من الأعمال والأخلاق وتجعل ثمة تفاوت فيها فانظر لقوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 19]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الجماعة تَفضُل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" [البخاري]، وقوله عليه الصلاة والسلام: "سبق درهم مائة ألف درهم" [سنن النَسَائي].

وفي الأعمال السيئة ثمة تفاوت عند الله – تعالى؛ إذ هناك من النصوص الشرعية ما يبين وجود أعمال أسوأ من غيرها كقوله عليه الصلاة والسلام: "شرار أمتي الثرثارون المتشدقون المتفيهقون، وخيار أمتي أحاسنهم أخلاقا" [الأدب المفرد].

والمختلط بالناس –بمن فيهم أولئك الذين يشار إليهم بالبنان على أنهم من أصحاب العلم الشرعي والالتزام الديني- تصعقه الحقائق وتصدمه الوقائع التي تطفو في كافة نواحي حياتنا، وفي كل مجالاتها؛ وما ذلك إلا للخلل في فقه الأولويات وتحديداً في تقديم الأهم فالأهم، والفرض على النافلة، ولو تكلف القارئ الكريم القليل من الوقت؛ للنظر في مشكلات الناس الدارجة، لاستنتج أن غالبيتها -إن لم يكن جلها- يؤول إلى الاضطراب في أولويات العمل.

المختلط بالناس –بمن فيهم أولئك الذين يشار إليهم بالبنان على أنهم من أصحاب العلم الشرعي والالتزام الديني- تصعقه الحقائق وتصدمه الوقائع التي تطفو في كافة نواحي حياتنا، وفي كل مجالاتها؛ وما ذلك إلا للخلل في فقه الأولويات وتحديداً في تقديم الأهم فالأهم، والفرض على النافلة

ومما استوقفني من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا المجال -وإن كان ذلك غيضٌ من فيض، فمن أراد التوسع والتوغل في الأمر، دونه النصوص الشرعية، ومن ثم أقوال الفقهاء- أنه حين جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فاستأذنه في الجهاد فقال: "أحيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد" [البخاري].

ومن منا يجهل أهمية ومكانة الجهاد في سبيل الله، ولكن برَّ الوالدين مقدم؛ فقد جاء في شرح الحديث: "أي إن كان لك أبوان فأبلغ جهدك في برهما والإحسان إليهما فإن ذلك يقوم لك مقام قتال العدو" [فتح الباري]، فكيف بنبي الرحمة لو شهد صلواتنا، وعلم أن فلاناً يحضر للصلوات الخمس وهو عاق لوالديه قاطع لرحمه، يكثر من نوافل الصدقات والصيام والصلوات بل ويقرأ في كتاب الله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]، وقد ورد عن أمّنا عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قالت: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ من وَصَلَنِي وَصَلَهُ الله وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ الله" [صحيح مُسلم].

وهذا جزء قليل من قصص تحدث كل يوم -على أرض الواقع- في علاقاتنا الاجتماعية وغير ذلك كثير مما يندى له الجبين، فكم من ميت غُسل وكُفن وهو قاطع لوالديه أو لرحمه، بل إن خطواته هجرت الطريق لبيوتهم سنوات وسنوات.

وحديث آخر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا" [سنن النَسَائي]، فأين هذا مما يدور حولنا ودماء المسلمين تراق ظلماً وجوراً، ولو أنفق المسلمون في نصرتهم وصون دمائهم ثلث ما ينفقون على تشييد وتزيين المساجد لكان ذلك عند الله عظيماً ، وما فائدة بيوت تقام لعبادة الله على الأرض، بينما عُمّارها يقتلون وتُسفك دماؤهم مقابل أبخس الأثمان وبدون جُرم ارتكبوه.

ما فائدة بيوت تقام لعبادة الله على الأرض، بينما عُمّارها يقتلون وتُسفك دماؤهم مقابل أبخس الأثمان وبدون جُرم ارتكبوه

وإذا أردت التمعن أكثر والنظر لاختلال ميزان الأولويات في حياتنا اليوم، انظر لواقع التعليم مقابل الاهتمام بالفن والرياضة، وكأن الإنسان في جسمه وحسب، وانظر للاهتمام المُنصّبَّ على نجوم الغناء والتمثيل، مقابل الاهتمام بالعلماء، فقد يموت العالم إثر العالم وموته كما حياته في تعتيم لا يكاد يسمع فيه أو عنه أحد.

ثم أن اختلال ميزان الأولويات لم يقتصر على العامة، والمصيبة أنه داء أصاب الملتزمين وأصحاب السمت المتدين -إلا من رحم ربك- فترى بينهم من يهتم بفروع الأمور ويغفل الأصول، فقد تجد الواحد منهم يفني عمره وينفق جلّ ماله على تعليم أبنائه والاهتمام بصحة وتغذية أجسادهم وبنائها، لكنه أغفل التربية الروحية والإيمانية لهم، فجهلوا أمور دينهم وفرطوا في أصوله، بل لو نظرت لمن يحرص تطوعاً على زيارة بيت الله الحرام سنوياً لأذهلتك المبالغ التي يبذلها في سبيل ذلك، ولكم هي أحوج أن تصرف على فقراء المسلمين، ورفع الظلم عن المظلومين، من تلك النوافل وإن كنا لا نقلل من شأنها.

اضطراب ميزان الأولويات في حياتنا من أهم الأسباب التي تجعلنا نتدافع على أمور فرعية مختلف فيها ونترك الأصول التي تجمع شملنا وتلملم شتاتنا، ويكمن وراء تعظيمنا للصغائر وتصغيرنا للكبائر.

اضطراب ميزان الأولويات في حياتنا من أهم الأسباب التي تجعلنا نتدافع على أمور فرعية مختلف فيها ونترك الأصول التي تجمع شملنا وتلملم شتاتنا

إن فقه الرعيل الأول وهم خير القرون صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهذا الميزان الدقيق، وضبطهم لأعمالهم وفق معاييره هو من جعل ابن عباس يقطع اعتكافه في مسجد رسول الله؛ لقضاء حاجة لأخيه المسلم.

فأين اليوم الذين يخرجون للحج أو للعمرة أو لاعتكاف في المسجد الأقصى وهم قاطعون لكل السبل بينهم وبين أرحامهم، بل ويتعدى الأمر إلى ألا يسلم المسلمون المرافقون له في مسيرته هذه لا من لسانه ولا من يده.

فالأمة اليوم أحوج ما تكون لفقه الأولويات؛ لترتاد أحسن الأعمال وأفضلها عند الله، وإن خالف مزاجها وهواها ، مرجعها في ذلك قول الله وسنة نبيه الأكرم، فينظر في الأمور وقد عوّد نفسه على مقولة ابن المقفع: "إذا عرض لك أمرانِ لا تدري أيهما أصوبُ فانظر أيهُما أقربُ إلى هواكَ فخالفهُ، فإن أكثر الصوابِ في خلافِ الهوى" [الأدب الكبير/ لابن المقفّع]؛ لكي تستقيم نفسه، وينضبط هواه فيكون تابعاً لشرع الله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به" [رواه البغوي في شرح السنة والنووي في الأربعين النووية وهو حديث ضعيف].

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

“لاءات” تربوية: لا تقارنوا أبناءكم بغيرهم

من قال إن منافسة الآخرين خيرٌ بالمجمل؟ مثلُها – بل أخطر منها - مقارنة أنفسنا …