الدراما التركية وبعض آثارها التربوية السيئة على الأبناء (2/2)

الرئيسية » بصائر تربوية » الدراما التركية وبعض آثارها التربوية السيئة على الأبناء (2/2)
a-woman-watching-tv

في المقال السابق تحدثنا عن عدد من الآثار السلبية لبعض ما تعرضه المسلسلات التركية على تفكير أبنائنا وبناتنا، وفي مقالنا هذا بإذن الله، سنستكمل الحديث عن بقية الآثار التربوية السلبية للمسلسلات التركية على الفتيان والفتيات:

8. تشجيع الأعمال غير القانونية:

نجد الكثير من الأبطال -المفترض أنهم المعنيون بالأدوار الطيبة- وقد وقعوا في أعمال غير قانونية أو غير أخلاقية كالخطف أو القتل أو الكذب أو الخيانة أو التجسس أو العلاقات غير الشرعية.
وللأسف فإن الدراما تحرص على تبرير هذه الأفعال بصورة قد تنطلي على بعض العقول، طالما كانت النية حسنة والبطل طيب! بينما إذا قام البطل الشرير بمثل هذه الأفعال فيُدان على الفور ولا يُقبل منه أي عُذر أو مبرِّر.

فبالإضافة إلى كونه خلطاً صارخاً بين المفاهيم والمبادئ، فهو يعكس معايير مزدوجة قد تجعل من الحق باطلاً والباطل حقاً، وذلك باختلاف معادن مرتكبيها وأخلاقهم ونواياهم، وهذا الأمر مناقض تماماً من الناحية الإسلامية والأخلاقية والمجتمعية أيضاً، فالحرام حرام سواء ارتكبه مجرم أفَّاق أو إنسان شريف، والرد واحد وهو ضرورة أن ينال المخطئ عقابه .

9. إظهار العناد على أنه صفة محمودة:

فتجد البطلين يتسابقان في معاندة أحدهما للآخر بسبب أو بدون سبب، ولو كان التصرف أو القرار خاطئاً، وهذا ليس من حسن الخلق ولا من الحكمة في شيء، وبالتالي، يتعلم الكثير من المراهقين صفة سيئة كهذه ويعدونها دليلاً على قوة الشخصية والثبات على الموقف.

والفارق كبير بين العناد وهو الإصرار على شيء وإن كان خطأً، والثبات على موقف يعتقد الإنسان بصحته ويرفض لهذا التخلي عنه، ويقول عباس العقاد موضحاً: "العناد والثبات على الرأي نقيضان: العناد إصرار بغير سبب، أو لسبب ظهر بطلانه، والثبات إصرار على رأي يؤمن به صاحبه، ولم يظهر له ما يدعوه إلى التحول عنه".

فالثبات على رأي أو مبدأ له أساسه من الصحة، وسواء في الدين أو في الأعراف المجتمعية السويَّة - على أقل تقدير – هو أمر لا غضاضة فيه، لكن العناد بغرض التشبث بالرأي أو لكبرياء في نفس الإنسان، أو رغبة في مضايقة الشخص الآخر، صفة غير حميدة ويجب التخلص منها لا تشجيعها .

العناد والثبات على الرأي نقيضان: العناد إصرار بغير سبب، أو لسبب ظهر بطلانه، والثبات إصرار على رأي يؤمن به صاحبه، ولم يظهر له ما يدعوه إلى التحول عنه

10. تبرير الخيانة:

فتجد الزوج يبرر لزوجته بأنها نزوة عابرة، وأن تلك المرأة لا تعني له شيئاً، وللأسف في مجتمعاتنا العربية نميل في كثير من الأحيان للتقليل من حجم هذه المشكلة بالنسبة للزوجة، ونطالبها بالتغاضي والمسامحة -خصوصاً إن كان عندهما أطفال- وحين تَعرض الدراما التي تُشاهدها شريحة كبيرة من النساء المتزوجات والفتيات الصغيرات.

قد يترسخ عند البعض للأسف ذلك الفكر المريض بتبرير الخيانة والتجاوز عنها كأنها لم تكن، ونحن لا ندعو هنا للخصومة وعدم التجاوز، فالتسامح أمرٌ، والتهوين من شأن الحرام والممنوع والخطأ شيء آخر تماماً.

فالأمر الأول وهو المسامحة هو ما ندعو إليه قطعاً، فمن دون العفو لا تمضي الحياة ولا تصفو القلوب، بيد أن الأمر الثاني للأسف (وهو التهوين من شأن الحرام) هو ما تدعو إليه المسلسلات، وهو ما نُهينا عنه في ديننا جملة وتفصيلاً.

11. مشاهد العنف ضد المرأة:

ولا تتفرد الدراما التركية بهذا الأمر –للأسف- فهي كغيرها من دراما الجنسيات الأخرى، تعرض هذه المشاهد من باب تجسيد الواقع، وما نود الإشارة إليه هنا هو ردٌّ على تلك العلة الواهية، فإذا تعلق الأمر بمشاهد العنف -سيما ضد المرأة- فالمشاهدون إما من هو عنيف بالفعل، فلن تزيده تلك المشاهد إلا عنفاً، ولن تردعه عما هو بصدده، وإما أن يكونوا ممن يبغضون العنف وينبذونه، فلا تفعل تلك المشاهد شيئاً إلا إيذاءهم نفسياً، وإما أن يكون بعض المشاهدين من المصلحين في المجتمع أو أصحاب القرار، فهم ليسوا بحاجة لأدلة ولا لمشاهد تثُبت وجود العنف أو شناعته، ذلك أنه لا يوجد شرع أو قانون يؤيد العنف أو يبرره، سواء ضد المرأة أو غيرها.

أما إذا كان الأمر يتعلق بعرض الواقع لتعريف الناس بأمر حاصل (أي مجرد أن يكون المسلسل آلة إعلامية) فيكفي إذن الاقتصار على عدة مشاهد موجزة تصور هذا الواقع وانتهى، ومن أراد الاستزادة من المشاهدين، فما أكثر العنف الذي يُمارس في الواقع، وما أكثر صوره ودلائله!

ولكن من جهة أخرى، نهيب بهؤلاء أن يحرصوا كذلك على عرض حلول كحرصهم على تمثيل الواقع، فما فائدة أن نعرف بوجود عنف يمارس ضد فئة ما، دون أن نعلم كيفية إنهاء المأساة لئلا يتكرر!

وبالتالي تتحول المسلسلات لأدوات إصلاح، بدلاً من كونها مجرد أبواق إعلامية لعرض الواقع المرير الذي يعرفه الجميع في معظم الأحيان، أو من يعايشه على أقل تقدير.

ما فائدة أن نعرف بوجود عنف يمارس ضد فئة ما، دون أن نعلم كيفية إنهاء المأساة لئلا يتكرر!

12. طرح أسئلة قَدَرية:

معروف أن الغالبية العظمى من الأتراك هم من المسلمين، وذكر الله وارد في معظم مسلسلاتهم إن لم يكن فيها كلها، ومثال ذلك عبارات كـ: إن شاء الله، ما شاء الله، أستغفر الله، سبحان الله، حسبنا الله، ومن هنا فهم يُعطون المشاهد صورة تعرض إسلامهم وإيمانهم في بعض المشاهد، ومع ذلك، نرى تناقضاً صارخاً حين يَرِدُ موضوع الابتلاء أو الموت، فنسمع على لسان الأبطال عبارات من قبيل: "بماذا تمتحنني يا ربي؟" أو "ماذا فعلت لأستحق هذا يا إلهي!" أو "كان من الممكن أن أمنع موت فلان لو كنت فعلتُ كذا وكذا"

وكلها أسئلة ليست صحيحة، وليس من الصواب أن تخطر على قلب إنسان مسلم مؤمن، ناهيكم أن يتفوه بها صراحة ويتساءلها حقاً! كما أنها قد تعطي فكرة سلبية عن المسلمين لغير المسلمين من المشاهدين، وذلك أنهم كذلك لا يملكون إجابات على تلك الأسئلة ويعانون من مشاكل مع القدر ولا يفهمون الغرض من الابتلاء! وهذا كله غير صحيح.

وفي الختام، فإن هذه ليست دعوة لمقاطعة مشاهدة المسلسلات التركية أو عدم المشاهدة، ولكنها دعوة تخص جميع المشاهدات والقراءات في حياتنا، هي دعوة للحذر والانتباه لما نشاهده أو يعرض علينا أو على أبنائنا.

أما القول بأن المشاهدة تعكس وجودَ متلقٍ سلبي، فربما يفتقر هذا الحكم لكثير من الصحة، ذلك أن الكثير من الأفكار والمبادئ التي تعلمها الشباب والمراهقون والأطفال، سيما من الأجيال الصاعدة هي من أثر تلك المشاهدة السلبية في ظاهرها، الإيجابية فيما يتعلق بتغيير الفكر وتأثر القلب والعقيدة، ومن تلك الأخيرة بالذات نُحذِّر!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومترجمة من مصر، مهتمة بقضايا التعليم والأسرة والتطوير الذاتي

شاهد أيضاً

كيف تحمي ابنك من التنمر؟ (1-2)

الأسباب النفسية والمجتمعية والاقتصادية التي تؤدي إلى البلطجة –أو التنمر (وهذا هو اسمها الألطف) كما …