“لاءات” تربوية: لا تحلموا بدلاً من أبنائكم

الرئيسية » بصائر تربوية » “لاءات” تربوية: لا تحلموا بدلاً من أبنائكم
لاءات تربوية - لا تحلموا بدلا من أبنائكم كيف نظلم أبناءنا ؟ ابنك ليس مشروعا تجاريا

لا بد وأنك مررت بقصص الكثيرين جداً ممن درسوا تخصصات اختارها آباؤهم لهم وفرضوها عليهم، مرددين لهم حجة الآباء الدائمة: "نحن نعرف مصلحتك أكثر منك" أو "كان حلمي أن أصبح كذا وأود أن أحققه بك" أو "لا يجوز أن تخالف مرادي أنا أبوك وأنت ومالك لأبيك"، أغلب هؤلاء الناس لا يزالون مرتبطين بتخصصاتهم عن كراهية وثقل، وقليل فقط تقبّلوها تحت شعار: "حياة وستمر".

ولا شك - أيضاً - أنك التقيت بأقل منهم بقليل ممن درسوا التخصص الذي أراده أحد والديهم أو كلاهما، ثم أتبعوه بدراسة جديدة وبداية مع تخصص يحبونه ويرغبونه ونجحوا فيه أكثر.

والتقيت بثلة أقل منهم بكثير بل - ربما - نسبة متواضعة جداً ممن رفضوا التخصص وعارضوا رغبات أهاليهم وتمسكوا بأحلامهم.

نحن على أبواب اختيارات جامعية ستحدد للأبناء اتجاه بوصلة المستقبل بنسبة لا تقل عن 50% يعني نصف حيواتهم القادمة – وهو كثير بالمناسبة.

ولذلك، فيما يلي سأضيئ على بعض النقاط التي تنصح بها مدارس التربية الحديثة، والتي تعزز تلك الـ "لا" للقضاء على حيوات أبنائكم بالقضاء على أحلامهم وشغفهم.

نحن على أبواب اختيارات جامعية ستحدد للأبناء اتجاه بوصلة المستقبل بنسبة لا تقل عن 50% يعني نصف حيواتهم القادمة

فيما يلي تصرفات وسلوكيات ومبادئ تربوية قد يغفل بعض الآباء عن أثرها، ويتعمّد آخرون الاستغراق فيها بالرغم من وعيهم بخطورتها:

1. صراع الرغبات بين الأبناء والآباء:

لا شكّ أن صراع الأجيال مشكلة كانت ولا تزال وستظل قائمة ما دامت الحياة مستمرة على هذا الكوكب، لكن آن أن يعي المربون كيف يتعاطون مع هذا الصراع؛ للوصول إلى تفاهمات تحفظ للآباء هيبتهم، وللأبناء حقوقهم، ومن ذلك: تعويد جميع أفراد الأسرة على الحوار والنقاش.

2. ربط اختيارات الأبناء لتخصصاتهم أو زيجاتهم أو هواياتهم بإغضاب الأبوين وبالتالي إغضاب الله تعالى:

وهذا أمرٌ مبالغ فيه جداً، ويؤكد ذلك أن كل امرئ سيحاسب عن نفسه فقط، وليس عن أبنائه البالغين والراشدين، كما أن الابن حُرٌ ما لم ينحرف إلى المعاصي أو يُضيّع الدرب، وإن حصل فالمنكر يُغيَّر حسب التعليمات النبوية بطرق مختلفة لكل منها درجة: اليد، اللسان، القلب...

وليس بين هدي الإسلام ما يوجب على الابن أن يعيش وفق رغبة والديه واختياراتهما؛ لأنه – على الأقل – مخلوق في واقع ظروفه مختلفة عن زمان والديه .

3. الأبناء ليسوا مشاريع يديرها الآباء:

كثيراً ما أشار خبراء التربية الحديثة إلى هذه المشكلة: ابنك ليس لعبة تضعها أينما شئت وتحركها كما شئت، ولا مشروعاً تجارياً تفكر له ؛ فتؤسسه للطب أو الهندسة؛ ليدر المال أكثر ويهبك شكلاً اجتماعيا تفخرُ به، ابنك إنسان لديه عقل، ودورك أن تنمي هذا الغرس الإنساني، وتحيله إلى كيان ناجح بغير تعقيدات ومفروضات.

4. لا تسرقوا حيوات الأبناء باستبدال أحلامهم:

إن محاولة السيطرة على حياة الابن واختياراته وأحلامه تشبه الاحتلال، هل استطاعت بلدٌ أن تهنأ وهي محتلة؟ كيف إذاً تنتظر منه الرضى والقبول وترجو له السعادة بعد ذلك! أن تحلم بدلاً من ابنك يعني أن تستبدل حلمه الخاص بحلمك... اتركه يختار تخصصه الجامعي بنفسه،  علمه الصواب وربِّه جيداً ودربه على التعامل، ثم اتركه يلاحق شغفه، ووجهه دوماً بحب ورشادة.

إن محاولة السيطرة على حياة الابن واختياراته وأحلامه تشبه الاحتلال، هل استطاعت بلدٌ أن تهنأ وهي محتلة؟ كيف إذاً ترجو له السعادة بعد ذلك

5. لا تظلموا أبناءكم بفرض أحلامكم عليهم:

في مقدمة المقال أضأت على عدة نماذج، كلها عاصرتُها، ولعلك عاصرتَها مثلي أو بعضاً منها –على الأقل– أو لعلك أحدُ هذه النماذج، أغلب أولئك سيعيشون شاعرين بالظلم على الدوام، ما لم تتح لهم الفرصة فينصفهم العالم في شيء ينسيهم معضلة التخصص، بعضهم يكابر ويضغط على نفسه ويكمل، بعضهم "يكبّر دماغه" ويكمل - لكن غير آبه، وكثيرون يتحطمون أو تضيع من حيواتهم سنوات هدراً! وقلة فقط منهم يتَحَدَّوْنَ ويطمحون ويفوزون أخيراً.

6. التعلم الذاتي لغة العصر ووسيلته الأولى:

هذه حقيقة آن أن يسلّم بها الآباء، لم تعُد النجاحات الكبرى والوظائف المهمة تحتاج إلى الشهادات، بل إلى الخبرة ، وأخيراً أصبح العالم العربي يُنْزِلُ الكفاءات منازلها –غالباً– وأصحاب الشركات يبحثون عن شخص خبير له معرض أعمال مُهم ومُبهر، وقد لا يسألونه عن تخصصه أو عمره طوال فترة العمل.

7. التكنولوجيا سيدة المستقبل وتخصصاتها هي الأهم:

بدءاً بالتصميم والجرافيك، انتقالاً إلى أتمتة كل شيء كالخدمات والتجارة والمعاملات، ووصولاً إلى الطباعة ثلاثية الأبعاد لمبانٍ ومجسمات، فلنُسَلِّم بأنه عصر التقنية المحيّرة، التي لا تتوقف عند حدود خيال أحد، وليس على الآباء إلا أن يرشدوا الابن ويعززوا مبادئه وأخلاقه وحسب، فالغد لشباب اليوم وبعد الغد لأطفاله .

8. ستظل السمكة تظن أنها غبية، طالما أجبرت على تسلق الشجرة:

وهذا مثل عالميّ... فالأسماك تسبح فقط، وإن كان بعضها طيّاراً.

في سويسرا، تختار المدارس تخصصات الأشخاص منذ طفولتهم بإخضاعهم لاختبارات تحدد مناطق التميّز لدى كل منهم على حدة، ثم التعامل معه على هذا الأساس، الفنيون يختلف تدريسهم عن الحرفيين، عن الأطباء والمهندسين، عن المعلمين، عن السياسيين... وهلّم تصنيفات وتوزيعات حسب القدرات.

فيعرفون ميول الطفل، وقدراته ويضعونه في المكان المناسب لتصنع له الخطة التربوية المناسبة لقدراته، ثم تنساب حياته كيفما خططت مديرية التربية والتعليم؛ بناءً على وضع المواطن المناسب في المكان المناسب له ولاحتياجات مستقبل البلاد.

إذا أُجبِرَ الإنسان على فعل ما لا يتقنه، ولا يحبّه، قد يفلح، ولكن إن لم يفلح سيظن نفسه غبياً، وربما وُصم بذلك طَوَالَ عمره.

9. الدور التربوي للأبوين أصبح مهماً جداً، وحساساً أكثر:

دور الوالدين يشمل ما أغفلوه، متمسكين بما يهدم، ومُهملين/ أو متغاضين عمّا يبني: كالتوجيه، الإرشاد، المراقبة الودودة، النصح الملائم، المجاراة أحياناً، القسوة الرشيدة، تجمع ذلك كله بوتقة التربية الحانية وتقسّمه بتوازن، وتُغير النسب حسب الحاجة، وتعززه بالمشاعر والحب المتواصل (بكلمة أحبك، بفعل ما يدل على الحب، والاهتمام بماهية المأكول والملبوس، وكذلك بقبول عيوب الأبناء ومحاولة مصالحة كل ابن مع قدراته وشكله وصوته).

دور الوالدين يشمل ما أغفلوه، متمسكين بما يهدم، ومُهملين/ أو متغاضين عمّا يبني: كالتوجيه، الإرشاد، المراقبة الودودة، النصح الملائم، المجاراة أحياناً، القسوة الرشيدة

أخيراً

الدور التربوي للآباء هو أساس تقوم عليه مدارس تربوية كبرى، وتضع في ظله الخطط التربوية والمناهج التعليمية التي تبني جيلاً مناسباً لكل الأزمنة ، يستطيع تغيير حياته ومستقبله، والتبديل بين الخطط وإدارتها بأفضل شكل ممكن.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

من ضيق الدنيا إلى سعة الكهف

سورة الكهف من السور التي نبه النبي صلى الله عليه وسلم على أفضليتها، فكانت تلاوتها …