ليس صحيحاً أنّ قدر الله لا يأتي إلا بالخير

الرئيسية » خواطر تربوية » ليس صحيحاً أنّ قدر الله لا يأتي إلا بالخير
muslim186

كثيراً ما يعزي الناس بعضهم في المصائب والملمّات بقولهم: "قدر الله لا يأتي إلا بالخير" وهذه الجملة عند تحقيقها يتبين أنها ليست جملة صحيحة، فقدر الله -عز وجل- يأتي بالخير وبالشر أيضاً.

وما الشر الذي في هذه الحياة الدنيا إلا بقدر الله، فإذا قصدنا الشر الكامن في نفوس أعداء الله وأعداء دينه، الذين يعيثون في الأرض فساداً وقتلاً لأهل الإيمان، ويتآمرون على دين الله وأهله بكل ما يستطيعون. وقد قدر الله -عز وجل- هذا الشر لأهله، لما رآهم راغبين فيه طالبين له بائعين أنفسهم لشيطانه، والله تعالى -في هذا الباب- لا يكتب الخير إلا لأهله المستحقين له ولا يكتب الشر إلا لأهله المستحقين له.

وكذلك، ما الشر الذي في حياة المسلمين أنفسهم إلا بقدر الله، عندما وجد الله نفوس بعضهم تتوق إلى الشر، من المعصية ونشر الفاحشة في الذين آمنوا، والوقوف في وجه المصلحين وحربهم وقتلهم وسجنهم، لما وجد الله نفوسهم تتوق لذلك وترضى به، أذن لهم بذلك الشر وقدّره عليهم.

فإذا تحدثنا عن هذه الجملة التي يعزّي الناس بها بعضهم فيقولون: "قدر الله لا يأتي إلا بالخير" وذلك في أعقاب أي تقدير وقضاء لله، فإنها جملة ليست صحيحة من هذه الناحية؛ لأن قدر الله في العموم يأتي بالخير وبالشر كما قلنا سابقاً.

وكل الشر الموجود في هذه الحياة الدنيا بكل أنواعه هو موجود أوجده واجدٌ هو الله سبحانه وتعالى.

قال تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78]، والشاهد في الآية قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ}.

وقدر الله على المؤمنين يحمل الخير والشر معاً:

فإن أصاب الله مؤمناً بقدر الخير، فحمد الله وأدى حق الله فيه، فهو قدرُ خيرٍ قدّره الله له بنتيجته ومآله.

وإن أصابه الله بقدرِ خيرٍ، فكفر بنعمة الله، وجحد وتولى، ونسي حق الله فيه، فهو قدرُ شرٍ قدّره الله عليه بنتيجته ومآله.

وإن أصاب الله مؤمنا بقدرِ شرٍّ، فصبر عليه وحمد الله، فإن الله يلطف به فيه، ويُعقّب له بالخير، ويجزيه الجزاء الجزيل في الآخرة، فيتحول القدر حينها إلى قدر خير.

وإن أصاب الله مؤمناً بقدر شر، فجزع وقنط، فإن قدر الله بالشر ينفذ، بلا لطف ولا تغيير، ثم تكون عاقبته أشد وأنكى، ثم يعاقبه الله على قنوطه في الآخرة، فيبقى القدر قدرَ شر، بل ويكون أشر وأشد.

وفي هذا المعنى جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ" [رواه مسلم]؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يصف الحال الذي يجب أن يكون عليه حال المؤمن، ولا يصف هنا الحال الذي عليه كل مؤمن.

فكم من مؤمن أصابته السراء فلم يشكر، فلم يكن أمره خيراً، وكم من مؤمن أصابته الضراء فلم يصبر، فلم يكن أمره خيراً.

وعند هذه، يتبين أن إيمان هؤلاء ليس إيماناً كاملاً، وإنما إيمان به نقص؛ فالإيمان الكامل يعني التسليم الكامل لله، واليقين في أن الله يملك الأمور كلها ببداياتها ونهاياتها، وهو القادر على أن يحيل الأمر الذي بدايته الشر إلى نهاية الخير، وأن يحيل الأمر الذي بدايته الخير إلى نهاية الشر.

الإيمان الكامل يعني التسليم الكامل لله، واليقين في أن الله يملك الأمور كلها ببداياتها ونهاياتها، وهو القادر على أن يحيل الأمر الذي بدايته الشر إلى نهاية الخير، وأن يحيل الأمر الذي بدايته الخير إلى نهاية الشر

وعن قدر الله الذي يبدو في بدايته أنه شر، غير أن الله يجعل فيه الخير لعبده المؤمن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه" [متفقٌ عليه]

فكل ضراء تصيب المسلم يكفّر الله له بها من ذنوبه، وهذا هو أعظم الخير؛ لأنه يصب له في مصلحته يوم القيامة، يوم أعظم الخطب.

فأما إن لم يرض المسلم بقضاء الله فيه فإن قضاء الله نافذ، وقد ضيع عليه الأجر والثواب، وضيع لطف الله به في العاقبة، وفي ذلك جاء الأثر المرويّ عن بني إسرائيل الذي ذكره ابن تيمية في الفتاوى، واستشهد به على أنه من الإسرائيليات التي تُروى: "يا ابن ادم خلقتك للعبادة فلا تلعب، وقسمت لك رزقك فلا تتعب، فإن رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك، وكنت عندي محموداً، وإن لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ثم لا يكون لك فيها إلا ما قسمته لك، وكنت عندي مذموماً".

وخلاصة الأمر: إن قدر الله يأتي بالخير وبالشر، والمؤمن يستطيع أن يجعل أمره كله خيراً، شكراً عند السراء وصبراً عند الضراء ، فإن لم يشكر فإن سراءه ضراء وشرّ، وإن لم يصبر عند ضرائه فإن ضراءه ضراء وشر، وكله بقدر الله، وبما كسبت أيديه.

قال تعالى: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [النساء: 79].

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وشاعر وروائي مصري، مهتم بالفكر الإسلامي والحركة الإسلامية

شاهد أيضاً

في ذكرى مولده…بعض خصائصه العجيبة صلى الله عليه وسلم

محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي، الذي قال الله عنه: {هو الذي بعث في …