نحن والمِحَن… فوائد نحصدها

الرئيسية » بصائر تربوية » نحن والمِحَن… فوائد نحصدها
checklist20

إن مَهَمَّة بث الأمل ليست باليسيرة -خصوصاً في أوقاتنا التي نحياها- والأوضاع والأحوال التي نحياها لا تخفى عن عاقل؛ فنحن نحيا محنة ثقيلة على كل ذي عقل وصاحب رسالة ووعي، ولما كانت الدعوات عرضة للكثير من المِحَن كان لا بد أن يكون لهذه الشدة فوائد يشعر بها الفرد ويجدها واقعاً في طريقه إلى الله.

ولذلك أخبرنا ربنا مبكراً فقال في كتابه الكريم: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 141]، كلمات بسيطة توضح طريق الله لكل السائرين فيه بشكل شفاف لا يحتمل التأويل أو التجمل؛ فالتمحيص والمحنة ليست للعوام بل لفئة المؤمنين تحديداً؛ كي ينقّيهم بالشكل الذي يرضيه –عز وجل– ويمتحنهم إن كانوا أهلاً لنصرة دينه وحمل رسالته ، لذلك كانت المِحَن عبر الدعوات لأصحاب الرسالات ثقيلة، بل إن صاحب الرسالة الأعظم محمد -صلى الله عليه وسلم- وضح له ربه في أجواء تعبدية حجم المَهَمّة وثقلها، فقال له: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5]، والثقل في الحياة عموماً هو مهمة ومشقة تستلزم رجالاً لهم مواصفات خاصة في ميزان الله، فليسوا بالعوام بل هم فئة قربها الله إليه ليصطفيهم بعد تمحيصهم لذلك سنحصر عدة فوائد:

1. معرفة الغث والسمين

قديماً قال شاعر: "جزى الله الشدائد كل خير * عرفت بها عدوّي من صديقي".

ولربما يقول قائل لو لم يكن في المِحَن من خير إلا هذا لكفى، ويقيناً نحن لا نتمنى المحنة ولا ننشدها ولا نخدم على المدح فيها، لكننا نتحدث عن واقعية حدوثها؛ لكي يزداد الذين آمنوا إيماناً بما آمنوا به وثبت في قلوبهم ويقينهم، وإن حدثت نصبر فيها ولا نجزع ونحتسب المثوبة من الله وحده ولا ننتظر مدح فلان أو قدح آخر، ونحن إجمالاً لا نحبها لكن إن حدثت نصبر كالرجال وتلك فائدة حقيقة من المحنة.

2. المراجعات والتقييم

إن المحنة تفتح أبواب المراجعات بشمولها الفكري والتربوي والحياتي عموماً، وهل كان هذا الطريق وذاك المسار صواباً وخيراً، أم أنه كان خطأً، أم أنه اجتهادٌ خاطئٌ، أو لم يكن بالإمكان أكثر مما كان!

وكل هذه الآراء نسمعها في مجتمع الدعوات، وكثيراً ما نسمعها في حياتنا، في المواقف المختلفة، المهم أن المحنة تجعل المرء يقر بالحق بلا خجل، ويسمّيْ الأمورَ بمسمياتها الصحيحة في مجتمع يفرض فيه الواقع كثيراً من أوامره ونواهيه.

إن المحنة تفتح أبواب المراجعات بشمولها الفكري والتربوي والحياتي عموماً، وهل كان هذا الطريق وذاك المسار صواباً وخيراً، أم أنه كان خطأً، أم أنه اجتهادٌ خاطئٌ، أو لم يكن بالإمكان أكثر مما كان

3. ظهور الطاقات

المحنة تفتح كل باقات الإبداع والطاقات الممكنة الكامنة التي ربما لا تظهر في الرخاء وهذا الأمر مؤلم جداً؛ فتُغفل الطاقات في وقت الرخاء الذي يفترض توظيفها فيه، لكن تلك الطاقات تبدع في المحن وتفرز طاقات شخصية وعقلية متطورة، ولا ندري أهو أمر طبيعي في المِحَن أم تجليل إلـهي على البعض، أم إخلاص نقي من أصحاب الدعوات، فلا يبخلون على أنفسهم ولا على من يحبّون بما لديهم من خبرات وملكات، ويرون أن هذا من حسن الفهم وواجبات المرحلة التي تزلزلت الأرض من تحت أقدام أصحاب الرسالات خلالها.

4. القرب من الله

والمحنة أيضاً تفتح باب المنح الإلهية بالتقرب إليه؛ فالشخص الممتحن كثيراً ما تكون علاقته بربه قوية فيلين قلبه وعقله، ويكون المحراب ملاذه الآمن دوماً؛ لأن المحنة بكل أشكالها تكسر القلوب ، ويكون أصحابها أكثر قرباً لله، ويتجلى الله على أهل المحنة فيحولها إلى منحة قرب ورعاية منه سبحانه.

وهنا سؤال يطرح نفسه وهل المفترض أن ننتظر المحن حتى تقع كي تتحسن العلاقة مع الله؟ لا بلا شك، لكننا نتحدث عن واقع حدث فعلاً، واختلفت الأمور تبعاً له، بل انقلبت شكلاً ومضموناً، بل الأصل أن الإنسان عموماً له مع الله حال - وخصوصاً صاحب الرسالة - وله ود موصول وباب مفتوح، لكن هذا الود يزداد في النوازل.

5. الخبرات والتأهيل

كذلك تتحول المحن لمنح حياتية؛ فهي تثقل أصحابها بالوعي والذكاء الذي يجعلهم لا يرتكبون الأخطاء بسهولة، وتكون مدعاة للتفكير مرات ومرات ومرات، وهنا قد يقول قائل: ولكن الواقع عكس ذلك، فنقول: إن الأقدار تجري رغماً عن المرء، ولو احتاط لأمره مرات ومرات، ويقيناً يدرك المرء وبال أمره ويجلد ذاته ويعصف ذهنه تفكيراً عميقاً حتى يستبين السبيل السليم في تعامله مع الغير في اليسر والعسر معا.

والأهم أن المرء يدرك مع المحنة جوهر حياته، وكمية النعم الربانية التي يتمتع بها دون شعور منه أو حمد على هذه النعم، وربما لا يتذكرها!

تتحول المحن لمنح حياتية؛ فهي تثقل أصحابها بالوعي والذكاء الذي يجعلهم لا يرتكبون الأخطاء بسهولة، وتكون مدعاة للتفكير مرات ومرات

وفي هذا يقول الدكتور مجدي الهلالي في كتابه القَيِّم (الابتلاء وكيف تستفيد منه الدعوات): "ينبغي على أهل الدعوة أن يتذكروا دوماً بأنه على قدر المنزلة تكون المسؤولية، بمعنى أن الله - عز وجل - اختارهم على علم؛ للقيام بأشرف مَهَمَّة، ألا وهي مَهَمَّة إيقاظ الأمة والمشروع الإسلامي، فهم منتدبون ومكلفون من قبل الله، ولا بد أن يكونوا أهلاً لذلك بلا ملل أو كلل أو تكاسل؛ لأن الثمن باهظ لو حدث عكس ذلك وهو الاستبدال الذي أنذر به الله تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} [محمد: 38].

ختاماً

أنا – يقينا - لا أمتدح الضيق والابتلاء، ولا أخدر العقول والقلوب بكلمات عاطفية، لكنني أوضح أنه مع الظلام دوماً هناك نقاط مضيئة وأن المحنة وإن كانت ثقيلة فهي تمحيص إلهي حتمي الحدوث، وأمر حياتيّ لا بد منه، وخطوة في طريق التمكين ، كما قال الشافعي: "لا يُمَكَّنُ المرء حتى يبتلى"، والابتلاء متعدد الأنواع والأشكال، لكن يبقى الخطر - كل الخطر - في وصول المحنة إلى القلب والعقل، فتصدهما عن سبيل الله، ويكون باب شر يفسد على المرء دينه ودنياه، وإن حدث كرب أو ضيق من اللسان والقلب وأحياناً السخط، فعلى المبتلى أن يسأل نفسه سؤالاً: "هل أنا أفضل من الأنبياء؟" والجواب - بلا شك – لا، ومع ذلك فالأنبياء أكثر من تعرضوا للمحن والضيق، فما بين الحرق بالنار لخليل الرحمن، وقطع رأس نبي الله يحيى، ومطاردة ومحاولات الاغتيال للنبي الأمين -صلى الله عليه وسلم- تكمن حقيقة الطريق إلى الله، شاء من شاء وأبى من أبى.

ولو حدثت أخطاء في الطريق تسببت في الابتلاء، فهذا قضاء الله الذي كان سيحدث سواء حدثت الأخطاء أو لم تحدث.
نسأل الله الثبات على الطريق والشهادة عليه بعد جهاد طويل، اللهم آمين!

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وباحث مصري الجنسية، مؤلف عدة كتب فى التربية والتنمية "خرابيش - تربويات غائبة- تنمويات". مهتم بقضية الوعي ونهضة الأمة من خلال التربية.

شاهد أيضاً

10 أسباب لفشل العلاقات الزوجية

معظمنا يرغب في لقاء الشخص الصحيح والزواج، ولكن للأسف أثبتت الدراسات الحديثة أن كثيراً من …