وإذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت..

الرئيسية » بأقلامكم » وإذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت..
makkah

ما زال موسم الحج كل عام يعيدنا إلى دراسة قصة التوحيد ورحلتها في الأرض، ودور الأنبياء والرسل في إرساء دعائمه بين الناس، ذلك بأن الله قد بعثهم - مبشرين ومنذرين - (وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ)، بل إن بعثتهم تؤكد على وحدانية الله ولزوم عبادته (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ )، فقاموا بما أمرهم الله خير قيام.

ومن بين القصص القرآني المحتشد حول قيمة التوحيد : قصة أبو الأنبياء "إبراهيم عليه الصلاة والسلام"، الذي برز مثالا على الوفاء بكل ما أمر به (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ)، والهمة بمقدار أمة (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، فقد تعددت مشاهد تلك القصة لتعلم سيد المرسلين وصحبه وأمته كيف تكون الدعوة والهمة فيها والصبر على ما حولها.

ومن بين تلك المشاهد : ما أوردته سورة البقرة حول رفع إبراهيم عليه السلام قواعد البيت، حيث قال الله تعالى (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).

ولو أطلنا النظر في هذه الآيات لاستخلصنا الكثير من هذه العبر، منها...

1- اجتهاد ابراهيم عليه السلام في تعظيم بيت الله وتعريف الناس به ليعظموا ربهم، وبدا ذلك واضحا من سعيه لرفع القواعد -أي إظهارها لتكون جسما عيانا- فالذي وضعها أول مرة هم الملائكة، والذي سعى لرفعها كان ابراهيم الخليل.

2- دلت الآيات أيضا عن استمرارية فعل الرفع - استخدام الفعل المضارع (يرفع) ودلالاته بالاستمرارية - لما بدأ به إبراهيم عليه السلام بإرساء معالم التوحيد في الأرض (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما كان من المشركين)، وقدرته على نشره بين الناس (بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وانا على ذلكم من الشاهدين) وإبقائها للأجيال القادمة (ملة أبيكم ابراهيم، هو سماكم المسلمين من قبل)، وقد يراد بالاستمرارية في (يرفع) هو التزامنية بين الرفع والدعاء وأهمية ذلك.

3- كما دلت الآيات أيضا على حسن التربية وإشراك العمل الدعوي بين الآباء والأبناء، ما ظهر جليا في تفاعل الأب - إبراهيم عليه السلام - والابن - اسماعيل عليه السلام - في رفع القواعد ارضاء لله عز وجل (وإذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل).

4- لفظة (البيت) وجرسها اللغوي يلقي حالة من الاطمئنان التي كان يشعر بها ابراهيم عليه السلام إزاء كعبة الله المشرفة، ظهر ذلك في ارتقائه حجرا لزيادة رفع القواعد - التي تحولت بعد ذلك إلى "مقام إبراهيم" -، مما كان مستغربا في تلك الفترة التاريخية، حيث يقدر فترة ابراهيم انها تقدر قبل أكثر من 3000 سنة، لدرجة ان الصخرة التي علاها تأثرت وطبعت صورة قدميه عليها.

5- دلت الآيات على عمق العلاقة بين ابراهيم وربه ودعاءه له بالقبول أثناء وعقب الانتهاء من العمل.

6- أشارت الآيات إلى عمق اهتمام إبراهيم عليه السلام في الأجيال القادمة على أن تكون على الهدى (من ذريتنا أمة مسلمة لك).

7- مهما بلغ العبد من جهد في العبادة ازداد قربا من الله وطلب مزيد هداية إلى مراتب أعلى في العبادة والتوبة والنسك، وهذا ما ظهر من الدعاء (وأرنا مناسكنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم).

8- دلت الآيات أيضا على وضوح الرسالة الخاتمة في ذهنية ابراهيم عليه السلام، بأن تكون من الناس وإليهم (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم)، ودوره في التربية والتعليم (يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم).

9- أعادت الايات السفاهة في الرأي والحكم والسلوك لمن حاد عن ملة الإسلام (ومن يرغب عن ملة ابراهيم إلا من سفه نفسه)، فكانت سفاهته عقلية ونفسية.

10- أشارت الآيات إلى سر اصطفاء الله لعبده ابراهيم - ولكل من أراد أن يكون في محل اصطفاء الله لعباده - وهو : سرعة الاستجابة لأمره - (إذ قال له ربه : أسلم، قال :أسلمت لرب العالمين)، بل استمر الخليل عليه السلام في دعوته حتى خروج الروح (ووصى بها ابراهيم بنيه ويعقوب : يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون).

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
مدير علاقات عامة في إحدى المؤسسات التعليمية في الأردن، ناشط اجتماعي، وإعلامي، مهتم بالشؤون التربوية.

شاهد أيضاً

النقد الذاتي هل يعزز شخصيتك أم لا ضرورة له؟

يقول الحسن البصري "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه، ماذا أردت تعملين ؟ وماذا أردت …