أزمة التأريخ في عصر الإعلام الاجتماعي والمونتاج..

الرئيسية » بصائر الفكر » أزمة التأريخ في عصر الإعلام الاجتماعي والمونتاج..
social-media-for-business_1567848489563

التاريخ يكتبه المنتصرون. هذه حقيقة معروفة كمُسَلَّمة لدى طلبة العلوم السياسية والمهتمين بفروع المعرفة العامة والثقافة بشكل عام.

فتلعب السياسة وعوارضها، والمتغيرات الاجتماعية أبلغ الأدوار في تسجيل التاريخ، أو تأريخ الحدث، وأبلغ دليل عليها، التبدُّلات العميقة التي تطرأ على فهمنا للحدث التاريخي، بتغيُّر الظروف السياسية والاجتماعية القائمة .

وهذه القضية تشمل طائفةً واسعة من النواحي، سواء ما يتعلق بالحدث التاريخي نفسه، بين الإظهار والإخفاء والانتقائية في العرض، وبين توصيفه وتحليله، والخطا أو التلاعب في كلَيْهما له أعمق الأثر في تبديل مفاهيم الشعوب، وتوجهاتها، بل وهوية المجتمعات نفسها.

وفي حقيقة الأمر؛ فإنه، حتى وبشكل موضوعي بعيدًا عن أثر السياسة؛ فإنه من أشق المهام على أي باحث، الكتابة التاريخية أو التأريخ للحدث أو لسياق زمني بعينه.
فعلى غير الصورة الشائعة عن العوامل التي تؤثِّر على حدث ما، وصيروراته وتأثيره؛ فإن هناك الكثير من التفاصيل الصغيرة المعقدة التي تقف خلف صناعة هذا الحدث، وقد يكون بعضها في سياق شخصي بحت لصانع الحدث أو القرار الذي قاد إلى نتائج عامة واسعة النطاق.

وفي مدارس التأريخ المتقدمة في الغرب؛ فإننا نجد أنه في تقييمهم للحدث، يعملون على إجراء دراسات نفسية واجتماعية معمَّقة وشاقة جدًّا لفهم ومعرفة خلفيات الساسة والشخصيات الفاعلة والتي أثَّرت في التحولات والأحداث الأهم التي وقعت في مجتمعاتهم أو أثَّرت عليهم .

وهو أمرٌ حتى تحرص عليه أجهزة الاستخبارات، التي تعمل على دراسة الطبيعة النفسية والخلفية الاجتماعية لسياسي أو مسؤول أو زعيم ما من أجل تحسين القدرة على التنبؤ بسلوكه ومعرفة كيفية التعامل معه بالشكل الذي يحقق مصالح الدولة.

وفي حقيقة الأمر؛ فإن هذا المجال ليس استثناءً من حالة التخلف والتراجع التي تعانيها مفردات حياتنا الثقافية والمعرفية في عالمنا العربي والإسلامي، وتستند في واقعها هذا إلى أسباب تتعلق بطبيعة الأنظمة الحاكمة، وطرائق صياغتها لكل مفردات الحياة من حول الإنسان، بما في ذلك حتى المعلومة التاريخية التي يتلقاها.

وككل شيء متصل بالمجال الحضاري؛ فإننا في الماضي كنا كعربٍ ومسلمين نعرف مستوىً أفضل في تناول الحدث التاريخي وتقديمه، مع قدرة أكبر للمؤرِّخ على الانفلات من قبضة السلطة الغاشمة في بعض الفترات، من خلال الرحيل والهجرة إلى بلدان وآفاق تكون أكثر سعةٍ، كما فعل الإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، وكما فعل ابن رشد مع مؤلفاته عندما أرسلها إلى مصر.

كنا كعربٍ ومسلمين في الماضي نعرف مستوىً أفضل في تناول الحدث التاريخي وتقديمه، مع قدرة أكبر للمؤرِّخ على الانفلات من قبضة السلطة الغاشمة في بعض الفترات، من خلال الرحيل والهجرة إلى بلدان وآفاق تكون أكثر سعةٍ

وكان علماء ومؤرخو المسلمون الثقاة عندما يضعون أسفارهم الضخمة في مجال التاريخ؛ فإنهم في بعض الأحيان، إمعانًا للدقة، ولتفادي نقطة التوجيه أو عدم وضوح خلفيات الحدث وأسبابه، كانوا يكتفون بذكر الأحداث التاريخية بطريقة المعلومة البحتة. في عام كذا، وقع كذا بعد أن حدث كذا، من دون محاولة لتوصيف الأحداث قيميًّا، إيجابًا أو سلبًا، كوصف حربٍ بأنها كانت اعتداءً أو حربًا دفاعية، وهكذا.

وهي في الواقع، أبسط أداة يمكن اللجوء إليها للتغلب على مشكلة نقص المعلومات، أو التشويش من جانب المؤرِّخ.

وفي الأحداث الهامة، نجد أن المؤرخ كان يتناول الحدث بمفهوم التأريخ، أي تقييمه وتحليله، وليس مجرد كتابته حدثيًّا؛ كما في كتاب "العواصم من القواصم" للقاضي والمؤرِّخ أبي بكرٍ بن العربي؛ حيث تناول الحدث التاريخي بشكل دقيقٍ ومفصَّلٍ.

وحتى بعض التحيزات قد تكون مقبولة إذا ما أعمَلَ الإنسان بعض الثوابت التي يؤمن بها أو القيم الإنسانية العامة، في تقييم حدثٍ تاريخي ما. فأنا كمسلم، وحتى من أنصار حقوق الإنسان من غير المسلمين؛ لا يمكننا قبول الرواية الغربية لمسألة تجارة العبيد من أفريقيا إلى الأمريكيتَيْن، وأن نضع الأمر كما يضعونه في سياقات تصوراتهم ومفاهيمهم هم عن العمران وطرائق بناء الحضارات.

بعض التحيزات قد تكون مقبولة إذا ما أعمَلَ الإنسان بعض الثوابت التي يؤمن بها أو القيم الإنسانية العامة، في تقييم حدثٍ تاريخي ما. فأنا كمسلم، وحتى من أنصار حقوق الإنسان من غير المسلمين؛ لا يمكننا قبول الرواية الغربية لمسألة تجارة العبيد من أفريقيا إلى الأمريكيتَيْن

ويظلُّ أنه في هذا الإطار، كانت هناك أسس وقواعد، وأدوات يمكن الركون إليها من أجل الوصول إلى صورةٍ صحيحة أو أقرب إلى الصحة للحدث التاريخي. أسبابه وكيف وقع، وأطرافه، وحتى توصيفه بشكل قريب من الدقة من الزاوية القيمية، أو لجهة نتائجه.

وهذا المجال، مجال كتابة التاريخ، مثل غيره من مجالات النشاط المعرفي، والأمور المرتبطة بالظاهرة الإنسانية، تعرض للكثير من التأثيرات بفعل ثورة المعلومات والاتصالات، وحالة السيولة التي أدت إليها التطورات في المجال الرقمي على مختلف المستويات.

كان الأمر في البداية مأمولاً منه أن تقود هذه التطورات، التي تشمل أقنية التوثيق والحفظ، إلى تحسين قدرة الإنسان على كتابة التاريخ بشكل سليم، والوصول إلى صورة سليمة للحدث، الماضي والآني على حدٍ سواء.

إلا أن هذه التطورات قادت إلى حدوث مشكلة كبيرة. فهي في المقابل كما عززت من قدرة الشعوب، فرادى وجماعات على توثيق حدثها الخاص بعيدًا عن تلاعبات الساسة وقوى الأعداء، كما حدث في انتفاضة الأقصى الثانية عام 2000 وما بعدها، وكما حصل في الثورة السورية ودول ما يُعرَف بالربيع العربي؛ فإنها – مثل كل الأشياء؛ لها وجهان وأثران – منح قدرة لبعض الأطراف على أن تمارس أسوأ ألوان التشويش والتضليل.

التطورات الإعلامية الحديثة عززت من قدرة الشعوب، فرادى وجماعات على توثيق حدثها الخاص بعيدًا عن تلاعبات الساسة وقوى الأعداء، لكنها –مثل كل الأشياء؛ لها وجهان وأثران– قد منحت قدرة لبعض الأطراف على أن تمارس أسوأ ألوان التشويش والتضليل

ويعضد من ذلك طبيعة هذه الوسائط، ولاسيما عدم وجود قدرة لضبط النشر على الوسيط الإلكتروني، وتطور برامج تركيب الصور والمقاطع التي يمكنها أن تتلاعب بأي شيء.

ولعلنا في هذا المضمار، نجد ذلك متجسدًا أمامنا في أجلى صوره، في حدث ما يُعرَف بالربيع العربي وثوراته والاحتجاجات التي خرجت ضد الاستبداديات الحاكمة في بلداننا العربية خلال السنوات العشر المنصرمة.
في هذا الإطار، يُعتَبَر التاريخ العربي المعاصر من أهم النماذج التي يمكن الوقوف فيها أمام مصطلح "تزييف التاريخ" حرفيًّا.

وبدلاً من أن يتم استخدام وسائط التقنية الحديثة، في مجال الصوت والصورة والمعلومة في توثيق الحدث؛ تم استخدامها في تزويره وتحريفه، من خلال استخدام وسائل احترافية طوَّرت نفسها طيلة السنوات الماضية.

وبين "شيطنة" حركة الاحتجاجات الشعبية وثورات الجماهير التي طالبت بحقوقها من جانب الحكومات والأنظمة، وبين مساهمة بعض الأطراف التي من المفترض أنها كانت تسعى في الاتجاه الآخر، وتحارب ظلم وكذب الأنظمة على شعوبها، في تمكين مخططات الغرب في استغلال الموقف والأزمات التي نتجت عن طرائق تعامل الأنظمة العربية مع الحركة الاحتجاجية، في تهديد الأمن القومي العربي؛ نقول إنه بين هذا وذاك، ضاعت حقوق الشعوب العربية المشروعة.

ومن بين أبرز الظواهر التي ارتبطت بهذه المشكلة، أن هذه الممارسة، ورغم توفر المادة وسهولة توثيقها وأرشفتها، فقد تم استخدامها لتبرير الاستبداد، ورسم شعبية مزيفة لحُكَّام وأنظمة وسياسات تتعارض في الأصل مع مصلحة الشعوب التي ثارت لأجلها.

وبِتْنَا نرى ظواهر ما كنا نتصورها، ومن بين أسوئها، والتي تعكس انحدارًا أخلاقيًّا عامًّا، ولا يخص فقط قضية علمية مثل التأريخ؛ ظاهرة ما يُعرَف بـ"الذباب الإلكتروني" أو "الجيوش الإلكترونية"، والتي لا يمكن وصف سلوكها وما تقوم به شرعًا سوى بأنه "كَذِب" ويُقصَدُ به التضليل، وإيقاع السوء، وهذا هو تعريف الشر الخالص؛ حيث الشر –ببساطة– هو إرادة السوء.

ولا تقف هذه الظاهرة على أعتاب علامنا العربي، وإنما رأيناها في الكثير من الأحداث المهمة التي ترسم الحالة الإنسانية المعاصِرة في المجال السياسي والمجتمعي، مثل "البريكست" البريطاني من الاتحاد الأوروبي، والانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في العالم 2016م؛ حيث تلاعبت أكبر حكومات العالم، وأكثرها زعمًا للشفافية واحترام حقوق الإنسان لاسيما الحق في التعبير والانتخاب بإرادته الحرة؛ تلاعبت بإرادة الناخبين، مما بدَّل تمامًا من واقع الحدث، وتأريخه.

فالصورة الظاهرة في الانتخابات الأمريكية على سبيل المثال، لو تم التأريخ لها بشكل سليم، أن هناك مرشَّحًا لليمين الشعبوي قد فاز بانتخابات الرئاسة، وأن ذلك يعني تصاعد وجود هذا التيار في الولايات المتحدة، بحيث صار أغلبية.

وهذا غير صحيح، وتثبته المظاهرات الكبيرة التي تصدت لقرارات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بعد ذلك ضد المهاجرين واللاجئين، فلو كان هذا التيار أغلبية؛ لما تم وقف العمل بقرارات ترامب في هذا الاتجاه.

ويرتبط بذلك طائفة واسعة من الأمور، مثل الظواهر التي نجدها على السوشيال ميديا عندما يتم تداول مادة مكتوبة أو مصوَّرة، ويتم ربطها بحدث تاريخي، قديم أو حديث أو معاصِر، بينما هي لا تمت لها بأية صِلَة.

ولكنها في ظل تراجع مستوى التعليم، وابتعاد الأجيال الجديدة عن مساقات العلم والمعرفة المختلفة، وغرق الإعلام العربي في حقول الخرافة والتضليل بعيدًا عن مهمته الأساسية المفترضة في التنوير والتوجيه السليم؛ فإن الكثير من الثوابت التاريخية قد تم المس بها، وبعمق، في الاتجاه السيء. أي تزويرها.

كيف نسعى؟!

بكل تأكيد؛ فإن معالجة هذه المشكلة لا يمكن بحال من الأحوال كتابتها في حيِّز محدود، أو في نقاط، بالرغم من أنها قد تبدو سهلة نسبيًّا.

فهذه المشكلة ظاهرة إنسانية، ومرتبطة بتطور في أهم مجالات الحياة الآن، وهي الرقميات ووسائط المعلومات والاتصالات والإعلام، بالإضافة إلى أن هناك دولاً وحكومات وأجهزة وجماعات قوية ولها تأثيرها وانتشارها، تدعمها، بل إن مصالحها في دعم هذه الفوضى التي مسَّت وعي الإنسان نفسه.

ويفرض هذا الوضع واجبات عديدة على العاملين في حقول العمل الإسلامي المختلفة، وعلى المنتمين إلى الفكرة الإسلامية، ويتبنونها على المستوى القيمي والأخلاقي، سواء من الكُتَّاب أو التربويين أو فنيي الجرافيكس والعاملين في فضاءات الإعلام الاجتماعي "السوشيال ميديا" والفضاء الإلكتروني بشكل عام.

لابد من التأكيد على الاهتمام بعلم التأريخ، ودفع الحكومات والمراكز البحثية والحركات الإسلامية إلى الاهتمام بتوثيقه وعرض حقائقه، بما فيها الإيجابيات والسلبيات

ومن بين هذه الواجبات، العمل على تحريك الاهتمام بعلم التأريخ، ودفع الحكومات والمراكز البحثية والحركات الإسلامية إلى الاهتمام بتوثيقه وعرض حقائقه، بما فيها الإيجابيات والسلبيات، لقطع الطريق على مساعي بعض الأطراف في الداخل والخارج من خصوم المشروع الإسلامي لتزويره من أجل تعطيل مسارات المشروع في زمننا المعاصر من خلال الادعاء على المرتكز التاريخي والتراثي الذي يستند إليه.

وهنا نلفت إلى مشكلة قد يقع فيها البعض بنمطق الحماسة، ولكنها تكون في الواقع ضارة للغاية، وهي تزييف الحقائق وتجاوز الأحداث السلبية لجعل التاريخ الإسلامي مضيئًا ومشرقًا. هذا يضرب في الصميم، في عصر الانفتاح والسيولة المعلوماتية الحالية؛ مصداقية الخطاب الإسلامي في مختلف الاتجاهات.

وأهم الأدوات المتاحة لتجاوز هذه المشكلة، التدقيق والبحث في مختلف المصادر، ومطابقة الحدث وبحث مدى ملائمته مع أحداث أخرى مرتبطة أو مُكَمِّلة، وهكذا حتى الوصول إلى الصورة الكاملة، مع تحقيق حالة من التشبيك بين كل المختصين من علماء ومراكز بحثية وجامعات، والحكومات التي تؤمن بالمشروع الإسلامي، من أجل تحرير مشروع ضخم لكتابة التاريخ الإسلامي، وتنقية التراث مما لحق به من شوائب.

إلا أنه تبقى نقطة مهمة ينبغي الإشارة إليها، وهو أن الجذر الأخلاقي لهذه الأزمة، يمكن أن يكون مفتاحًا لمعالجتها على المستوى الذي يهمنا في هذا الموضع من الحديث، وهو الحركة الإسلامية، وجمهور المسلمين العامل في هذا الحقل؛ حيث التوصيف الشرعي لهذه الأمور، من الوضوح بمكان، بحيث لا يمكن بحال من الأحوال الادعاء بعدم معرفته.

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
باحث مصري في شئون التنمية السياسية، حاصل على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1997م، كاتب في موقع "بصائر"، ويعمل سكرتير تحرير لمجلة "القدس" الشهرية، التي تصدر عن "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة، وله العديد من الإصدارات، من بينها كتب: "أمتنا بين مرحلتين"، و"دولة على المنحدر"، و"الدولة في العمران في الإسلام".

شاهد أيضاً

عبقرية النبي في إرساء قواعد عالمية الدعوة

ضاقت مكة بالدعوة، واشتد الحصار على لقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - مع …