الإنسان يبحث عن المعنى

الرئيسية » كتاب ومؤلف » الإنسان يبحث عن المعنى
181170

تمهيد

ينقسم الكتاب لقسمين: قسم ينتمي لأدب السجون والسيرة الذاتية، يحكي فيه الكاتب تجربته بأسلوب تحليلي لنفسيات المساجين وتطور حالاتهم العقلية والنفسية.

والقسم الثاني: يعرض فيه المبادئ الرئيسة للعلاج بالمعنى وتطبيقاته، قبل صدور هذه الترجمة.

كانت معظم الكتب والدراسات المنشورة عن مدرسة فيينا الثالثة في العلاج النفسي قد صدرت باللغة الألمانية، لذلك يعد هذا الكتاب إضافة مهمة للتصور العلمي النفسي.

وقد ذاع صيت مذهب العلاج بالمعنى ليصير المدرسة الثالثة في علم النفس الحديث بعد فرويد وآدلر، ففي حين يعتمد فرويد في تحليل الأمراض النفسية على مبدأ إرادة اللذة والمتعة، ويرجع آدلر لمبدأ إرادة القوة والمكانة، يرى فرانكل أن الإشكال يكمن أساساً فيما يسميه إرادة المعنى (أي علم الفرد بمعنى حياته وهدفه فيها، ثم تشبثه بتحقيق ذلك رغم كل العقبات) ووفقا لمقولة نيتشه التي يؤمن بها الكاتب ويقتبسها كثيراً: "من يجد سبباً يحيا به فإن بمقدوره غالباً أن يتحمل في سبيله كل الصعاب بأية وسيلة من الوسائل".

مع الكتاب

في القسم الأول من الكتاب/

يعرض الكاتب بإيجاز وعمق معا خلاصة خبرته في معكسر الاعتقال، من خلال ملاحظة تطوّر الحالة المعنوية النفسية في نفسه هو بالإضافة لمن حوله من المساجين والحراس كذلك، ويرى أن من يعايش أجواء الاعتقال من المساجين أو السجانين –لكن المساجين خاصة– يمر بثلاثة أطوار:

• الصدمة الأولى/ وتتنوع ردود الأفعال بين من يأخذ منه الجزع كلّ مأخذ مما ستؤول إليه الأمور وما سيقع عليه من هوان وآلام حتى يقدم على إنهاء حياته، أو ينهار معنوياً بما يؤدي لانهيار مناعته البدنية فيصير نهباً للأوبئة المنتشرة في تلك الأماكن، ومن يدخل في حالة من الذهول يختلط فيها فضول اكتشاف المجهول لتوطين النفس عليه، بأمل انتهاء الكابوس سريعاً والإفاقة منه.

ويقرر المؤلف من مراقبته وملاحظاته أن حالة النفس الداخلية للفرد هي في جوهرها قرار يتخذه، سواء واعياً أم غير واع، وليست نتيجة حتمية للظروف المحيطة مهما تكن: "حالة الذات الداخلية للسجناء لم تكن لأسباب بدنية ونفسية بقدر ما كان نتاجاً لقرار متحرر..."، ويخلص إلى نوع من الحرية يسميه الحرية الغائية -باعتبارها قدر الحرية الثابت في الإنسان مهما كبلت حرياته الأخرى- وهي: قدرة الإنسان على أن يختار اتجاهه من بين مجموعة من الاتجاهات في ظروف معينة، فكما أن هناك من أرخوا زمام استمساكهم الداخلي للظروف وسلموا للعوامل والمؤثرات وأوقفوا كل منافذ النضال فيهم، كان هناك من يمرون على الأجنحة يهدئون الروع ويضحون بكسر الخبز معهم لغيرهم من المساجين، "إن نمط الشخص الذي يصير إليه السجين نتيجة قرار داخلي لا المؤثرات المحيطة وحدها؛ لأن الحرية ليست تحرراً من الظروف وإنما اتخاذ موقف إزاء الظروف".

التكيف على المستوى الفيزيائي/ بالتعود على قلة ساعات النوم والعمل الشاق في زمهرير البرد أو صهد الحر... إلخ، وعلى المستوى الوجداني الذي يصل بصاحبه لحالة من البلادة الشعورية: فلا يعود يستقذر أوضاع المعيشة الدنيئة والمقززة، ولا يهتز كيانه لمشاهد التعذيب أو تكوّم الموتى، وهذه المرحلة يصل لها صاحبها لا إرادياً؛ لأنها رهن بمدى التعود وتكرار التعرض، لكنه يلاحظ أن ثمة قدراً من رد الفعل الإنساني يمكن أن يحافظ عليه صاحبه، وهو رد الفعل المعنوي –العقلي خاصة- بكراهة الظلم والإجرام والعدوان واستحسان الرحمة والعدل... إلخ.

ويلاحظ الكاتب ظاهرة عجيبة، وهي أن بعض المسجونين ذوي التكوين البدني الأضعف أبدوا غالباً قدرة على معايشة حياة المعسكر بدرجة أفضل من أولئك الأشخاص ذوي البنية القوية، ويفسر ذلك التناقض الظاهري بسبب "الثراء الروحي والحياة الداخلية": "رغم كل مظاهر الانحطاط الجسمي والعقلي للحياة في معكسر الاعتقال، إلا أنه من الممكن للحياة الروحية أن تقوى وتعمق، الأشخاص الحساسون الذين تعودوا على الحياة العقلية الغنية ربما عانوا الكثير من الألم وكان تكوينهم رقيقاً غالبا، إلا أن درجة تعرض ذواتهم الداخلية للألم كانت أقل، فكان بمقدورهم أن يتخلوا عن الواقع المفزع المحيط بهم لحياة من الثراء الداخلي والحرية الروحية".

التحرر/ وبعكس ما يخيل للمعتقلين أنفسهم، فإنهم لا يسعدون بتلك المرحلة بقدر سعادتهم أثناء توقعهم لها؛ لأنهم يجدون أنفسهم بحاجة للتكيف مع واقع من نوع آخر لن يكون على الدوام مراعياً لظروفهم، بل إن كثيرا من المساجين يصدمون حين يجدون أن الحياة سارت بدونهم، ومن كانوا يعولون على لقياهم قد رحلوا أو مضوا في أحوالهم.

في القسم الثاني من الكتاب/

يشرح الكاتب مذهب العلاج بالمعنى Logotherapy، Logo كلمة يونانية تشير للمعنى، فالعلاج يركز على معنى الوجود الإنساني ويحث على السعي في إيجاد ذلك المعنى، وخلاصة طريقة العلاج هو مواجهة المريض بمعنى حياته، وإعادة توجيهه نحو معنى هذه الحياة: "الشخص العصابي يحاول الهرب من الوعي الكامل بمهامه في الحياة، هدفنا أن نجعله واعياً بهذه المهام ونوقظ فيه الوعي الأكمل بها، بما يعضد قدرته على التغلب على عصابه".

فالعلاج بالمعنى عملية توعوية توقظ ما يعتقد فرانكل أنه كامن بالضرورة في نفس كل إنسان، وهو المعنى أو مسؤولية الوجود ، ومهمة المعالج ليست اختراع معنى للمريض أو قسره على وجهة نظره، بل جعل الشيء عنده شعورياً بعد أن كان لا شعوري، ويضعه أمام مسؤولية قراره الشخصي عن معنى حياته ومهامه فيها.

ويعرج الكاتب سريعاً على ارتباط الدين بمسألة العلاج بالمعنى، فينفي مذهب تفسير الدين على أنه "ديناميات نفسية وعوامل دافعية لا شعورية" كالدوافع الغريزية الأخرى، اللذة والقوة مثلاً، ويقول: "إننا بهذا نضل السبيل ونفقد البصيرة بظاهرة لها أصالتها ووجودها الحق، وبهذا الفهم الخاطئ يتحول علم نفس الدين ليغدو تصوراً لعلم النفس كدين".

ويعقد المؤلف تفرقة نافعة بين المرض النفسي والضيق الروحي، فاهتمام الإنسان بالحياة وقلقه بشأن جدارته أو يأسه منها لا يخرج أحياناً عن كونه ضيقاً معنوياً روحياً وليس بالضرورة مرضاً نفسياً ، ولا مفر من الإقرار أن بحث الإنسان عن المعنى وسعيه لتحقيق القيمة ربما يثير توتراً داخلياً، هو في الحقيقة مطلب لا بد منه للصحة النفسية والاتزان الداخلي، وليس كما تراه أغلب وسائل العلاج النفسي بوصفه تهديداً للصحة وإفساداً للاتزان؛ لأنه لا شيء في الدنيا يمكن أن يساعد الإنسان بفاعلية على البقاء ولو في أسوأ الظروف مثل معرفته بأن هناك معنى في حياته ، لذلك ليس كل صراع بالضرورة مرض نفسي، فمقدار من الصراع سوي وصحي، وتفسير هذا الضيق المعنوي أو الروحي على أنه مرض نفسي يدفع المعالج لدفن شعور المريض –الذي يفترض أن يكون مؤشراً توجيهيا - تحت كومة من العقاقير المهدئة، لتجنبيه الصراع والتوتر بالكلية بدل دفعه للنظر في أسبابه وجذوره، والحق أن مهمته أن يقوده من خلال أزماته الوجودية للنمو والارتقاء (وهذا هدف العلاج بالمعنى).

ونظراً لتقاطع مفهوم معنى الوجود مع مفهوم تحقيق الذات، يقرر المؤلف بوضوح أن الهدف الحقيقي للوجود الإنساني لا يمكن أن يوجد فيما يسمى تحقيق الذات؛ لأن الوجود الإنساني تسامٍ بالذات وتجاوز لها، وليس إغراقاً فيها وتمحوراً حولها: "وتحقيق الذات ليس هدفاً ممكناً -في حد ذاته- أصلا، وبقدر ما يسعى له الإنسان يخفق في الوصول له، وللحد الذي يلتزم بتحقيق معنى لحياته يحقق ذاته"، بعبارة أخرى، لا يمكن التوصل لتحقيق الذات إذا جعله الشخص غاية في حد ذاته، لكنه يتوصل له كأثر لازم للاشتغال بالمعاني والأهداف خارج الذات، فيسبغ المرء عليها من ثرائه الداخلي ما يعود عليه بالصقل والنضج.

مع المؤلف

فيكتور فرانكل، طبيب نفسي خاض تجربة مريرة في معسكرات اعتقال، تمخضت عن بلورة تطبيقية وصياغة نظرية لمذهب (العلاج بالمعنى).

بيانات الكتاب

عنوان الكتاب: الإنسان يبحث عن المعنى: مقدمة في العلاج بالمعنى التسامي بالنفس
المؤلف: فيكتور إيميل فرانكل
ترجمة: د. طلعت منصور
دار النشر: دار القلم، الطبعة الأولى 1982
عدد الصفحات: 210

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

اللغة الباسلة

 تمهيد "اللغة الباسلة" كتاب يعزز الولاء والانتماء للعربية، ويكشف عن مظاهر الضعف اللغوي وتأثير والعولمة …