التمرد … ليس شراً بأكمله، ليس خيراً بمجمله

الرئيسية » بصائر تربوية » التمرد … ليس شراً بأكمله، ليس خيراً بمجمله
تمرد الابناء -- التمرد ... ليس شراً بأكمله، ليس خيراً بمجمله

العلم والتعلّم هما أول طريق التمرّد الذي نتكلم عنه/ أو بالأصح ندعو إليه؛ لأن الجهل تربة خصبة لزرع أية فكرة مغلوطة وغرس بذور الإفساد وإنماء التخلف في أكثر صوره تخفياً بثوب التحضّر ، ثم إن "الجهل في حقيقته وثنية؛ لأنه لا يغرس أفكاراً بل يُنصّب أصناماً" كما يقول مالك بن نبي.

وبناءً على تلك المقولة فإن الموقف الواحد الذي لا يتغير هو وثنية أيضاً، مثله: الرمز الواحد المقدّس –عدا الله سبحانه– والسمة الواحدة التي لا يطرأ عليها التعديل، والقدوة الواحدة التي نظن أنها لا تخطئ وكأنها مَلَك!

طبيعة الكون هي التجدد -في الظواهر الطبيعية، في حركة الأجرام السماوية، في تبدّل الأحوال بدون سبب غير حكمة الله- ولا يجدر بعاقل أن يسّلم لمن يقول إن التمرّد هو العناد بالمطلق؛ فالتمرد أشمَل وفيه جانب خير كبير إذا استطاع الأهل غرس أسس توجيهه منذ الطفولة؛ لكي يكون مثمراً، ففي اللغة العربية يقال: مرُد (بضم الراء) بمعنى أقبَلَ أو غيّر المألوفَ، والمُرُود –حسب معاجم اللغة العربية– هو بلوغ الغاية بالخروج عن السمة العامة.

لا يجدر بعاقل أن يسّلم لمن يقول إن التمرّد هو العناد بالمطلق؛ فالتمرد فيه جانب خير كبير إذا استطاع الأهل غرس أسس توجيهه منذ الطفولة

أما اصطلاحاً فيعرّفه علم الاجتماع بأنه: "الخروج عن نواميس المجتمع وقوانين النظام العام ورفض سلطة أيٍ كان"، أما علم النفس فيشير إليه بـ: "العصيان والامتناع عن الخضوع للأوامر ورفض تنفيذها".

إذن، لماذا نقصر اتساع المصطلح (التمرد) على الدراسات الكثيرة التي تبين جانبه السلبي فقط، مع أن جميع الدراسات –نفسها– تثبت أن للتربية أكبر دور في وجود ذلك الجانب وازدياد سلبيته، فلِمَ لا نفكر في ترشيده وتوجيهه وصناعة بيئة حاضنة له، بدل قتل هذه السمة الإيجابية تماماً في نفس الإنسان.

ومقابل الدراسات التي أجريت والمقالات الكثيرة المنتشرة عن التمرد –لمن أراد الاستزادة– فإن مقصد هذا المقال أن يضيء على الجانب الإيجابيّ للتمرد، وكيفية توجيهه وتطويره؛ بغرض الاستفادة منه وبناء شخصية متميزة للابن منذ مرحلة الطفولة.

لماذا يرتاب الناس من التمرد ويخشونه؟

يجب أن أؤكد أولاً على أن التمرد لأجل التمرد وحسب هو ليس إلا ضرباً من العبث، والمتمردون ليسوا بأفضل من المجتمع ولا هم أرقى أو أسمى منه ، كما أنهم ليسوا الأكثر انفتاحاً ثقافياً ولا الأكثر وعياً وتميزاً، لكنهم يُظهرون اختلافهم وحسب، وربط التمرد بالوعي بالمطلق هو ربط زائف؛ إذ ينبغي وجود حجج وأسباب للتمرد، قد يكون السبب هو وجود نموذج آخر يرى فيه المتمرد علامات لما يطمح إليه، ويعينه على إعادة تشكيل هويته.

ولا يزال الناس مرتابين تجاه التمرد والخروج عن النمط، وذلك الخوف راجع لعدة أسباب:

أولاً/
شاع عن السائد أنه جيّد؛ لأنه سائد، وليس لأنه جيد فعلاً، الناس ترفض الاختلاف ولذلك يرون التمرد بنظرة مليئة بالشك، والخوف من أن التجديد يتقصد ترك شعور لديهم بالتخلف !

ثانياً/
الخوف من التغيير وانعدام الإحساس بالأمان من أقوى الأسباب التي تجعل الإنسان عبداً للمعتاد، ولذلك يظلّ ملتزماً عادات المجتمع خوفاً من النقاد، والعراقيل، فيُكْرِهه خوفه على الاستسلام، ولا يستطيع التعايش مع هذه الانتقادات إلى الوقت الذي يثبت فيه نجاع فكرته أو اختلافه، والاستسلام مختلف عن التعايش بالطبع.

ثالثاً/
الاختلاف مغرٍ جداً لكنه استثناء، ويمكن العيش بدون متطلباته، لكن الاختلاف داخلياً يجعل الفرد يتمرد، وبالتالي يتعرض للرفض والانتقاد من المجتمع .

ومع أن الأمر يسند إلى نسبية الأشياء واختلاف وجهات النظر، بمراجعة العادات اليومية والروتين والتفاصيل المختلفة لدى المتمرد تجد أن لديه كمية الوقت ذاته الذي يمر على الآخرين من أبناء جيله ومن يشبهونه في ظروفه، لكنها مختلفة عنده؛ وسبب ذلك هو التغيير والاختلاف، مع أن الوقت لديه يمر بذات السرعة منذ الأزل، إلا أن التفاصيل تمنح الوقت طعماً ورائحة؛ لأن الاستقرار على وتيرة واحدة مرفوض كونياً.

ولكي يطمئن الآباء، فإن تمرّد الطفل ومعارضته لهما دليل على صحته النفسية والفكرية وتطوّر شخصيته وذكائه، لذلك فإن واجبهما الحقيقي يكمن في رعاية هذا التطور وتوجيهه وليس في تحجيمه أو قمعه.

لماذا يجب أن يسترعي التمرد اهتمام الوالدين؟

هل كانت التقاليد البالية لتتغير؟ لم يكن العالم ليتغير، ولن يتغير إذا فكر الناس بنفس الطريقة، لم تكن الحضارة لتبدأ، ولم نكن لنسمح للنور والعلم أو الإيمان بأن يخترقوا أرواحنا ويضيئوا عقولنا وقلوبنا ليغيّرونا، فنغيّر العالم، لو لم يتمرد أحد !

وقبل ذلك، هل كان أيٌّ من الأديان السماوية لينتشر، أو نبيٌّ ليجرؤ على الخروج عن سمات مجتمعه لدعوتهم لولا أن أنار الله –سبحانه وتعالى- قلبه بشرارة التمرد الأولى، القادمة من فوق سابع سماء.

يقول السير سيسل بيتون (مصمم الأزياء المسرحية ومصوّر البورتريه) في وصف ذي علاقة: "كن جريئاً، كن مختلفاً، لا تكن عادياً، بل كن أي شيءٍ يعزز نزاهة الهدف ووضوحه أمام مخلوقات المألوف وعبيد المعتاد".

وهنا يخطر لي خاطر: يستمتع الناس بمشاهدة المسرحيات، الدراما، والسينما، وقراءة القصص والروايات وسماع الحكايات؛ لأنها –ببساطة– تخرج عن المألوف، تغيّر الأشياء التي اعتادوا عليها، ولذلك فإن الإنسان المختلف يلفت انتباه الآخرين، وقد يرفضون اختلافه أول الأمر، لكنهم يتقبلونه شيئاً فشيئاً.

يقول جان جاك روسو في مساوئ التعوّد: "خير عادة أن لا تعتاد شيئاً" ويقول كانت: "كلما زادت العادات عند الإنسان أصبح أقل حرية واستقلالية"، والتمرد يكسر العادات التي تسجن الإنسان، وهذا ما نعنيه تماماً بامتداح التمرد الإيجابي والدعوة إلى توجيهه ومنحه البيئة المناسبة لينمو بوعي.

التمرد يكسر العادات التي تسجن الإنسان، وهذا ما نعنيه بامتداح التمرد الإيجابي والدعوة إلى توجيهه ومنحه البيئة المناسبة لينمو بوعي

كيف يرعى الوالدان التمرد الإيجابي لدى ابنهما؟

لا شك أن وجود طفل متمرد هو وضع خاص، يتطلب من الوالدين رعاية فائقة، وتأمين إطار سليم لرعاية تطور شخصية الطفل، بتوجيه السلوك السلبي ليصبح إيجابياً، ودعم نقاط القوة والتركيز على إيجابيات الطفل وغيرها من أساليب التعامل السليم مع الطفل ليصبح قادراً على التميز واستغلال جدارته وطاقاته الكامنة.

- أول الأمر يفضل أن يمنح الوالدان ابنهما المتمرد مساحة آمنة للتجريب والاختبار؛ لكي يبنيا خطة التعامل لاحقاً على نتائجها وقدراته في مواجهة العقبات والمخاطر.

- ليعتمد الوالدان أسلوب الحوار ونقاش الابن فيما يفكر به ويطمح إليه، باحترام شديد لوجهة نظره وأحلامه، وبدون توجيه أية نصائح –في حينه- تشعره بأن خياراته سفيهة أو غير لائقة وأقل مما يجب.

- ينبغي أن يكون الوالدان أول من يعزز ثقة ابنهما بنفسه، وأول من يتقبله بعيوبه وأخطائه ومشاكله بدون أن يشعر بأنهما يتفضلان عليه بهذا الحب وهذا التقبل، ويدفعان الخطر عنه بدون أن يلاحظ حمايتهما له ومراقبته.

ينبغي أن يكون الوالدان أول من يعزز ثقة ابنهما بنفسه، وأول من يتقبله بعيوبه وأخطائه ومشاكله

- يفضّل التركيز على إيجابيات الابن المتمرد قبل أي شيء آخر، أو أي خطأ يرتكبه؛ فكما أسلفنا إن التمرد علامة صحة نفسية وفكرية، تعني أن الابن لا يحب أن يكون مثل الآخرين تماماً .

- الاستماع لكل ما يفكر به ويطمح إليه، وقضاء وقت طويل معه لفهم أسباب رفضه ما يعرض عليه وتمرده على ما يطلبه الوالدان أو تفرضه المرحلة الدراسية أو السمة المجتمعية العامة، فليس هنالك ما هو أهم من تربية الابن لينشغل به الوالدان عنه.

- الابتعاد عن الاتهامات والتوبيخ تماماً وتجنب نعته بصفات سلبية تقلل من قيمة تفكيره وما يريد؛ لكي لا يفقد الوالدان جسر التواصل معه.

- الهدوء التام في التعامل مع تمرده وتجنب التعنت والندّية؛ فلا شيء مقلق ومستقبل الطفل لن يضيع إن تمرّد أو اختار بنفسه لعدة مرات وأخطأ، بل ربما يكون ذلك أهم درس يتعلمه.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

لا تُعادوا أبناءكم!

قد يستغرب بعض الآباء نهياً كهذا، وقد يبدأ البعض الآخر الهجوم بأسئلة من قبيل: وهل …