خطر كسب المال وادخاره

الرئيسية » خواطر تربوية » خطر كسب المال وادخاره
160104_ca_raise

عندما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم المال بأنه "حُلْوةٌ خضِرةٌ" في حديث "إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى" [البخاري] لم يكن القصد الثناء عليه بقدر بيان خطره، وخطر الشيء في العربية يعني قدره ومكانته، وليس ما ذاع في الأذهان من "سلبية" دلالة الذم فحسب.

والمال خَضِرٌ؛ لأنه ماء الحياة وباعث النماء فيها، وحلو بما يتيح من سبل تيسير الحياة ورخاوتها، لكن تتمة الحديث وسياقه المتكامل ينبهنا للصورة الكلية للخطر، الذي يتوقف على تعاملك معه، بأخذ من حِله ووضعه في حقه، "المال ليس وسيلة متاع فحسب بل هو بوسائل تحصيله وسبل إنفاقه شاهد على نوع الحياة التي يحيا صاحبه، وله كلمة فاصلة في تقرير مصير هذه الحياة؛ فالمال الذي يدخل جيوبنا ثروة ويخرج منها نفقة ليس مجرد صفقة، بل إنه سيكون علينا شهيداً".

تأمل هذين النموذجين وعاقبتيهما:

لَمَّا احْتُضِرَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، أَبْصَرَ أَهْلَهُ يَبْكُونَ حَوْلَهُ، فَقَالَ: "جَادَ عَلَيْكُمْ هِشَامٌ بِالدُّنْيَا، وَجُدْتُمْ عَلَيْهِ بِالْبُكَاءِ، وَتَرَكَ لَكُمْ مَا جَمَعَ، وَتَرَكْتُمْ عَلَيْهِ مَا حَمَلَ، مَا أَعْظَمَ مُتَقَلَّبَ هِشَامٍ إِنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ".

ولما حضرت عمرَ بن عبد العزيز الوفاةُ، دخل عليه مَسلمة بن عبد الملك، وقال: "إنك يا أمير المؤمنين قد فَطَمت أفواه أولادك عن هذا المال، فحبذا لو أوصيت بهم إليك أو إلى من تفضله من أهل بيتك"، فلما انتهى من كلامه قال عمر: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: قد سمعتُ مقالتك يا مَسلمة، أمَا قولك قد فطمت أفواه أولادي عن هذا المال، فإني واللهِ ما منعتهم حقاً هو لهم، ولم أكن لأعطيهم شيئاً ليس لهم، وأما قولك: لو أوصيت بهم إلي أو إلى من تفضله من أهل بيتك، فإنما وصيي وولي فيهم الله الذي نزل الكتاب بالحق وهو يتولى الصالحين، واعلم يا مسلمة أن أبنائي أحدُ رجلين: إما رجل صالح متقن فسيغنيه الله من فضله ويجعل له من أمره مخرجاً، وإما رجل طالح منكبٌّ على المعاصي فلن أكون أول من يعينه بالمال على معصية الله تعالى، ثم دعا أولاده وقال لهم: "أي بني لقد تركتكم وتركت لكم خيراً كثيراً، يا بنِيَّ إن أباكم مثل بين أمرين: إما أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار، أو تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحب، قوموا يعصمكم الله، قوموا يرزقكم الله"، فلما نهضوا وتركوه، سمعوهُ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83 ]، فَإِذَا هُوَ قَدْ قُبِضَ".

ويروي الراوي بعد ذلك أن عمر بن عبد العزيز خلف أحد عشر ابناً، وبلغت تَركته سبعة عشر ديناراً كُفّن منها بخمسة دنانير واشترى موضعاً لقبره بدينارين، وأصاب كل واحد من أولاده تسعة عشر درهماً، ومات هشام بن عبد الملك وخلف أحد عشر ابناً، وأصاب كل واحد من ولده ألف ألف دينار، فرأيتُ –الكلام للراوي- رجلاً من ولد عمر بن عبد العزيز قد حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل الله، ورأيت رجلاً من ولد هشام يسأل ليُتصدق عليه!!"

الشاهد من هاتين القصتين، أننا نأخذ بأسباب القوة والكسب والعمل والتحصيل؛ لأننا نتعبد لله تعالى بالأسباب، لا لأننا نتعلق بنتائجها ونعتقد بأنها هي المسببة بذاتها، فالله تعالى هو المسبب بفضله ومشيئته، وكم من خارج لطلب رزق مُعيّن يأخذ بأسبابه ثم لا يأذن الله أن يؤتاه، ويكتب الله له غيره أو خيراً منه ، فالأخذ بالأسباب وتحصيل الوسائل هو من باب التعبد لله تعالى وامتثال أمره وهَدْي نبيّه صلى الله عليه وسلم بحسن التوكل عليه "اعقلها وتوكّل" [الترمذي]، وليس التعلق بها والتشنج لها كأن بيدها الأمر، لذلك كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّمَا أَنَا مُبَلِّغٌ وَاللَّهُ يَهْدِي، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي" [الطبراني].

نأخذ بأسباب القوة والكسب والعمل والتحصيل؛ لأننا نتعبد لله تعالى بالأسباب، لا لأننا نتعلق بنتائجها ونعتقد بأنها هي المسببة بذاتها

وليس من بأس في الادخار المشروع والكسب المشروع، ولمّا قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: "يا رسول الله، ما أسلَمتُ من أجلِ المالِ، ولَكِنِّي أسلَمتُ رغبةً في الإسلامِ، وأن أَكونَ معَ رسولِ اللَّهِ"، فقالَ صلى الله عليه وسلم: "يا عَمرٍو، نِعمَ المالِ الصَّالحِ للمرءِ الصَّالحِ" [الألباني]، لكن البأس كل البأس أن يصير الكسب غاية لا سبباً، وأن تعتقد أنك أنت "ترزق" نفسك بعملك، ويصير المال سيداً مستبداً لا خادماً مطيعاً، فتفح على نفسك أبواب شره وطمع في أذيالهما الشقاء المقيم والعقيدة المتداعية، كما في الحديث: "تعِسَ عبدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وإنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وإذَا شِيكَ فلا انْتَقَشَ" [البخاري]، يعني: إنْ أُعطِيَ مُرادَه مِنَ المالِ واللَّذَّاتِ رَضِيَ عَنِ اللهِ تعالى، وإنْ مُنِعَ كان ساخطًا غاضبًا.

والخلاصة أن العبرة بما وقر في القلب ورسخ في النفس في التعامل مع المال وغيره من أدوات هذا الوجود، فسخاوة النفس هي القناعة والاعتدال والتعفف في الطلب، وأخذ المتاع من حله ووضعه في حقه، وأما المذموم فهو إشراف النفس أي الحرص والتلهف والتكالب في الجمع، والجزع والشح والضن بالمكنوز، فذاك الذي مهما أكل لا يشبع، هذا ما قصده المصطفى صلى الله عليه وسلم: "ليس الغِنَى عن كثرةِ العَرَضِ، ولكنَّ الغِنَى غِنَى النَّفسِ" [البخاري].

إذا وقفنا عند حدود الله وحقه في التعامل مع المال والثراء وغيرهما من الأدوات، كانت حقاً حلوة خضرة، ونِعْم الوسيلة الصالحة للمرء الصالح

فإذا وقفنا عند حدود الله وحقه في التعامل مع المال والثراء وغيرهما من الأدوات، كانت حقاً حلوة خضرة، ونِعْم الوسيلة الصالحة للمرء الصالح، وهذا الانضباط لا يتأتى إلا بالفهم المتكامل والفقه الحقيقي للدين الذي ننتسب له، لا اجتزاء شذرات آيات وأحاديث منزوعة السياق ومقتصرة الإسقاط، أما إذا تخطينا حقيقتها كأدوات ومتاع المقصود بها العون على السبيل لا أن تكون هي غاية السبيل، فيبدأ التكالب على تحصيلها والشغف بأسبابها والتهالك في كنزها كأننا لها مخلّدون، فآنئذ لن يسد جوف ابن آدم إلا التراب، وحرصك على ذلك لن يزيد في المكتوب لك من الرزق شيئًا، لكنه سيحل عقيدتك من قلبك عقدة عقدة، ويفقدك مذاق الحياة الطيبة، وسكينة النفس وشرفها وعزتها .

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • كما تحدّث الرسول/ خالد محمد خالد
  • أخبار المُحْتَضَرين/ ابنُ أبي الدنيا
  • سيرة ومناقب الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز/ ابن الجوزي
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

الغيرة: فريضة غائبة وسُنَّة منسية (1-2)

إن الغيرة من الأخلاقيات الأساسية التي حرص الإسلام على غرسها في نفوس أتباعه، بل وامتدح …