عاشُوراء.. الهويّة والرّسالة

الرئيسية » حصاد الفكر » عاشُوراء.. الهويّة والرّسالة
533

من ذكرى الهجرة العظيمة إلى ذكرى نجاة سيّدنا موسى -عليه السلام- ومن اتّبعه من بطش فرعون وجنوده، أحداثٌ جِسامٌ قد غيّرت مجرى التّاريخ وقلبت الموازين في ظلّ حرب الإيمان والكُفر، فكانت لنا فخرًا وعزًّا، نقتصُّ الأثر ونقتدي، فإن انقطعت الهجرة من مكّة إلى المدينة فما انقطعت هجرة القلوب من أرضِ الرّجز وبراثن الكُفر إلى سماء الطُّهْر والإيمان. ونذكَّر دائمًا أنّ معارك العقيدة ستظلُّ قائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وإن أُهلك فرعون فكما لكلّ عصر فرعونه فلكلّ فرعونٍ أجله الموعود الذي لا رادّ له أحد. وكما حمل الشّهر بين ثناياه انتصارات نحفلُ بها فقَد حمل كذلك ألمًا نأسى له، حين شاءت أقدار الله أن تُفجَع الأمّة الإسلاميّة بالفَقْد فكان استشهاد الحُسين -رضي الله عنه- في موقعة كربلاء الشّهيرة في نفس هذا الشهر..

في يوم عاشُوراء حين تتعدّد المرايا والدّين واحدٌ؛ فتجدُ نظرتَيْن مُتطرفتَيْن تُغلّفان واقعنا العربيّ والإسلاميّ، وكأنّ لليومِ وجهين: وجهٌ مشرقٌ مريح وآخر مُغبرٌ قاتم. فوجهه المشرقُ تجده عند أهل السُنّة، يكمنُ في حالة السّكون التي تعتري الأرواح وقد تمازجت فيها المشاعر بين فرحٍ وامتنانٍ على نعم الله وآياته الكبرى التي خصّنا بها منذ القِدم، على نجاة سيّدنا موسى وقومه من فرعون وظلمه وغشمه، حين فلق لهم البحر {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}، وأغرق فرعون ومن معه، ليكون يومًا من أيّام الله الذي نتذكّره فنُحسن فيه العمل قولاً وفعلاً {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ}.

فكان صيامه احتذاءً بالأنبياء وإحياءً لذكراهم أدبًا وحمدًا وشكرًا، وتختلفُ أنماط الإحياء ومراسيمها من مجتمعٍ إلى آخر، من ابتهالاتٍ وتلاواتٍ للقرآن، وكذا تنوع في تحضير الأطباق الشعبيّة... وفيما يُروى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "قدِم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- المدينةَ فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: "مَا هَذَا؟" قالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يوم نجَّى الله بني إسرائيل من عدوِّهم، فصامه موسى. قال: "فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ"، فصامه، وأمر بصيامه.

عاشوراء هي ذكرى تخليد تُنعش الأمل في النفوس لمصارع الطغاة واندثار طبائع الاستعباد التي ألِفوها كفارًا كانوا أو مسلمين لا للعويل والنوّاح، ورمزٌ لثورة حقّ في وجه باطل لمن استُضعفوا، وظُلموا

أمّا وجههُ المُغبر فيظهر عند أهل الشّيعة، في شكل حزنٍ مُفتعلٍ ونحيبٍ على رحيل الحُسين -رضي الله عنه-. لهم فيه مناسك كزيارة ضريحه وإحياء قصّته قَصًّا أو تمثيلاً وملازمة للحسينيّات وإقامة المآتم وارتداء السّواد والعويل، فتسمعُ لهم صرخات تُصَمُّ لها الآذان، يبكون ويلطمون الخدود ويشقّون الجيوب، ومنهم من يتجاوز ذلك بصورة مبالغ فيها فيُسيل دماءه مواساةً للحسين. فلا تدري هل يبكون على مقتله حزنًا عليه وحبًّا فيه وندمًا حقًّا، أو فقط ليُثيروا حميّة العوامّ من الناس ويستعطفوهم فيكون سبيلهم في ذلك التجارة بدمائهم؟

لكن لو أنّهم أحبّوا نبيّهم حق الحبّ، وأحبّوا آل بيته حدّ المبالغة مثل زعمهم لما انخدعوا بأهواء الذين يُحرّفون الكَلِم عن مواضعه، فما كانت دعوة الحُسين -رضي الله عنه- يومًا أنْ: اُلطموا من بعدي الخدود وشُقّوا عليَّ الجيوب ولا أسيلوا دماءكم مواساةً لي ونوحوا عليَّ في السّاحات... وإنّما أوصى باتّباع هدي النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-والذي من قوله: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ". ثمّ زاد فأوجزَ: "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي". ولمَا خاضوا في أقدار آل البيت والصحابة والتّابعين الذين حضروا تلك الفتن العظيمة، دون علمٍ بالمواقف والظروف التي أحاطت بهم.

حوالي أربعة عشر قرنًا قد خلت على تلك الفاجعة، وبدل من أن تكون عاشوراء لهم رسالةً يستقرئوا تاريخها بأحداثه وتفاصيله، بعثراته وزلاّته، بندوبه ودمائه وأرواحه فيما يفيدهم، ويسارعوا لرأب الصّدع الطائفيّ الذي بدى مهده حين افترقت الأمّة بعد استشهاد عثمان -رضي الله عنه- زادوا حدّته إلى أن تطوّر وصار عبارة عن معسكرين إسلاميين يتقاتلان واكتفوا بالصّراخ والعويل. كان عليهم أن يتذكّروا منها أنّ لكلّ أمّة أعداء ومغرّرين يضعون الإنسان في الواجهة لخوض غمارٍ دون أن يحسب لعاقبتها حسبة كما فعل الذين أغروا الحُسين بالخروج على يزيد بن معاوية حين جار في الحكم فظلمَ النّاس وذلَّهم، الذين كتبوا إليه يقولون: "بسم الله الرحمن الرحيم. لحسين بن علي من شيعته من المؤمنين والمسلمين.. أما بعد: فحيهلا، فإنّ الناس ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك، فالعجل العجل، والسلام عليك" (كتاب تاريخ الطبري)، وأوهموه بأنّ الأمر ميسورٌ ثمّ تخلوا عنه وانفضّوا من حوله ليلقى مصرعه وتذهب معه الكثير من الأرواح الزكيّة، دماء سلَّم الله أيدينا منها لو أنّهم فقط يسلمون منها ألسنتهم أيضًا.

ولو أنهم تعلّموا منها أيضًا أنّ الأخذ بالنّصح واجبٌ وإن حسن القصد وصلحت النيّة فلعلّ في رأي الغير صلاحٌ نحن نجهله وتسديدًا توفيقًا، مثلما كان نصح محمد ابن الحنفية لأخيه الحسين: "يا أخي أنت أحب الناس إليَّ، وأعزهم عليَّ، ولست أدّخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك... تنحَّ بتبعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك، فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك، إني أخاف أن تدخل مصرًا من هذه الأمصار، وتأتي جماعة من الناس فيختلفون بينهم، فمنهم طائفة معك وأخرى عليك فيقتتلون، فتكون لأول الأسنة، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسًا وأبًا وأمًّا أضيعها دمًا وأذلها أهلاً". (من كتاب تاريخ الطبري)

عاشوراء هي ذكرى تخليد تُنعش الأمل في النفوس لمصارع الطغاة واندثار طبائع الاستعباد التي ألِفوها كفارًا كانوا أو مسلمين لا للعويل والنوّاح، ورمزٌ لثورة حقّ في وجه باطل لمن استُضعفوا، وظُلموا، فيوقنوا أن الله منجزٌ وعده، يبلّغهم التمكين لهم في الأرض، ويرفع الظلم عنهم فيعلموا أنّه ما كان في يوم إلا زبد قد ذهب جفاءً، فلا يتركهم لقمة سائغة للمستكبرين، فيتوارى استبدادهم وجورهم تحت التّراب {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • مدونات الجزيرة
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

في معنى الأُسوةِ الحسنة.. هل يكفِي أن نمدح محمّدا؟

"لَقدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذكَرَ …