في معنى الرقي والوصول إليه

الرئيسية » بصائر تربوية » في معنى الرقي والوصول إليه
في معنى الرقي والوصول إليه
في رحلة العالم إلى الحضارة سقطت الكثير من الأخلاق، ولكن بعضها عاد إلى المشهد الحضاري مرة أخرى بمسميات أخرى مختلفة  غالباً إلا أن مضمونها هو المفهوم إياه المصاحب لفطرة النفس الإنسانية منذ بدء الخليقة.

لعل أهم هذه المفاهيم –من وجهة نظري على الأقل– هو مفهوم الرقيّ الذي بات منتشراً على جميع الألسنة، وفي الكثير من المقولات التي يتداولها رواد مواقع التواصل الاجتماعي، والتي يصنعها بعضهم بأقلامهم، ويقتبسها آخرون من كتب ومصادر مختلفة.

والرقيّ في اللغة –حسب معجم لسان العرب– هو الصعود والارتفاع، وبلوغ الغاية، وفي تحدي قريش للنبي صلى الله عليه وسلم وإنكارهم رسالته، يقول تعالى: {أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ} [الإسراء: 93]، وفي حديث استراق السمع: "وَلَكِنَّهُمْ يَرْقُونَ فِيهِ".

الرقي هو الصعود والارتفاع، وبلوغ الغاية، ويقاس بالأخلاق والفكر والسلوك

وفي عالمنا البشريّ المكتظّ بالمصالح المادية، والشهوات، والهمجية، ما لم تحكمه ضوابط متينة (على رأسها ضوابط الشرع) فإن الرقيّ –الذي ارتبط بالصعود إلى السماء– هو وصف لا يجب أن يطلق اعتباطاً وحسب المزاج، بل يقاس بالأخلاق والفكر والسلوك ، وهو –من ناحية أخرى– ليس ضعفاً؛ لأنه يشملُ الترفّع عن التسبب بالأذى أو ردّه بالمثل، والسموّ بالروح والنفس، والثراء الأخلاقي في التعاملات، وفي المقال التالي سنتحدث عن أساسيات الرقي وصفات الإنسان الراقي.

وقفة لازمة قبل البدء

تذكر وأنت تقرأ السطور القادمة أن تقيس كل ما فيها على نفسك، لا على المحيطين بك، وأن تطبّق كل خصائص الرقي على فكرك أولاً، أخلاقك ثانياً؛ لكي تنعكس على سلوكك شيئاً فشيئاً.

وسأخبرك بحقيقة: إذا حاولت –ولو بمجرد فكرة خاطرة لعقلك – أن تطبق على الآخرين ونسيت نفسك، فقد خرجت عن الطريق قبل أن تبدأها.

الرقي الذي نريد

الرقيّ الذي نريده هو مجموعة صفات وأخلاق وأفكار وسلوكيات، وهو كل ما يصدر مني كإنسان: لفظياً أو سلوكياً أو فكرياً.

ولا يمكن أن نقول إن الرقي هو الأخلاق؛ لأن الأخلاق أشبه ببوتقة تشمل كل مبادئ الشخص ومعتقداته وقناعاته، فهي أقل من الرقي شمولاً؛ لأنها لا تنعكس بالضرورة على تفكير الإنسان وسلوكه.

كما لا يمكن أن نقول إن الرقي هو السلوك؛ لأن السلوك هو ما نفعله ويظهر للآخرين، فهو –الآخر– أقل شمولاً من الرقي؛ لأنه لا يطابق الأخلاق بالضرورة، ولا يشترط أن يترجم الفكر.

وكذلك لا يمكن أن نقول إن الرقي هو فكر الإنسان؛ لأن الفكر والأفكار متغيّر يتبع الجنس والعمر والبيئة والمستوى العلمي والثقافي والديني والاجتماعي، وهو أقل شمولاً أيضاً من الرقيّ؛ لأن الرقي ثابت مهما اختلفت الظروف والمشارب.
فيمكننا القول إن الرقي سمة تجمع ذلك كله (الصفات، الأخلاق، الأفكار) وميزة الرقي أن لا أحد يقيسه بدقة كصاحب الشأن؛ لأنه جوهري ومضيء خارجياً في آن، وهو باطنيٌّ وظاهري في آن أيضاً، ولأن الصفات التي تدل عليه أصيلة عميقة وسريّة، وليست مصطنعة لأجل الرياء أو المصلحة أو المجاملة وحسب.

لا يمكن أن يقيس الرقي أحد كصاحب الشأن؛ لأنه باطنيّ وظاهري في آن، صفاته أصيلة، ليست مصطنعة لأجل الرياء أو المصلحة أو المجاملة

خصائص الرقي وصفاته

1. يرتبط الرقي بالأذهان إيجاباً؛ فهو لفظ يطلق للمديح، ويمنح انطباعاً بالثقة والارتياح والسمو.

2. الرقي سمة مركبة من عدة عناصر أو مكونات –كما أسلفنا– تشمل الأخلاق والسلوك والأفكار.

3. لا يمكن الحكم على الشخص الراقي ظاهرياً؛ لأن الرقي يشمل: العلاقات، التعاملات، الالتزام بالدين والأدبيات والقوانين، والكثير من المكونات النفسية الداخلية والخارجية .

وفيما يلي عدة مفاتيح/ أو معايير سلوكية وأخلاقية وفكرية (قدمها أحد متخصصي التنمية البشرية) لقياس الرقي –رقيّك أنت وليس رقي الآخرين– لنحاول الوصول إليها قدر الإمكان:

1. تجنّبُ إطلاق الأحكام الجزافية على الآخرين؛ فهذا تفكير نبيل، وهو ليس من حق أي إنسان، القاضي –مثالاً– لا يحكم على تهمة أو جناية قبل التحقيقات.

2. الاعتدال والتوسط عموماً: في المزاج، الكلام، السلوك والانفعال، فلا البرود جيد ولا الحدة كذلك، لا الصعود المتطرف ولا السفول المجحف، لا المبالغة ولا الجمود.

3. منافسة الذات، وتجنب مقارنتها بالآخرين؛ لأن هذا التصرف يرفع منها باستمرار.

4. الاستماع للآخرين واحترام أحاديثهم، وتجنّب مقاطعتهم إلا لضرورة وبعد استئذان، وعدم تكرار ذلك كثيراً.

5. الاستفادة من التجارب: العملية والعاطفية والإنسانية... وغيرها، فالراقي شخص يسامح لكنه لا ينسى؛ لكي يتعلم، لا ليحقد، فهو ليس ساذجاً ولا رخيصاً، بل نبيل وخلوق .

6. مراعاة دلالات الذوق في الحديث ولغتي الجسد واللسان، مثل: مناداة الآخرين بأحب الأسماء إليهم، الاعتراف بأفضالهم ونسبة أفكارهم إليهم، الاعتذار عند الضرورة، الشكر والامتنان على الخدمات، الاستئذان الذي يحترم حرمات الآخرين وخصوصيتهم.

من سلوكيات الرقي: مناداة الآخرين بأحب الأسماء إليهم، الاعتذار عند الضرورة، الامتنان على الخدمات، الاستئذان احتراماً لحرمات الآخرين

كيف تحقق الرقيّ؟

1. اقرأ في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وعش معها بقلبك وكيانك كله، واقترب من عالمه –كأنك جزء منه– سوف تتغير أخلاقك وتصرفاتك كلياً.

2. التزم جانب الذين تعجبك أخلاقهم وسلوكياتهم وتجذبك أفكارهم للعلو بنفسك، تعلّم منهم عن قرب ولاحظ كيف يتعاملون مع الأشياء ويعيشون حيواتهم.

3. فتش في سير أناسٍ تركوا أثراً يدلّ على الرقي، وتعمّق فيها أكثر، واقرأ عن ظروفهم وتغلبهم عليها .

4. أرغم نفسك على التزام العادات الإيجابية والأخلاق العالية ودرّبها على التغيّر إلى الأفضل.

5. صاحب من يعينك على السمو بنفسك وأخلاقك والرقي بفكرك ومشاعرك ويذكرك إذا فقدت أعصابك ويهدئك في انفعالاتك ، تدربا معاً على المهارات الحياتية التي تأخذكما إلى الرقي؛ فالصحبة تعين على الاستمرار والنجاح.

6. اعتمد الهدوء في تفكيرك وتصرفاتك، فكر وحلل وانتقد تصرفاتك بنفسك وسيطر على أعصابك بالوضوء والاستغفار والذكر، وانشر المفاهيم الطيبة قد استطاعتك وستنعكس عليك إيجاباً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

لا تُعادوا أبناءكم!

قد يستغرب بعض الآباء نهياً كهذا، وقد يبدأ البعض الآخر الهجوم بأسئلة من قبيل: وهل …