ما هكذا تُبنى يا “سعد” الدُّوَل!

الرئيسية » خواطر تربوية » ما هكذا تُبنى يا “سعد” الدُّوَل!
military_rule2-1068x481

جاء في أمثال العرب: "ما هكذا تُوْرد يا سعد الإبل" وهو مثل في الأصل قيل لرجل اسمه سعد كان قد أورد الإبل على الماء على وجه غير مناسب فقيل له ما هكذا تورد يا سعد الإبل، ثم صار مثلاً يُضرب لكل من حصل منه عمل تنقصه الحكمة ولا يتفق مع عقل ولا منطق.

قصة المثل

يُحكى أنه كان لسعد بن مناة أخاً يدعى مالك، وكان مالك هذا خبيراً في رعي الإبل، وقد اشتهر بأنه أفضل من رعى إبلاً والأكثر رفقاً بها، فانشغل مالك هذا بزواجه، فأوكل إلى أخيه سعد أمر رعاية إبله.

لكن سعد لم يعرف كيف يوردها إلى الماء، ولم يُحْسِن رعايتها ولا الرفق بها فقد كان سعد مُشتملاً شملته (أي أنه كان يلبس شملة ليس تحتها سروال) فكان إذا نزل البئر انكشفت عورته حتى صار مضرب سخرية لكل من رآه بحالته هذه.

وعندما رآه أخوه مالك هكذا قال فيه بيتاً من الشعر أصبح مثلاً يُضرب به حتى يومنا هذا.

أوردها سعد وسعد مُشتمل ما هكذا يا سعد تُوْرد الإبل

واقع يحتاج إلى "مالك" ولا يحتاج إلى "سعد"

إن تدبير الأمور وحسن إدارتها والتخطيط الجيد لها ليس بالأمر الهين، ولا تقوى عليه إلا القلة القليلة من الناس، لذلك جاء في الحديث الشريف الذي رواه عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أن النبي ﷺ قال: "إنَّما النَّاسُ كإبلٍ مئةٍ لا يجِدُ الرَّجُلُ فيها راحلةً" [صحيح ابن حبان].

إذا كان هذا على المستوى الفردي فإن قيادة الشعوب، وحسن إدارة مواردها، وتوظيف طاقات أفرادها التوظيف الأمثل، وتوفير الحياة الكريمة لمواطنيها، والتخطيط المستقبلي لشبابها، أمر يتطلب قيادة حكيمة راشدة تقدم المصلحة العليا للوطن على أية منافع شخصية أو حزبية، ودون إقصاء لفكر، ولا مصادرة لرأي.

قيادة الشعوب، وحسن إدارة مواردها، وتوظيف طاقات أفرادها التوظيف الأمثل، وتوفير الحياة الكريمة لمواطنيها، والتخطيط المستقبلي لشبابها، أمر يتطلب قيادة حكيمة راشدة تقدم المصلحة العليا للوطن على أية منافع شخصية أو حزبية، ودون إقصاء لفكر، ولا مصادرة لرأي

أما القيادة الديكتاتورية الاستبدادية المتسلطة فهي تستخدم كل الوسائل والأساليب - بل والأسلحة المشروعة وغير المشروعة - للوصول إلى مطامع شخصية وأجندات خاصة دون مراعاة مصلحة الوطن ولا حاجة المواطن .

إن معظم شعوبنا العربية قد ابتليت بالنوع الثاني من القيادات التي تتصف بالسطحية وضآلة الفكر والتخبط والعشوائية، وضيق الأفق، ومن مظاهر ذلك:

1. اعتماد أسلوب الإدارة بالأزمات، فما يكاد المواطن يخرج من أزمة طاحنة إلا وتلاحقه أخرى، وفي الغالب تكون هذه الأزمات مفتعلة إما لإلهاء الشعوب أو لخلق زعامات؛ تتدخل للحد منها أو لحلها.

2. اتباع أسلوب التدرج في التضييق على المواطنين حتى يألفوا حياة الكد والتعب، وكلما مضت مرحلة ترحموا عليها وكأنهم لا يستحقون الحياة الكريمة، أو كأنهم ما خلقوا إلا للجهد والنصب والتعب والشقاء.

3. الاستخفاف بالشعوب وإشعارهم بعدم النضج وعدم القدرة على تقدير الأمور ولا تحمل المسؤولية، وبالتالي فهم ليسوا أهلاً للتعامل معهم بوضوح وشفافية.

4. فرض سياسة الاستسلام للأمر الواقع على الشعب، وتصدير أزمات الشعوب الأخرى وتهويلها لإرهاب الجماهير وتخويفهم من الوصول لنفس المصير.

5. إشاعة أن الدولة قليلة الموارد ومحدودة الإمكانات، وأن المشكلات التي تمر بها الدولة سببها المواطن -وليس المسؤول- وبالتالي فإنه ليس من حق الشعب أن يثور أو يتمرد.

6. التخلص من المناوئين لسياسة القمع والفساد، والضرب على يد المطالبين بالإصلاح الحقيقي، وتقريب الفاسدين بل وتقليدهم مناصب مفصلية يعيثون فيها فساداً.

7. التعلل بالمؤامرات الداخلية والخارجية وأنها السبب في المشكلات والأزمات وعدم الاستقرار.

8. تعمد تغييب وعي القاعدة العريضة من المواطنين، وتجهيلهم، واستخدامهم كحائط صد ضد أية محاولة من الشعب للثورة أو مجرد التمرد على الوضع القائم.

9. السفه في الإنفاق على أمور تحقق مآرب الحاكم وتضمن له البقاء على رأس السلطة أطول فترة ممكنة، بغض النظر عن الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

10. اتباع سياسة أن "الخير قادم - غداً أفضل"، وإشاعة أن الدولة تسير في الاتجاه الصحيح، وأن ما تم تحقيقه من إنجازات يحتاج لمزيد من الصبر حتى نجني ثماره وبذلك تعيش الشعوب على هذا الوهم الذي لا يتحقق، والسراب الذي لا ينتهي.

• تلك عشرة كاملة، بها تكون الشعوب مطية مُستأنسة لكل راكب، وبها تضيع مقدراتها وتهدر كرامتها.

أمثلة ونماذج عملية اتخذتها بعض الدول من أجل التنمية

إننا لن نضرب أمثلة ولا نماذج من عهد الخلفاء الراشدين، ولا ما تبعهم من عصور، بل سنضرب أمثلة من عالمنا المعاصر ولأناس ما زالوا بيننا على قيد الحياة.

النموذج الأول/
فور فوز الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيز أوبرادور -المعروف أيضا "بالحروف الأولى من اسمه" باسم AMLO– في انتخابات الرئاسة شن حرباً قويةً ضد الفساد، ونفذ العديد من الوعود التي قطعها على نفسه قبيل انتخابه، بما في ذلك بيعه للطائرة الرئاسية المكسيكية، وأوفى بوعده بعدم الإقامة في القصر الرئاسي، وبدلاً من ذلك فتحه للجمهور كمركز ثقافي، ليس ذلك فحسب، بل تعهد لوبيز أنه سيحصل على 40 بالمائة من راتبه الرئاسي فقط.

النموذج الثاني/
تخلى عمران خان (زَعيمُ باكِستان) عن القُصورِ وجَيش الخَدَمْ، وانَتقِل إلى مَنزِل من ثَلاثِ غُرَفٍ، كما باع أُسطول السيّارات الرئاسيّة وانحاز إلى الفُقَراء.

النموذج الثالث/
جويس باندا (سيدة مالاوي الحديدية - كما يلقبونها) باعت الطائرة الرئاسية وأسطول السيارات الحكومية الفارهة الستين فور وصولها للرئاسة، واعتمدت المواصلات العامة، تحت شعار: "أنا معتادة على إيقاف السيارات"
ولم تكتف بذلك، فحضت في خطوةٍ استفزازيةٍ القادة الإفريقيين الآخرين على فعل ما فعلت.

النموذج الرابع/
رئيس نيجيريا (محمدو بوهاري) فور توليه الرئاسة أعلن -في صحف مختلفة- عن بيع طائرة رئاسية طراز فالكون7 إكس، وطائرة طراز هوكر 4000، من أسطول الطائرات الرئاسية، المؤلف من عشر طائرات؛ وذلك لخفض التكاليف خلال فترة الركود الاقتصادي الشديد في نيجيريا.

النموذج الخامس/
كاليندا جاربار (رئيسة كرواتيا) باعت الطائرة الرئاسية الخاصة! و(35) سيارة من نوع (مرسيدس) كانت مخصصة لتنقلات الوزراء! ثم أودعت عوائدها لخزينة الدولة!
وخفضت راتبها الى (30%) فقط ليتساوى مع متوسط مرتبات عامة الشعب!
وألغت علاوات وحوافز الوزراء والسلك الدبلوماسي!
كما قلصت سفارات وقنصليات وممثلي بلادها في الخارج؛ للحد من الإسراف وتوفير العملة الصعبة!
وبهذه الإجراءات وغيرها، جعلت كاليندا جاربار من بلادها - التي خرجت منذ سنوات قليلة من حرب أهلية - واحدة من الدول المستقرة والمتقدمة اقتصادياً!

وختاماً

إن مناظرة ما تفعله النظم في عالمنا العربي بما ذكر من نماذج في الدول الأخرى يدق جرس -بل أجراس- الإنذار بأن عالمنا العربي يسير في منحدر عميق من التخبط والعشوائية والفوضى، وأنه إن لم يكن هناك وعي شعبي عاجل وحاسم لن تقوم لشعوبنا العربية قائمة لعقود قادمة.

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

إني معكم!

مما يقتضيه إيمان المؤمن -بالله المالك- الربط على قلوب الواجفين من تقلبات الحياة، الذين يعيشون …