ميزان القدر والأولوية لترشيد اختيارات الحياة

الرئيسية » خواطر تربوية » ميزان القدر والأولوية لترشيد اختيارات الحياة
thinking-ways

- "كيف أجعل من هذه الأداة أو هذا الرزق –نعمة كانت أم ابتلاء– وسيلة تقربني من رضا ربي؟"

- "كيف أبتغي فيما آتاني الله من صحة وعلم ووقت فراغ وأسرة وأجهزة ومال ومتاع...؟"

- "كيف أبتغي في كل منها الدار الآخرة؟ كيف أستعين بها على العبور وأجعل منها لي رصيداً خالداً؟"

إن مراجعة نفسك دورياً بمثل هذه التساؤلات ضروري لترتيب أولوياتك الحياتية ووضع الأمور في حجمها الحقيقي، وعدم تضخيم الصغير وتصغير الكبير، فتطوِّع خياراتك أو تلغيها أو تستزيد منها بحسب ما تمكنك من إتقان الإجابة فيها قدر الإمكان: "مَنْ جَعَلَ الْهَمَّ هَمًّا وَاحِدًا، هم آخرته، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْهُ الْهُمُومُ لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَةِ الدُّنْيَا هَلَكَ" [صحيح الجامع]

كونك – مثلاً - طالباً أو موظفاً أو والداً، لا ينفي ولا يلغي كونك عبدا لله في المقام الأول، بل إنه يوجه تعاملك وفهمك لهذه الأدوار؛ فإذا كنت طالباً تسهر للدراسة، ينبغي بناء على الاعتبارات السابقة ألا تجور الدراسة بحال على الحد الأدنى من الفروض والأوراد الأساسية في أوقاتها، وبحسن تنظيم الوقت وتركيز الجهد كما سيمرّ معنا في الفصول المقبلة -بإذن الله- لا ينبغي أن تفوتك زهرة الشباب عامة بغير رصيد كبير من النوافل والقيام والأذكار وتعاهد القرآن وعبادات الخلوة والسر، وكذلك التنبه إلى الاستزادة والتوسع العلمي وعدم التوقف عند حدود الدراسة، فإن لكل مرحلة في العمر شغلها ، وهذه الفترة هي مرحلة ذهبية؛ لأن الانشغالات محدودة والأعباء مرفوعة.

فأنت إنما تودع رصيداً لدى ربك من صحتك لوقت مرضك، ومن فراغك لوقت شغلك، ومن غناك لوقت فقرك ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: "أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمَنكبي فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، فكان ابن عمر يقول في شرحه لهذا الحديث: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك" [البخاري].

وإذا كنت تسرف في العمل فوق المطلوب؛ لتحصيل مرتّب أعلى أو تنمية سيرتك المهنية، لربما تراجع نفسك في أولوية صرف تلك الأوقات مع أولادك وأسرتك، أو الالتفات لتزكية نفسك وتهذيبها، وتعهد كتاب الله تعالى بالتلاوة والتدبر والحفظ والتفسير، عسى أن يكون لك نوراً في قبرك وشفيعاً عند ربك.

محل القدر والأولوية هو في القلب بالدرجة الأولى؛ فتعاملك القلبي مع الرزق منعاً وعطاءً، هو الفيصل في بيان ما إذا كنت تستعمله وسيلة أم تتخذه غاية

ومحل القدر والأولوية هو في القلب بالدرجة الأولى؛ فتعاملك القلبي مع الرزق منعاً وعطاءً، هو الفيصل في بيان ما إذا كنت تستعمله وسيلة أم تتخذه غاية، لذلك فالخطوة الأولى -لاتخاذ قرارات رشيدة في حياتك- هي أن تعيد النظر في مفاهيمك وتصوراتك عن نفسك ومفردات حياتك، وأن تعيد ترتيب أولوياتك وتعطي لكل أمر حجمه وقدره الطبيعي حسب كونه وسيلة عون وأمانة مسؤولية واختبار تمحيص، فأن تكون الدنيا بوسائلها في يدك لا في قلبك، هو التقدير الحقيقي لها بغير تفريط ولا إفراط ، تحديد هذا في البداية هو تحديد للرؤية الكلية لمسارك أو إطار حركتك في الحياة، مما يعينك بالتالي على قرار متى تتنازل وتكون مرناً، ومتى تثبت ولو ضاعت "فرصة"، فمثلا لن تتكالب على "طحن" نفسك في وظيفة بساعات عمل إضافية لأجل الترقية التي يتنافس عليها الكل، إذا كانت الوظيفة بالنسبة لك مجرد مصدر كسب يكفيك لتتفرغ لعمل أهم بالنسبة لك، كالكتابة والتأليف أو التطوع أو التربية أو غيرها.

إذن مفهومك للفرص الحياتية، وميزانك للتنقل بينها يختلف تماماً بتحديد الأقدار وترتيب الأولويات، وبغير التوقف عندهما تتحول الحياة للعبة "بنك الحظ"، بتجميع المال للمال وتكديس المقتنيات لمجرد التكديس والتنافس للفوز من أجل الفوز وفقط ، فتنقلب الوسائل لغايات وتصير هي الأولويات، وتتلاشى معالم الغاية الكبرى في غفلة منك.

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومحاضِرة في الأدب والفكر وعُمران الذات. محرّرة لغوية ومترجِمة. مصممة مناهج تعليمية، ومقدّمة دورات تربوية، وورش تدريب للمهارات اللغوية. حاصلة على ليسانس ألسن بامتياز، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

شاهد أيضاً

إني معكم!

مما يقتضيه إيمان المؤمن -بالله المالك- الربط على قلوب الواجفين من تقلبات الحياة، الذين يعيشون …