“ولا يزالون مختلفين” هل يقصد بها المسلمون؟

الرئيسية » بصائر الفكر » “ولا يزالون مختلفين” هل يقصد بها المسلمون؟
quran

من أسوأ صور الاستدلال أن يستشهد المرء بالآية من القرآن؛ ليثبط الساعين إلى وحدة الأمة وتوحيد جهودها على البر والتقوى، كأن يقال لك: "لا تتعب نفسك مع هؤلاء الإسلاميين، ولا تضيّع جهدك في دعوتهم إلى المودة والالتقاء؛ فالله تعالى يقول: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْۗ} [هود: 118، 119]؛ فهذه سنة الله في خلقه، وما خلقهم ربك إلا ليختلفوا".

فهل المقصود بالـ"مختلفين" هنا المسلمون؟ ومن هم الذين "رحم ربك"؟ وهل خلق الله المسلمين كي يختلفوا بالفعل؟

بيّن الإمام الطبري -رحمه الله- في "جامع البيان" أن لأهل التأويل في تفسير معنى "الاختلاف" الوارد في الآية ثلاثة أقوال، لم يذكر لها رابعاً:

القول الأول/ الاختلاف في الأديان: قال رحمه الله: "فتأويل ذلك على مذهب هؤلاء، ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتى، من بين يهودي ونصراني ومجوسي ونحو ذلك، وقال قائلو هذه المقالة: استثنى الله من ذلك مَن رحمهم، وهم أهل الإيمان".

وذكر ممن قال بهذا القول: عطاء والحسن البصري وعكرمة والأعمش، ونسبه لابن عباس ومجاهد وقتادة.

القول الثاني/ الاختلاف في الرزق بين غني وفقير: ونقل الطبري هذا القول عن الحسن البصري.

القول الثالث: الاختلاف في المغفرة والرحمة: ولم ينسب هذا القول لأحد بعينه.

ثم قال رحمه الله: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب هو قولُ من قال: معنى ذلك: "ولا يزال الناس مختلفين في أديانهم وأهوائهم على أديان وملل وأهواء شتى، إلا من رحم ربك فآمن بالله وصدّق رسله، فإنهم لا يختلفون في توحيد الله، وتصديق رسله، وما جاءهم من عند الله.

وإنما قلت ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك؛ لأن الله -جل ثناؤه- أتبع ذلك قولَه: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 119]، ففي ذلك دليلٌ واضح على أن الذي قبله من ذِكْر خبره عن اختلاف الناس إنما هو خبرٌ عن اختلافٍ مذموم يوجب لهم النار، ولو كان خبراً عن اختلافهم في الرزق لم يعقّب ذلك بالخبر عن عقابهم وعذابهم".

قلت: ولا بد في هذا المقام من تجلية معنى الاختلاف في اللغة، يقول ابن فارس في "مقاييسه": "(خَلَفَ) الخاء واللام والفاء أصول ثلاثة: أحدهما أن يجيء شيءٌ بعد شيءٍ يقوم مقامه، والثاني خُلاف قُدَّام، والثالث التغيُّر".

إلى أن قال: "وأما قولهم: اختلف الناس في كذا، والناس خِلفة أي مختلفون، فمن الباب الأول؛ لأن كل واحد منهم ينحّي قول صاحبه، ويقيم نفسه مقام الذي نحّاه".

فأهل الأديان والملل والأهواء ينحّون الإسلام ويرفضونه، ويقيمون مقامه أديانهم الباطلة، وأفكارهم الإلحادية المنحرفة، ومع أنهم متفقون على تنحية الإسلام، إلا أنهم ليسوا أمة واحدة، وإنما هم مختلفون على ملل شتى، كل ملة ترمي الأخرى بالكفر والمروق والزندقة.

ولست أدري كيف يسوغ لمسلم أن يضرب وحدة الأمة المسلمة بفهمه السقيم لهذه الآية، متشدقاً بقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118]، ولعمري ألم يتذكر وهو يردد جملة "أمة واحدة" قوله تعالى: {وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 52]، وقوله سبحانه: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92] أي واحدة في ملتها ودينها.

كيف يسوغ لمسلم أن يضرب وحدة الأمة المسلمة بفهمه السقيم لهذه الآية، متشدقاً بقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118]، ولعمري ألم يتذكر وهو يردد جملة "أمة واحدة" قوله تعالى: {وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}

ومن تمام الفائدة أن نشير إلى معنى قوله تعالى: "ولذلك خلقهم"، فقد ذكر الإمام الطبري أن لأهل التأويل قولان في تفسيره: الأول/ للاختلاف خلقهم، والثاني/ للرحمة خلقهم، وساق كعادته تحت كل قول من يؤيده، ثم قال:

"وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال: وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم؛ لأن الله -جل ذكره- ذكَرَ صنفين من خلقه: أحدهما أهل اختلاف وباطل، والآخر أهل حق، ثم عقَّب ذلك بقوله: {وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ}، فعمّ بقوله: {وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ} صفة الصنفين، فأخبر عن كل فريق منهما بأنه ميَسَّر لما خلق له.

فإن قال قائل: فإن كان تأويل ذلك كما ذكرت، فقد ينبغي أن يكون المختلفون غير ملومين على اختلافهم، إذ كان لذلك خلقهم ربُّهم، وأن يكون المتمتِّعون هم الملومين؟

قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معنى الكلام: ولا يزال الناس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم {إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} فهداه للحقّ ولعلمه، وعلى علمه النافذ فيهم -قبل أن يخلقهم- أنه يكون فيهم المؤمن والكافر، والشقي والسعيد خلقهم، فمعنى اللام في قوله: {وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ} بمعنى "على" كقولك للرجل: أكرمتك على برّك بي، وأكرمتك لبرّك بي.

وأما قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}، فلعلمه السابق فيهم أنهم يستوجبون صليها بكفرهم بالله، وخلافهم أمره".

ويلخص الإمام الزمخشري -رحمه الله- ذلك كله بقوله:

"{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} يعني: لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل أمّة واحدة، أي ملة واحدة وهي ملة الإسلام، كقوله {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} وهذا الكلام يتضمن نفي الاضطرار، وأنه لم يضطرهم إلى الاتفاق على دين الحق، ولكنه مكنهم من الاختيار -الذي هو أساس التكليف- فاختار بعضهم الحق وبعضهم الباطل، فاختلفوا، فلذلك قال {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} إلا أناساً هداهم الله ولطف بهم، فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه {وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ} ذلك إشارة إلى ما دل عليه الكلام الأوّل وتضمنه، يعني: ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان عنه الاختلاف خلقهم، ليثيب مختار الحق بحُسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} وهي قوله للملائكة {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}؛ لعلمه بكثرة من سيختارون الباطل".

ومع كل ما سبق، فإن الاستشهاد بإرادة الله الكونية لتعطيل الشرائع من أبطل ما يمكن أن يخرج من رأس بشر ؛ فسواءٌ كان المقصود بالاختلاف المذكور في الآية: الاختلاف بين الناس في الملل والأديان، أو الاختلاف بين المسلمين أنفسهم فرقاً وجماعات، فإن هذا لا يعني أن ندَع المختلفين على ما هم عليه؛ بحجة أن إرادة الله -تعالى- اقتضت ذلك؛ فهذا من أفسد ما يمكن أن يخطر على بال، أو ينتجه عقل.

سواءٌ كان المقصود بالاختلاف المذكور في الآية: الاختلاف بين الناس في الملل والأديان، أو الاختلاف بين المسلمين أنفسهم فرقاً وجماعات، فإن هذا لا يعني أن ندَع المختلفين على ما هم عليه؛ بحجة أن إرادة الله -تعالى- اقتضت ذلك

وقد يقول قائل: ألا ينطبق الاختلاف الوارد في هذه الآية على المسلمين اليوم؟ أليسوا مختلفين إلا من رحم ربك؟

فأقول رداً على السؤال الأول: لا؛ فالاختلاف الوارد في الآية لا ينطبق عليهم، إلا من جهة مخالفتهم لأهل الأديان والملل الأخرى؛ فهم أمة واحدة -والحمد لله- دينها واحد، ولا خلاف بينها على قطعيات الشريعة، وأما ما دون ذلك فمسائل إما يسوغ فيها الخلاف، وإما تقع في بعضها زلة لعالم، يعرفها كل مسلم عاقل، وتغفرها له مصاوِبه الكثيرة.

ودعك من اللعب في كتاب الله، وتحريف معاني الآيات؛ لتوافق قولك وهواك، واستمسك بسياق النص، تسلَمْ من مثل هذا التحريف.

أما أن المسلمين مختلفون اليوم فيما بينهم، فهذا الاختلاف غير الاختلاف المذكور في الآية كما بينّا آنفاً، وفرقٌ بين الاختلاف في الرأي، وبين ما ينتج عن هذا الاختلاف من تعصب وتباغض، وربما تنازع واقتتال .

فالأول/ لا حرج فيه البتة؛ إذ إنه خارجٌ عن إرادة الإنسان؛ لتفاوت الأفهام والمدارك، ولاحتمالية النص الظني، والواقع المراد إسقاط النص عليه.

والثاني/ لا بد من دفعه ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً؛ تطبيقاً للنصوص الشرعية الآمرة بالاعتصام والتعاون والألفة وعدم التنازع.

وأما الدعوة إلى التسليم بالنتائج السلبية للخلاف، والقعود عن مدافعتها بحجة أنها واقعة -لا محالة- أو أن إرادة الله الكونية اقتضت وقوعها، فغايةٌ في الجهل والحمق والغفلة، وربما تؤول بصاحبها إلى ما هو أسوا من ذلك.

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وصحفي في جريدة "السبيل" الأردنية، باحث في شؤون الحركات الإسلامية.

شاهد أيضاً

قضية “التداول الحضاري” في الإسلام.. بين توجيه القرآن وعجز أصحابه المعاصرين

منذ نحو قرنَيْن من الزمان، دخلت الأمة المسلمة مرحلة من الركود الحضاري، تلتها حالة من …