التطلع للصدارة وطلب الرئاسة .. مظاهر وعلاج

الرئيسية » بصائر تربوية » التطلع للصدارة وطلب الرئاسة .. مظاهر وعلاج
speaker-17

إن طلب الرئاسة هو آخر ما يخرج من قلوب الصالحين كما قال أهل العلم، والتطلع للصدارة ليس مذمومًا في ذاته إذا كان الأمر متعلقًا بطلب المعالي، والريادة في الصالحات، وإنما المذموم منه ما اقترن بالتنافس على مناصب الدنيا والتكالب عليها طمعًا في الوجاهة، وهو ما ورد به النهي والذم في أحاديث كثيرة، "إنّا والله لا نولي على هذا العمل أحدًا سأله، ولا أحدًا حرص عليه" (البخاري ومسلم). و قوله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر: إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها" (رواه مسلم).

ولا تعارض في هذا النهي مع طلب يوسف -عليه السلام- المنصب في قوله -عز وجل-: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]، لأن السؤال هنا ليس لحظ النفس إنما لله -عز وجل-، وسدًّا لفراغ في المنصب شغله يوسف -عليه السلام-، كما أنه سيقوم بالحق ويدافع عنه ويوصل الحقوق إلى أهلها، كما أن الإنسان لو وجد في نفسه استعدادًا وكفاءة وأحقية صادقة واستكمل أسباب الولاية عندها لا يكون ثمة موانع أو مكروهات لتوليه وطلبه ، أما لو سعى للرئاسة وهو ليس لها بأهل، ولم يتحصل على أي سبب من أسبابها، وقعد عن واجباتها فعندها يكون سعيه وطلبه للرئاسة مذمومًا بذاته.

والمقصود أن الداعية المخلص يكره التصدر والإمارة والشهرة بطبعه؛ لإخلاصه وبعده عن الرياء، ولكنه في نفس الوقت هو صاحب المبادرة الخيّرة، وهو فارس الميدان إذا تعيّن عليه التصدر؛ وقد حكى الله من دعاء المؤمنين قولهم: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَاماً} [الفرقـان: 74]، أي: أئمة هـدى يُقتدى بأفعالهم، وهذا لشدة محبتهم لله، وتعظيمهم لأمره، ونصحهم له، ليكون الدين كله لله، وليكون العباد ممتثلين لأمره.

الداعية المخلص يكره التصدر والإمارة والشهرة بطبعه؛ لإخلاصه وبعده عن الرياء، ولكنه في نفس الوقت هو صاحب المبادرة الخيّرة، وهو فارس الميدان إذا تعيّن عليه التصدر

المظاهر الدالةعلى حب الزعامة والتصدر وطلبها:

أولاً: العجب بالنفس، وكثرة مدحها، والحرص على وصفها بالألقاب كعضو لجنة، أو قيادي، أو عالم، أو عضو في الهيئة الفلانية، وإظهار محاسنها من خبرة ومعرفة وغيره.

ثانيًا: بيان عيوب الآخرين -وخاصة الأقران- والغيرة منهم، ومحاولة التقليل من شأنهم ومن إنجازاتهم في مناسبة وغير مناسبة وأمام المعنيين وغير المعنيين.

ثالثًا: مقارنة نفسه بالآخرين وإظهار أفضليته عنهم والشكوى المستمرة من عدم نيله لمنصب ما، وكثرة سؤاله عن الأسس والمعايير لتقلّد بعض المناصب، والحرص على تصدر المجالس والاستئثار بالحديث.

رابعًا: كثرة التذرع والتبرير لعدم تنفيذ الأوامر والتكاليف، وعدم المشاركة بجدية عندما يكون مرؤوسًا، مع الحرص على التكاليف التي فيها بروز وتصدر.

خامسًا: كثرة الانتقاد بسبب وبغير سبب، ومحاولة التقليل من أهمية المبادرات والآراء والأفكار الصادرة من غيره والعمل على إخفاقها، مع الإصرار على رأيه، وعدم التنازل عنه، وإن ظهرت له أدلة بطلانه.

سادسًا: الجرأة على الفتوى، وإطلاق الأحكام على الناس وقد كان السلف رحمهم الله يتورّعون عنها أشد التورّع؛ ومن ذلك ما قاله عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فما كان منهم محدّث إلا ودّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ودّ أن أخاه كفاه الفتيا".

وقد تكون هناك بعض العوامل الأخرى التي تدفع البعض الآخر لطلب الرئاسة والبحث عن التصدر، وهي عدم الاعتياد على السمع الطاعة وتنفيذ الأوامر، ومنها الرغبة في تحصيل بعض أعراض الدنيا ومتاعها، ومنها الرغبة في التسلط على الآخرين وإذلالهم بالتكاليف الشاقة والأوامر الصارمة.

هناك بعض العوامل الأخرى التي تدفع البعض الآخر لطلب الرئاسة والبحث عن التصدر، وهي عدم الاعتياد على السمع الطاعة وتنفيذ الأوامر، ومنها الرغبة في تحصيل بعض أعراض الدنيا ومتاعها، ومنها الرغبة في التسلط على الآخرين وإذلالهم بالتكاليف الشاقة والأوامر الصارمة

آثار ومخاطر

إن هذه الأمراض لا تؤثر على الفرد فحسب، ولكن تؤثر على الدعوة والحركة الإسلامية بأسرها، ومن آثارها على الفرد نفسه:

أولاً: الحرمان من التوفيق الإلهي:
في حديث عبد الرحمن بن سمرة الذي رواه البخاري ومسلم، وفيه قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا عبد الرحمن: لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها".

ثانيًا: قسوة القلب وكثرة الهموم:
فالقيادة فتنة وهموم ومسؤولية جسيمة، فالقائد في موضع اقتداء وتقليد، فإذا لم يكن محترزًا في كل أفعاله وحركاته وقراراته كان مسؤولاً عمن اقتدى به ولو على سبيل الخطأ ، لذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة".

ثالثًا: إيغار الصدور وإثارة الضغائن:
التعرض لملامة الآخرين وسهام الناقدين، والحسد والحقد، فماذا لو كان صاحب المنصب ليس بأهل ويفتقر للكفاءة والمهارة، فعندها تكون الملامة أشد والعداوة أوثق، فيزداد التشاجر والتناحر، وربما وصل الأمر للاقتتال.

رابعًا: المداهنة في دين الله -عز وجل- :
بالسكوت عما يجب قوله والقيام به من الحق، وربما بقول الباطل من تحليل حرام، أو تحريم حلال، وقد رأينا من العلماء الرسميين والمفتين الموظفين الكثير من البلايا والرزايا ثمنًا وقربانًا لرضا الحكام والطغاة؛ حتى يبقوهم في مناصبهم ووظائفهم الدينية والدعوية.

أما عن آثار طلب الرئاسة والبحث عن الصدارة على الدعوة نفسها، فتتمثل بأن هذا الداء كفيل بأن يمنع التمكين للدعوات، ويبطل جهود المخلصين فيها، فالتمكين لا يكون إلا للدعوة الخالصة التي صفت من الأكدار والشوائب التي تعلق بقلوب العاملين فيها ومن أجلها، ولو ازدحم على طريق الدعوة الكثيرون بحثًا عن رئاسة أو زعامة فارغة فمن يبقى للعمل والسعي وخدمة الدعوة، وأنّى للصف أن يستقيم وفيه طالبو الزعامة والباحثين عن الشهرة، وهل يصح أن يكون للدعوة مئات القادة وعشرات الجنود !!

التمكين لا يكون إلا للدعوة الخالصة التي صفت من الأكدار والشوائب التي تعلق بقلوب العاملين فيها ومن أجلها

علاج التطلع إلى الصدارة وطلب الرئاسة

1. تربية الأفراد في المراحل الأولى من الدعوة على التواضع وحسن الخلق وإيثار المصلحة العامة على الخاصة.

2. التربية على قبول التكاليف مهما صغرت والتعويد على السمع والطاعة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث أغبر، ومغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشَفّع". (رواه البخاري).

3. ضروررة معالجة المناهج التربوية لهذه الظاهرة من خلال النظر في سنته وهديه صلى الله عليه وسلم التي تزخر بالآثار التي تنهى عن سؤال الإمارة والرئاسة والفرار منها، وآثار السلف وسيرتهم العاطرة في التعامل مع المناصب التي كانت تعرض عليهم عرضًا فيفرّون منها فرارهم من الأسد.

4. دوام التذكير بتبعات هذا الأمر وعواقبه الدنيوية والأخروية : فإن الإنسان بفطرته ينسى ولا علاج لهذا النسيان إلا بالتذكير والتذكير الدائم على منهج القرآن الكريم :{ فذكر إن نفعت الذكرى} [الأعلى:9] {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} [الذاريات:55].

5. التذكير بمكانة ومنزلة الدنيا من الآخرة: {قل متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى} [النساء:77]، {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} [التوبة:38]، {يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الدار الآخرة هي دار القرار } [غافر:39].

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

منظور المسلم لابتلاءات الإعاقات البدنيّة والعيوب الخَلقيّة

. - بداية: الملك ملك الله، والله قضى في ملكه أنه تعالى يخلق ما يشاء، …