الحياة الزوجية .. انسجام بلا ألغام

الرئيسية » بصائر تربوية » الحياة الزوجية .. انسجام بلا ألغام
rings-marriage30

إن عدم الفهم الجيد لطبيعة العلاقة الزوجية الناجحة يؤدي في النهاية إلى البرود العاطفي الذي يُصيب استقرار الأسرة في مَقتل.

علينا أن نوقن أنه في ظل الفهم الخاطيء لطبيعة العلاقة الزوجية الناجحة تصبح المعاملة بين الزوجين عبارة عن روتين لا يختلف كثيراً عن رتابة الروتين المعهود في مختلف مجالات الحياة، بل ربما يتطور إلى ما يُسمى الخرس الزوجي.
إننا لو نجحنا في تشخيص أسباب المشكلة ومعرفة الألغام التي تهدد استقرار الحياة الزوجية سننجح - بفضل الله تعالى - في نزع فتيل هذه الألغام ليعيش الزوجان في وئام وسلام.

الألغام التي تهدد استقرار الحياة الزوجية:

1- التباين في فهم معنى الانسجام العاطفي والمودة والرحمة، والاعتقاد أنه مسئولية أحد الزوجين دون الآخر أو أن توفر الشق المادي يغني عن الشق المعنوي.
إن الارتواء العاطفي غريزة وفطرة فطر الله الإنسان عليها، وهو مسئولية تضامنية بين الزوجين لا يُعفى منها أحدهما ولا يستغني عنه أحدهما، ومهما توفرت الأمور المادية يظل الإنسان حائراً مُضطرباً إلى أن ينهل من معين العاطفة حتى الارتواء.

2- تعلل الزوجين بكثرة الأعباء، إما الحياتية من قبل الزوج وإما المنزلية من قبل الزوجة.
إن الأعباء الحياتية مهما كثرت ومهما تشعَّبت مجالاتها لا يجب أن تَحُوْل دون لقاءات متقاربة يخلوا فيها الزوجان ببعضهما، يُرمم أحدهما ما أبلاه الزمان في بنيان الآخر، لينطلق الواحد منهما بعد هذا اللقاء فتي المشاعر، جيَّاش العاطفة، مُتزن العقل، يصوِّب نحو هدفه في الحياة فلا يُخطئه.

3- التعلل بكبر السن وفوات الأوان للانسجام العاطفي وتبادل المشاعر الجياشة والاعتقاد أن هذه الأمور قاصرة على مرحلة الشباب دون غيرها من مراحل العمر.
ليعلم كلا الزوجين أنه كلما تقدم الإنسان في العمر كلما أصبح أكثر نضجاً، وهذا النضج يشمل كل جوانب شخصيته ومنها بالتأكيد الجانب العاطفي الذي اتفقنا أنه غريزة وفطرة فطر الله الإنسان عليها غير أن هذا النضج يجعل الجانب العاطفي عند الإنسان أكثر تعقلاً بيد أنه لا ينطفئ ولا يتلاشى حيث أنه لا يتوقف عند سن معين، ولا حدود له إلا ما حدَّه الشرع.

4- عدم اكتراث كلا الزوجين باهتمامات الآخر، وعدم السَّعي لإيجاد اهتمامات وهوايات وطباع مشتركة تجمع بينهما خارج النمط الأسري المُعتاد.
إن التفاهم والانسجام بين الزوجين يتطلب من كلا الزوجين أن يسعى كل منهما إلى إيجاد أكبر قدر من القواسم المشتركة بينهما، فهذا يمارس هواية كذا حباً في شريكة حياته، وهذه تحب الذهاب إلى مكان كذا حباً في شريك حياتها، وكلاهما يواظب على عادة كذا لأنها تذكرهما بما سلف من ذكريات طيبة بينهما... الخ.

5 عدم التعود على المصارحة بين الزوجين وأن يُعين كلا منهما الآخر على اجتياز العقبات التي تعترض حياتهما الزوجية فيتسبب الكتمان في أن تكون العلاقة بينهما مُفخخة بل قابلة للانفجار والانهيار في أي لحظة.
إن كتمان المشاعر وما يعتري النفس أولاً بأول يجعل الصورة بالنسبة للطرف الآخر هلامية وغامضة  إذ ربما لا يعرف سبب المشكلة ولو عرف السبب لسهل عليه حلها وعلاجها وتلاشي أسبابها.
إن المصارحة والوضوح والبوح بما في الصدر أولاً بأول ونية كلا الزوجين تجنب التبرير والصدام وتصيد الأخطاء من أهم عوامل الحفاظ على دفء العلاقة بينهما بل وتنميتها ودوامها.

6- الفهم الخاطئ لمعنى "الحوار بين الزوجين"، ولمعنى "الأسلوب الأمثل لحل المشكلات"، والاستماع للنصائح السلبية من المغرضين وضعاف النفوس.

إن الحوار بين الزوجين ليس بمدته ولا بمكانه ولا بزمانه، ولكن بحميميته ودفئه وبما يحمله من انسجام ومن مشاعر جيَّاشة صادقة.

إن الهدف من الحوار بين الزوجين هو ري عطش المشاعر الذي يسببه الجفاء المُجتمعي، وتسببه المادية الطاغية التي أصبحت سمة بارزة من سمات العصر.

إن الهدف من الحوار بين الزوجين هو إزالة ما على النفس من تراكمات وضغوط، وترميم ما اعتراها من تصدع، والحرص على تقارب وجهات النظر وتضييق فجوة الاختلاف، والبعد كل البعد عن تأجيج الأمور وتأزمها.

إن الحوار بين الزوجين يجب أن يُبنى على:
- استعداد كل طرف أن يتنازل عن جزء من حقه في سبيل إسعاد الآخر.
- أن يدرك كل منهما أن كل بني آدم خطاء، وأن الكمال لله وحده، وأن ما يعيبه أحدهما في شريك حياته قد يتمناه غيره فلا يجده.
- أن يغض كل منهما الطرف عن الأمور التي لا تعترض مع الشرع حتى لا تتأزم الأمور.
- أن يعي كل منهما أنه بعد الميثاق الغليظ الذي ربط الله به بين الزوجين، وبعد أن أفضى بعضهما إلى بعض لابد وأن تنعدم الأنا، ولابد أن ينصهر كيان الزوجين ليصبح كياناً واحداً لا يهنأ لأحدهما عيش، ولا يغمض له جفن حتى يرى شقه الآخر سعيداً بل مُفعماً بالسعادة.

علينا أن نوقن أن ما يضمن نجاح العلاقة بين الزوجين والوصول بها إلى صورتها المُثلى هو البُعد كل البعد بل الفرار من هؤلاء البؤساء أصحاب النظرة السوداوية التشاؤمية للحياة الذين يبثون حقدهم وينفثون سمومهم وضغائن صدورهم ليفسدوا على الناس معيشتهم ولا يهنأ لهم بال حتى يرونهم يبكون على أطلالها.

علينا أن نوقن أن ما يضمن نجاح العلاقة بين الزوجين والوصول بها إلى صورتها المُثلى هو البُعد كل البعد بل الفرار من هؤلاء البؤساء أصحاب النظرة السوداوية التشاؤمية للحياة الذين يبثون حقدهم وينفثون سمومهم وضغائن صدورهم ليفسدوا على الناس معيشتهم

7- رسم صورة ذهنية مثالية غير واقعية عن الحياة الزوجية يستحيل تحقيقها على أرض الواقع، وإن أتيحت لفرد فليس بالضرورة أن تتاح لغيره لعوامل إما نفسية أو مادية أو اجتماعية... الخ.
من الواجب على الزوجين أن يعرفا أنه ليس هناك ما هو متفق عليه في المشاعر الإنسانية، وأن يعرفا كذلك أن لكل علاقة طبيعتها وأحوالها بل وبصمتها التي قد يصعب تكرارها أو مضاهاتها بغيرها. إن فهم هذا الأمر يمنع الكثير والكثير من أسباب الشقاق وعوامل الشقاء بين الزوجين ويحفظ للعلاقة بينهما رونقها ودفئها.

8- ذنوب يعيشها أحد الزوجين أو كلاهما وخاصة الذنوب التي تتعلق بجانب العاطفة والمشاعر وتبادل الإعجاب بالآخرين.
إن من يترك لنفسه العنان في معاملاته مع النساء الأجنبيات عنه، ومن تترك لنفسها العنان في معاملاتها مع الرجال الأجانب عنها، لا ترى أحدهم / إحداهن في البيت إلا عبوساً مُتجهماً، يتصيد الأخطاء، ويختلق المشكلات، وتراهما يعاملان بعضهما البعض بندية تفرق ولا تجمع، وتهدم ولا تبني، فالجزاء يكون دائما من جنس العمل.

إن من يتقي ربه ويكبح زمام نفسه في الجانب العاطفي مع الأجنبيات/ الأجانب بصفة خاصة فإن الجزاء يكون من جنس العمل أيضاً فترى الزوجين مُقبلين على بعضهما البعض بشوق ولهفة وانسجام لا ينتهيان.

* قال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" أن الفضيل بن عياض قال: "إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حِماري وخادمي وامرأتي وفأر بيتي" أهـ.

9- التباين في فهم طبيعة شخصية الآخر وعدم تقدير الاختلاف في الطباع الإنسانية.
إن على الزوج أن يعرف ما يُسعد زوجته في المأكل والمشرب والملبس والعلاقات والمناسبات والخصوصيات... إلخ، ويحرص على تلبيته حتى ولو كان لا يتفق مع اهتماماته، وعلى الزوجة أن تتحرى كل ذلك أيضاً، من هنا يأتي الحب وتتأجج المشاعر ويدوم الود.

إن ابتسامة صافية ولمسة حانية من الزوج قد تكون عند الزوجة أفضل من جبل من الهدايا، وربما يكون حسن هِندام الزوجة، وطيب رائحتها، وعذب حديثها، أفضل عند الزوج مما لذ وطاب من المأكولات والمشروبات .

إن التفاهم بين الزوجين لا يتطلب منهما جُهداً ولا تأهيلاً أكثر مما يتطلب الحس المُرهف، والمشاعر الجياشة، وسرعة البديهة، وحسن التصرف.

10- الجفاء الروحي والبعد عن الله تعالى.
إن من أكبر مُنغصات الحياة الزوجية هو الجفاء الروحي حيث يعيش الزوجان "معيشة ضنكا"، معيشة منزوعة البركة في كل شيء، فلا رضا ولا قناعة ولا تفاهم ولا هداية للخير.

لنعلم أنه كلما كان الزوجان على حسن صلة بربهما، كلما ألَّف الله بين قلبيهما ولم يجعل للشيطان بينهما سبيلاً .

* عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "رحمَ اللَّهُ رجلاً قامَ منَ اللَّيلِ فصلَّى وأيقظَ امرأتَهُ فصلَّت فإن أبت رشَّ في وجْهِها الماءَ، رحمَ اللَّهُ امرأةً قامت منَ اللَّيلِ فصلَّت وأيقظت زوجَها فصلَّى فإن أبى رشَّت في وجْهِهِ الماءَ" (صحيح ابن ماجه).

تلك عشرة كاملة بها ينتفي عن الحياة الزوجية كدرها ومنغصاتها وحين يلتقي الزوجان في أي وقت فلا ترى إلا انسجاماً ووداً، ولا تسمع إلا حنيناً وهمساً، وبدونها لا ترى الزوجين إلا وكأنهما في جزيرتين متباعدتين بل وكأن بينهما بُعد المشرقين حتى ولو كانت كل حياتهما في غرفة واحدة ويظلهما سقف واحد.

همسة في أذن الزوج

إن الفطرة التي فطر الله عليها النساء من حيض ونفاس وفترة انقطاع الطمس "سن اليأس" وغير ذلك، كل هذه الأمور تستنزف طاقة المرأة النفسية والبدنية، وبقدر علمك وتفهمك ذلك ووضعه في الاعتبار بقدر ما تكون الحياة بينكما سلسة ومرنة، وبقدر ما تتحقق بينكما السعادة والمودة والرحمة والألفة والانسجام.

- عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "أيها الناس! إن النساء عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حق، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً، ولا يعصينكم في معروف، فإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بًالمعروف" (رواه ابن جرير الطبري بإسناد صحيح).

وقديماً قال الشاعر:
إن النساء شياطين خلقن لنا *** أعوذ بالله من شر الشياطين

وقال آخر:
إن النساء رياحين خلقن لنا *** من لا يتوق إلى شم الرياحين

سأل أعزب رجلاً مُتزوجًا: أحقًّا ما يُقال: إنَّ الرجل لا يَعرف المصائبَ إلا حين تأتيه المرأة؟! فأجابه المتزوج قائلاً: بل إنَّه لا يعرف قيمةَ المرأة إلا حين تأتيه المصائب.

همسة في أذن الزوجة

إن الله تعالى ما جعل القوامة للرجل إلا لما كلفه به من وتبعات ومسئوليات، فاستشعري طاعتك لله ورضاه عنك حين تعاملين زوجك فهو لك صمام الأمان ومصدر العفة ولا غنى لك عن أحدهما، ويكفيك في ذلك أن ترين حال أرملة أو مُطلقة لتستشعري نعمة الله عليك.

ولا تنسين قول النبي ﷺ: "ما ينبغي لأحدٍ أنْ يسجُدَ لأحدٍ ولو كان أحدٌ ينبغي أنْ يسجُدَ لأحدٍ لَأمَرْتُ المرأةَ أنْ تسجُدَ لزوجِها لِمَا عظَّم اللهُ عليها مِن حقِّه" (صحيح ابن حبان).

نصح أحد الحكماء ابنته قبل زفافها قائلاً: "تذرَّعي بالصبر إذا غضِب ولا تستفزيه؛ فليس أبغض إلى الرجل من امرأة تصبُّ زيت حماقتها على نار غضبه فتزيده تأجُّجًا".

وقال لها أيضاً: "أطيعيه إلا فيما يُغضب الله، وشاركيه في فِكره، ولكن سلِّمي بأن عقله أغزر مادة من عقلك؛ فليس أقرب إلى نفس الرجل من امرأة تَلزم حدَّها، وتعترف بضعفها، وتهتدي بهدي الزوج، وتعتبره حاميها ومرشدها.

وأخيراً أقول:
علينا أن نعرف أن معظم الخلافات الزوجية سببها أن الزوج يريد من زوجته أن تفكر بعقله، والزوجة تريد من زوجها أن يفكر بعاطفتها، فيصطدمان .

إن الأصل في العلاقة الزوجية أن يمزج الرجل عقله بمزيد من العاطفة، وأن تمزج المرأة عاطفتها بمزيد من العقل، فيلتقيان.

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

من ضيق الدنيا إلى سعة الكهف

سورة الكهف من السور التي نبه النبي صلى الله عليه وسلم على أفضليتها، فكانت تلاوتها …