ربيع عربي ثم ثورة مضادة ثم ربيع مضاد

الرئيسية » خواطر تربوية » ربيع عربي ثم ثورة مضادة ثم ربيع مضاد
arab-spring

الحكاية لم تنتهِ بعد، والنهاية لمّا تأتِ بعد.

ربيع عربي خرجت فيه الشعوب العربية تبحث عن حريتها وحقها في العيش الكريم، ولمّا نجحت في ربيعها نجاحاً أوّليّا نسبياً، تآمرت عليها الأنظمة الحاكمة مع القوى العالمية المسيطرة ودبرت ثوراتٍ مضادةً، في خريف عربي أتى على ثمرات الربيع وأزهاره.

ثم دبّت الحياة في ربيع جديد، ها هو يحاول أن يعيد الحياة لأزهاره وثماره التي أضعفها الخريف وأيبسها، لكنه لم يستطع أن يُهشّمها تماماً، ولا أن يقتلع جذورها التي تجذرت في الأرض من قبل الإزهار والإثمار بعقود.

ويبقى تساؤل جوهري كبير: هل من الممكن أن تكون القوى العالمية المسيطرة هي التي دبرت وخططت لقدح شرارة هذا الربيع العربي من أجل إحداث فوضى يكون على إثرها إتمام ما كان ينادى به من شرقٍ أوسطٍ جديد؟

هذه النقطة عرّجنا عليها في المقال السابق، ولكننا لم نجزم فيها.

والذي أراه: أنه من غير الوارد أن تكون الأنظمة العالمية قد دبرت لذلك، فهي تعلم علم اليقين أنها وإن كانت تملك كثيراً من خيوط اللعبة السياسية العالمية، فإنها لا تملك كل خيوطها بالكلية، وكثير من الأحداث العالمية والتقلبات السياسية والاقتصادية العالمية تحدث على غير تدبيرها وعلى غير رغبة منها.

من غير الوارد أن تكون الأنظمة العالمية قد دبرت أحداث الربيع العربي، فهي تعلم علم اليقين أنها وإن كانت تملك كثيراً من خيوط اللعبة السياسية العالمية، فإنها لا تملك كل خيوطها بالكلية، وكثير من الأحداث العالمية والتقلبات السياسية والاقتصادية العالمية تحدث على غير تدبيرها وعلى غير رغبة منها

ولعلمها بذلك فهي تدرك أن قدح شرارة الثورة العربية قد لا يكون في صالحها، فمن الوارد أن تشتعل النار فيثور البركان، ثم يأبى بعد ذلك الخمود إلا إذا بلغ مبلغه وانتهى منتهاه، والبركان الخامد من سنين، يخشى الجميع من ثورته، وخصوصاً إذا ما كان الضغط عليه زائداً.

والقوى العالمية تدرك ذلك جيداً، تدرك أن البركان العربي الخامد بركان خامد من سنين، وتدرك أنها قد ضغطت على هذا البركان ضغطاً مذهلاً، وأن انفجاره إن كان فسيكون مذهلاً.

ولذلك، فأنا لا أتخيل أن تكون القوى العالمية المسيطرة قد غامرت بقدح الشرارة الأولى، وإلا فإنها قوى مغامرة ومقامرة.

ومما نعيشه نحن العرب والمسلمين من حالة الهوان التاريخي التي نقبع فيها منذ عقود، ولأننا نرى أكثر الأحداث العالمية تصب في النهاية ضدنا وفي مصلحة أعدائنا، فقد أصبحنا لذلك نبالغ في قوة العدو، وقوة سيطرته، وقوة تخطيطه، وهيمنته على ترتيب الأحداث وتدبيرها من بدايتها إلى نهايتها.

لأننا نرى أكثر الأحداث العالمية تصب في النهاية ضدنا وفي مصلحة أعدائنا، فقد أصبحنا لذلك نبالغ في قوة العدو، وقوة سيطرته، وقوة تخطيطه، وهيمنته على ترتيب الأحداث وتدبيرها من بدايتها إلى نهايتها

والذي أعتقد به في هذا الشأن - وهو ما أشرت إليه في المقال السابق - أن القوى العالمية إما أنها فوجئت بالربيع العربي، فبادرت إلى محاولات التأثير فيه واحتوائه وتوجيهه من خلال عملائها في كل مكان ومجال.

أو أنها رأت قبل ذلك بوادره، فبادرت إلى استخدام عملائها من البداية في صنعه، حتى يتيسر لها بعد ذلك توجيهه، بوساطة العملاء الصانعين.

الحاصل الآن، يؤكد على أن هذه القوى لم تكن مدبرةً للربيع من بدايته، أو أنها غامرت وقامرت بغير حساب، وستدفع ثمن مغامرتها ومقامرتها باهظاً.

اليقين بعد ذلك أن القوى العالمية قد خططت للثورة المضادة على الربيع العربي وذلك باستخدام أنظمة الحكم العميلة لديْهَا، مع أنظمة الحكم الخانعة أمامها التي تُقبّل الأرض من تحت أحذيتها لأجل أن تبقى على كراسيها .

واليقين الذي بات يقيناً الآن: أن الثورة المضادة قد نجحت نجاحاً نسبياً مؤقتاً في إيقاف الربيع العربي وإتلاف ثماره وأزهاره، لكن نجاح الثورة المضادة كان نجاحاً نسبياً ومؤقتاً كما كان نجاح الربيع العربي قبلها، ولم يكن نجاحها كلياً ولا دائماً، وها هو الربيع المضاد للثورة المضادة يشتعل ليؤكد ذلك.

في ظل الثورة المضادة في مصر وليبيا واليمن، عاد الربيع العربي بجولات جديدة له في السودان والجزائر، ونجح حتى الآن في البلدين نجاحاً نسبياً ومؤقتاً كذلك، ثم ها هو الربيع يحاول العودة في مصر؛ ليهجم على ثورتها المضادة فيدمغها فإذا هي زاهقة، وها هي ترد عليه هجومه، وتستمر المعركة بين ربيع يحاول أن يعود وثورة مضادة تأبى، أو بين ثورة مضادة تريد أن تسود وبين ربيع مصري يأبى.

مغامرة ومقامرة وقعت فيها القوى العالمية المسيطرة إن كانت هي التي قدحت شرارة الثورة العربية الراهنة، وما أظن أن القوى العالمية بهذا الغباء، ولا بهذا السفه لتدخل إلى هذه المغامرة والمقامرة التاريخية؛ فالشعوب العربية بعد الربيع العربي تختلف تماماً عن الشعوب العربية قبله، ونستطيع أن نقول إن الربيع العربي مفصل تاريخي كبير في تاريخ العرب الحديث.

وإذا كانت القوى العالمية قد غامرت وقامرت وظنت أنها ستفلح في مغامرتها ومقامرتها فهي واهمة، وإن الحرية التي تنسّمت الشعوب العربية نسائمها في ربيعها الثائر ستظل تلوح للناس إن هي غُيّبت عنهم، ولن يسكنَ لهم ساكنٌ إلا بأن تصبح واقعاً معاشاً دائماً.

لقد أخرج الربيع العربي الشعوب العربية من عصور وسطى سياسية واجتماعية، كانت فيها شعوباً مستعبدة ومُجهّلة لا تدري أنها مستعبدة، أو تظن أنها ما خُلقت إلا لتُستعبد، وهكذا... كان يظن العبيد قديماً، لدرجة أن بعضهم كان إذا أطلق سراحه السيّد المالك له وأعتقه، يُلحّ عليه أن يبقى في خدمته وحماه، فهو لم يعرف في حياته إلا العبودية، ولم يعش غيرها، ولا يتخيل حياته بغير سيد يأمره ليطيع، ويعيش العمر كله في خدمته، من أجل فتات من العيش يلقيه له السيد كل حين.

نقول: لقد أخرج الربيع العربي الشعوب العربي من عصورها الوسطى سياسياً واجتماعياً، أو بتعبير أدق: ها هو يحاول ذلك، فهو حتى الآن لم ينجح نجاحاً كلياً دائماً، وكذلك لم تنجح الثورة المضادة عليه نجاحاً كلياً دائماً. وما تزال المعركة قائمة، والنهاية لمّا تأت بعد.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وشاعر وروائي مصري، مهتم بالفكر الإسلامي والحركة الإسلامية

شاهد أيضاً

نظرتنا إلى تفاوت النعيم في الدنيا.. بين الغيرة والزهد

ثمة قوانين في حياتنا اتفق أصحاب الاختصاص على تقنينها وفرضها من أجل تحقيق أكبر قدر …