معايير توجيه المعارف وصناعة المناهج التعليمية

الرئيسية » بصائر الفكر » معايير توجيه المعارف وصناعة المناهج التعليمية
معايير توجيه المعارف وصناعة المناهج التعليمية توجيه المعارف في البلاد الإسلامية مناهج الطلبة

لم يعد مفهوم المعارف يتجاوز الفهم القاصر الذي يعبّر عن محو الأمية –بوساطة تعلم فنون التهجئة/ أو إتقان القراءة والكتابة- بالرغم من أن الشعوب غيرت مفهوم محو الأمية منذ زمن؛ لأن وجود فئة تحسن القراءة والكتابة لم يغير شيئاً، ولم يغن عن المبادئ الإنسانية والأخلاق والتربية، ولا أدى الدور المطلوب في الاكتفاء الذاتي وتوفير المعاش .

ومن هنا وقبل ثلاثين عاماً تقريباً خصصت الدوائر المسؤولة لجاناً لتعديل المناهج التعليمية وإدارة دوائر المعارف في البلدان العربية والإسلامية، وكانت تلك اللجان تشمل العلماء وقادة الفكر؛ لأن القصور ظهر جلياً في:

1. الجانب الخلقي: فكثير من المتعلمين لم يكن لديه اختلاف عن الكائنات غير العاقلة من ناحية الأخلاق والنزعات والتصرفات وعبادة الذات، والتهالك على الشهوات، وتجاوز حدود القانون والفطرة، وكثير من الأخلاق التي تنافي العلم والشرف، كالمكر والزور.

2. الجانب الاقتصادي: فالبطالة وتخريج أفراد يحملون شهادات لا يفقهون من معناها شيئاً، كان سبباً كافياً للتفكير في إعادة إنتاج مناهج تحل مشاكل المجتمع الاقتصادية، بدل أن تزيد عليها مشكلة كالبطالة والعطالة.

البطالة والعطالة سبب كافٍ للتفكير في إعادة إنتاج مناهج تحل مشاكل المجتمع الاقتصادية، بدل أن تزيد عليها مشكلات جديدة

أزمة المناهج التعليمية والمعارف في البلدان العربية:

يسير العالم اليوم بخطوات ثابتة نحو اقتصاد المعرفة، والذي تعد إدارة المعارف والتعليم وتبنى مناهجه في ضوئه، ويقصد بها تلك المناهج التي تحقق التعليم المستمر والتنمية المستدامة التي تتماشى مع التقدم الحضاري، وتحافظ على الموروث الأصيل في الوقت ذاته.

أما المشكلة الحقيقية التي خلُص إليها رجالات لجان تقييم المناهج فقد كانت تتمثل في أن المعلومات في ازدياد دائم، لدرجة أن كميتها أصبحت فائضة عن احتياج المعلّم والمتعلّم، وفي مقابل هذا التضخم اضمحلّت قيمٌ أهمّ كالبواعث والدوافع النفسية للعمل والإقدام والمبادرة، إلى أن أصبح التلميذ/ أو المتعلم يعلم كل شيء لكنه لا يعمل بشيء!

وشيئاً فشيئاً بدأت الأزمة تتفاقم حين بدأ إحلال المعلومات غير المفيدة لتأخذ مكان المعلومات المفيدة، وهذا كله إذا تكلمنا عن التعليم في البلاد العربية وحسب، أما عند الحديث عن التعليم في البلدان الإسلامية فسيكون الحديث ذا شجون أكثر ألماً.

ثم جاء الهجوم التكنولوجي بالتدريج، ليزيد من تصعيد المشكلة ويأخذ التضخم المعرفي إلى منحى خطر وكانت أشد خطورته تكمن في أنه خلط معلومات عشوائية غير مؤكدة بالمعلومات التي يحوزها المتعلم من مصادر مؤكدة.

وهنا تعمّقت الفجوة المعرفية ولم تعد للضمور بعد، ولا تزال عناصرها تتربع وتتوسع بزيادة التفاوت بين تطوير المعرفة وتطوير القدرات، كذلك التفاوت بين العلم والعمل، والتفاوت بين التقليد والابتكار، التفاوت بين التلقين والنقاش، التفاوت بين تكوين العقول وتقويم الأخلاق... إلى غيره من مظاهر التفاوت بين المعارف التي يتلقاها الطلبة في المدارس، وبين الحياة التي يعيشونها.

ونظرة فاحصة واحدة على العملية التعليمية الحديثة في البلدان العربية وتطوير المناهج المستمر تكشف كمّ القصور في أغلبها، وتشوهات الأنظمة التعليمية، التي باتت تستخدم كأداة لتجهيل النشء لا لتعليمه.

تطوير المناهج والمعارف والأنظمة التعليمية العربية يكشف قصورها، وكأنها أداة لتجهيل النشء لا لتعليمه

المناهج والمعارف في البلدان الإسلامية:

أما التعليم في البلدان الإسلامية فهو مَهَمَّة عسيرة؛ لأن الأمة الإسلامية ذات طبيعة خاصة مستقلة ورسالة سماوية تحتكم لعقيدة ومبدأ ربانيّ يجب أن تكون مناهجها التعليمية ضمن هذا المعتقد الذي يضمن للمتعلم حياة كريمة ونجاة في الدنيا والآخرة، من خلال تكوين العقليات وتقويم الأخلاق .

ولكي يتحقق هذا الهدف، يفترض بالمناهج أن تعتني بالمساقات الأهم فالمهم، مثل: القرآن الكريم، السنة والسيرة النبوية، تاريخ الصحابة، التربية المعنوية، رسالة المسلمين وسيادتهم وتاريخهم المشرّف الذي صنع كرامتهم وعزتهم، وكذلك مناهج تدعم التشبع بروح الدعوة والاندماج في المجتمع والانسجام مع العامة، بالإضافة إلى التربية البدنية التي تدعم تنفيذ كل ما يتعلمه النشء.

معايير توجيه المعارف والمناهج الدراسية:

وعند الحديث عن المعارف أو المناهج الدراسية يفترض الانتباه إلى جانبين لا ينفصلان؛ لأن أحدهما لن يؤدي الدور وحده:

الجانب الأول/ اختيار المعلم

الجانب الثاني/ تأهيل المتعلم

عند تطوير المعارف والمناهج الدراسية يفترض الانتباه إلى جانبين لا ينفصلان؛ لأن أحدهما لن يؤدي الدور وحده، وهما: اختيار المعلم، وتأهيل المتعلم

اختيار المعلم:

لأن شرط تحقيق الهدف من العملية التعليمية هو وجود معلمين يؤمنون أولاً بهذه المعتقدات والمبادئ، ويتبنون تلك الغايات النبيلة ويخلصون لها، ويطبقونها لتكون حيواتهم خير مثال لما يدعون إليه.

لن ينجح نظام تعليمي – مهما كان كاملاً ومُحكماً – إذا كان المعلمون مذبذبين متناقضي الأفكار .

ولا يجب أن يكون اختيار المعلّم على أساس العلم وحده أو المقدرة التعليمية والمؤهلات، بل يجب اعتماد اختبار السيرة والخلق والمبدأ والإيمان والعقيدة في المرتبة الأولى.

تأهيل المتعلم:

وتحقيق هذا العنصر يكون بالاهتمام بمادة المنهج والمحتوى المعرفي فيه، ضمن اقتصاد الدولة وإمكاناتها وتاريخها وحضارتها ورؤاها المستقبلية، وليس طبقاً لما تفرضه السياسات الدولية ذات المصالح المغرضة، ولا ما يفرزه الغزو الفكري بدون تحقق من كل فكرة ومعلومة وتدريب يوضع في المناهج الدراسية.

وكلّما مرّ الزمن وزادت التكنولوجيا سيطرة على حياة أبنائنا، زادت ضرورة توظيفها السليم في العملية التعليمية؛ كي لا تحدث فجوة بين ما يتعلمه الجيل في المدارس والجامعات وبين ما يتطلع إليه ويعايشه واقعاً وطموحاً ورغبة.

وقد لا تغفل لجان وضع المناهج – أو ربما يسمح المشرِّعُ الدولي بذلك – وضع مناهج تعزز انتماء الجيل عربياً ووطنياً ودينياً، وإن لم تكن بالقدر الكافي، إلا أن أهميتها كبيرة، ويجب أن يكمل الآباء دورها المنقوص في البيوت.

وفيما يلي مجموعة من التوصيات والمعايير المقتبسة (بتصرف) من البحث التحليلي الذي أجراه الباحث/ كريستن م. لورد، لتوجيه المعارف والمناهج العربية:

1. يساهم بناء المناهج الدراسية والمعارف في دفع المنطقة بكاملها لنهضة التغيير وتقويم النهج المعوّج، ولذلك لا يمكن التعامل معها بعشوائية أو السماح للتدخل الأجنبي المغرض في بنائها.

2. تأسيس النموذج المعرفي العربي الأصيل/ والمنفتح في آن، يتطلب إصلاحات جوهرية في السياق المجتمعي للبلدان العربية، ولذلك فإن إصلاح المجتمع هو خطوة أولى لدعم المعارف والمناهج الدراسية، وهو واجب وطني على الجهات الحكومية والمؤسسات الأهلية والمساجد... إلخ.

إصلاح المجتمع هو خطوة أولى لدعم المعارف والمناهج الدراسية، وهو واجب وطني على الجهات الحكومية والمؤسسات الأهلية والمساجد

3. التشتت الاجتماعي والفساد المؤسسي والغموض السياسي هي أسباب تؤدي إلى فشل أكيد في المناهج التعليمية، لذلك يجب اتحاد مؤسسة الدولة مع المؤسسات الأهلية والتعليمية العليا واتحادات المعلمين ومراكز الإرشاد وغيرها من المؤسسات المساهمة في تربية النشء؛ لصنع مناهج تدعم الابتكار والإبداع، وتوفر تقنيات وأجواء تساهم في خلق جو يفضي إلى إنتاج المعرفة المبتكرة.

4. تتمتع جودة التعليم بأهمية كبيرة في بناء أسس المعرفة، ولذلك فهي أولوية وإن كانت مهملة تاريخياً، فإن هذا الإهمال يجب أن ينتهي ويوضع له حد؛ لتعود إلى الصدارة بقوة .

5. المعرفة هي مجهود بشريّ مستمر التحديث والتجدد يجب أن توائم الجيل وتلائمه؛ كي لا تسمح للفجوات ولا تبقي آثار وأفكار السابقين التي لا تناسب أجيالنا مناهجهم، خصوصاً في المساقات الواقعية.

6. تطوير المعرفة وتجديد المناهج هو عملية متكاملة، لا يجوز الاهتمام بجزء منها وإهمال آخر، إذ يجب تطوير جميع العناصر المساهمة في البحث والتطوير معا، مثل: البنى التحتية، الخدمات، نظم المعلومات، مؤسسات البحث الأساسية والتطبيقية، منظومات التعليم ومستوياته، المجتمعات المهنية، الخدمات الاستشارية، تقنيات الاتصال والمعلومات، مؤسسات التمويل، نظم الدعم الفني وتعليم العلوم للطلاب والمجتمع بشكل عام.

أخيراً،،
ليست هنالك مسؤولية أشد خطراً وأعمق أثراً في مستقبل الأمة وحياتها من مسؤولية بناء المعارف أو تطوير وصناعة المناهج التعليمية؛ لأن أية زلة فيها تودي بأسرة لا بفرد .

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • كيف توجه المعارف في الأقطار الإسلامية (كتيّب)، أبو الحسن علي الندوي، المملكة العربية السعودية: رئاسة دار البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، [1990]
  • هل نحن مقبلون على ألفية جديدة من المعرفة؟ (بحث تحليلي) للباحث/ كريستن م. لورد، إعداد ونشر: مركز الصّبّان لسياسة الشرق الأوسط في مؤسسة بروكنغز، 2008م.
  • مؤشر تحوّل الدول العربية إلى اقتصاد المعرفة (أطروحة ماجستير)، نجلاء صالح البسام، المملكة العربية السعودية: جامعة أم القرى، 2015م.
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة فلسطينية من قطاع غزة، تحمل شهادة البكالوريوس في علوم المكتبات والمعلومات، وعدة شهادات معتمدة في اللغات والإعلام والتكنولوجيا. عملت مع عدة قنوات فضائية: الأقصى، القدس، الأونروا، الكتاب. وتعمل حالياً في مقابلة وتحرير المخطوطات، كتابة القصص والسيناريو، و التدريب على فنون الكتابة الإبداعية. كاتبة بشكل دائم لمجلة الشباب - قُطاع غزة، وموقع بصائر الإلكتروني. وعضو هيئة تحرير المجلة الرسمية لوزارة الثقافة بغزة - مجلة مدارات، وعضو المجلس الشوري الشبابي في الوزارة. صدر لها كتابان أدبيان: (وطن تدفأ بالقصيد - شعر) و (في ثنية ضفيرة - حكائيات ورسائل).

شاهد أيضاً

“مبادرة المواطن العالمي”… المسلمون والتقوقُع الخاطئ!

بدأت النسخة العربية من قناة "ناشيونال جيوجرافيك" هذه الأيام، ببث سلسلة وثائقية جديدة بعنوان: "تفعيل.. …