نفسك .. بها فابدأ!

الرئيسية » بصائر تربوية » نفسك .. بها فابدأ!
Muslim_prayer__islam_810_500_75_s_c1

نشوء الفرد في حقبة زمنية يعيث الظلم فيها فساداً ويستشري في المجتمعات وقد بسط أذرعه على كل المجالات فتعددت أشكاله وألوانه فطالت سوأته كل المجالات في حياتنا، فإن هذا التراكم من الظلم يؤثر يقيناً على نفسية الناشئ في هذه المجتمعات، فيفوق أقرانه سنوات ويكبر عمره أعواماً، ومما يساعد على استشعاره المسؤولية وحمل الهم مبكراً امتلاكه لعين تنظر للماضي وتنهل من إشراقته وهو يقرأ عن سيَر الأسلاف والأجداد، وما شيدوه من حضارة وثقافة وتاريخ مشرق في دجى الظلام، ثم ينظر لواقع أمته المزري وحاضر مجتمعاته الآخذة في الهبوط نحو الدرك الأسفل.

ويظل للفرد -الذي نشأ هذه النشأة منا- روح ترفرف وعين ترقب المستقبل وتأمل بغد مشرقٍ يتجدد فيه عبق التاريخ وازدهاره، ويأمل كل منا أن يكون الحبل الممتد لأمته لينقذها من براثن الفساد الذي يجثو كما الصخرة على صدرها أو أن يكون النور الذي يضيء الدروب فتتابع الأجيال خطاها على أنواره ثابتة الخطى مستكملة مسير الأسلاف، وتغر الواحد منا فتوة الشباب والدماء الجارية في عروقه وتشغله بل وتؤرقه أحوالُ أمته، فينشغل بواقعها عن واقعه ويذوب في مشكلاتها ناسياً مشكلات نفسه وأمورها المناطة به وأنّ أحداً لا ينوب عنه في سياسة نفسه وتعهدها وإصلاح أمورها.

وفي غمرة انشغالنا بأمور ومشكلات مجتمعاتنا وأمتنا نجد أن العمر قد انساب وتسرب كما الماء من بين أناملنا، فنتجرع الحقيقة المرة التي تصفعنا في نهاية المطاف بأننا عجزنا عن إحداث التغيير الذي كنا نرجوه، وفي نفس الوقت لم نرتق بأنفسنا ولم نؤدّ واجبنا اتجاهها القيام الذي سنسأل عنه فرادى بين يدي ملك الملوك: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 95]، ووقفت أتأمل قول الله عز وجل: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [الشمس: 9] فقد ورد في تفسيرها: "قد أفلح من زكّى الله نفسه، فكثّر تطهيرها من الكفر والمعاصي، وأصلحها بالصالحات من الأعمال" [تفسير الطبري]، فأين نحن من هذا، ومن ذا الذي يستصلح البوار في نفسك إن لم تباشره أنت بنفسك ، ومن سيحاجج عنك ربك يوم تقف بين يدي الجليل للسؤال: {وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْؤُولُونَ} [الصافات: 24].

ولا يظن القارئ أنها دعوة قائمة على الأنانية وحب الذات وعدم الانشغال بأمور المسلمين كلا، بل هي شرارة لقدح العزيمة على التغيير الجاد المنشود، التغيير القائم على أساس متين، لا التغيير الهش الذي سرعان ما يخر أمام أول نسمة ريح، فهاك تراجم الرجال وسير الصالحين دونك تأمل أحوالهم وانشغالهم بتزكية نفوسهم وتغييرها وما كان له من دور كبير في التغيير العام الذي تبعه.

علينا أن ندرك أن التغيير المنشود لمجتمعاتنا واسترداد عزنا لن يتحقق ما لم نتغير نحن في ذواتنا ونفوسنا

علينا أن ندرك أن التغيير المنشود لمجتمعاتنا واسترداد عزنا لن يتحقق ما لم نتغير نحن في ذواتنا ونفوسنا فقد قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، ويعلق المفكر جودت سعيد على هذه الآية الكريمة قائلاً: "إن مجال التغيير الذي يحدثه الله، هو ما بالقوم، والتغيير الذي أسنده الله إلى القوم، مجاله ما بأنفس القوم... ينبغي أن نتذكر هنا، أن القصد ليس الفرد -كل فرد بذاته- وإنما المجتمع العام، وأن التغيير الذي يحدثه الله -من الصحة والسقم، والغنى والفقر، والعزة والذلة- إنما يعود إلى القوم بمجموعهم لا إلى فرد محدد"، ويتابع المفكر حديثه حول الآية: "أن السنة التي في الآية ليست فردية، وإنما هي اجتماعية... علينا أن لا ننسى أن هذا سنة دنيوية، لا سنة أخروية".

وبناء على ما سبق من حديث جودت سعيد عن سنة التغيير يجعلنا نقف وقفة نراجع بها أنفسنا لعلنا نستدرك ما فات من أعمارنا ونصحح فهمنا للأمور من حولنا ولذواتنا من قبل، والمتأمل بهذه السنة في التغيير والتي هي سنة دنيوية لا يعني إسقاط السنة الأخروية بل الواجب العيني عن كواهلنا وهي تزكية النفس وتعهدها وتحري صلاحها، ومصداقاً لذلك نقف على نموذجين من نهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام:

النموذج الأول/

دعوة المصطفى التي استمرت ثلاثة عشر عاما، وهو يركز على تغيير الفرد وبنائه البناء السليم؛ لأنه يعلم -صلى الله عليه وسلم- أن هذا الفرد أساس الدولة التي ستقوم فيما بعد وحارسها الأمين وهو أساس المجتمع العام الذي سينفذ سنة الله في التغيير، والمجتمع العام موافقة لما تحدث عنه جودت سعيد لا يشترط أن يكون كل أفراده أصحاء وإنما المجتمع الذي تكون الغالبية فيه أصحاء هو المجتمع الذي سيجري الله على يديه سنة التغيير، تماماً كما كان المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة والذي غير مجرى التاريخ فقد كان فيه البر والفاجر والمنافق لكن الغالبية الظاهرة هم الأسوياء الأصحاء، بالمقابل فإن المجتمعات التي تكون غالبيتها غير أسوياء وأصحاء عندئذ لا عجب وأن تهلك وفيها الصالحون مصداقا لقوله -صلى الله عليه وسلم- عندما سئل: "أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث" [صحيح البخاري].

النموذج الثاني/

طريقة الصحابة -رضوان الله عليهم- في تلقيهم لآيات القرآن الحكيم عقيدة وشريعة حفظاً وسلوكاً؛ فقد روي عنهم: "إِنَّمَا أَخَذْنَا الْقُرْآنَ عَنْ قَوْمٍ أَخْبَرُونَا أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزُوهُنَّ إِلَى الْعَشْرِ الْأُخِرِ حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِيهِنَّ مِنَ الْعَمَلِ، قَالَ: فَتَعَلَّمْنَا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعاً"، ويدل هذا على أن انشغالهم في السنة الدنيوية في التغيير -والتي أجراها الله على أيديهم- لم تشغل الفرد منهم عن تزكية نفسه؛ لأنه سيحاسب عليها في نهاية المطاف؛ فهي ليست قضية ثانوية بل هي الأصل والركن الذي سيقوم عليه أي بناء أو تغيير لاحق.

لابد أن نركز على تغيير الفرد في نفسه والذي هو أساس المجتمع بحيث يساهم في نهضة أمته، لا أن يتغير بمعزل عن الناس فيضرب بينه وبينهم بجدار من رصاص وحديد

وبناء على هذا الفهم من سنة التغيير يعطينا ذلك دافعاً قوياً وحتمياً أن نركز على تغيير الفرد في نفسه والذي هو أساس المجتمع بحيث يساهم في نهضة أمته، لا أن يتغير بمعزل عن الناس فيضرب بينه وبينهم بجدار من رصاص وحديد بحجة أن التغيير في هذه الآية جماعي لا أثر للأفراد به، فقد أجاب النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما سئل عن أفضل الجهاد: " قال كلمة حق عند سلطان جائر" [سنن النسائي].

فالفرد عندما يبني نفسه على ضوء القرآن والسنة إنما هو فعليا يساهم في بناء مجتمعه وإخراجه من الظلمات إلى النور، فليس مقبولاً من الفرد أن يقف مكتوف اليدين، لا بد له من مساهمات في سنة التغيير الدنيوية لذلك كان واجباً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان إصلاح ذاتك والانكفاء على نفسك مبتور عن محيطك يشوبه النقص ويخالطه الخلل، فكذلك محاولاتك المستميتة في تغيير مجتمعك وأنت ذاهل عن نفسك .

وعلى قدر رسوخ الفكرة التي يدعو المرء إليها في نفسه على قدر ما يؤتي جهده من نتائج، عندما تظهر آثار الفكرة التي تؤمن بها على سلوكك وحياتك في كل مجالاتها وبقدر ما تختلط هذه الفكرة في عظمك ودمك ولحمك وعصبك ويسطع نورها من داخلك بالقدر نفسه تستطيع أن تكون منارة نور لغيرك وبالحجم الذي تستطيع وقتها أن تغير أنت بمن حولك.

فدع عنك فكرة أنك المنقذ الذي ينتظره العالم ليتحقق من خلالك السلام والعدل والسكينة، ابدأ بنفسك أولاً وتجنب الحوائل التي تحول بينها وبين سطوع النور فيها وأنقذها من كل الأسباب التي تحاول التثاقل بها إلى الطينية الأرضية ، ومن ثم تتسع الدائرة لتشمل ذويك أهلك وقرابتك وصحبتك والمحيط الذي يحيط بك لتتسع الدائرة أكثر فأكثر فتتحقق وقتها سنة التغيير في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، وتذكر أن الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وأن التغيير العام إنما أساسه ومدخله تغيير خاص في نفوس أفراده رسخ الحق فيها فأشرقت في نفسها فأذن الله لها أن تشرق على من حولها.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • حتى يغيروا ما بأنفسهم/ جودت سعيد
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة حاصلة على الدكتوراة في العقيدة والفلسفة الإسلامية من جامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن. و محاضرة في جامعة القدس المفتوحة في فلسطين. كتبت عدة مقالات في مجلة دواوين الإلكترونية، وفلسطين نت، وشاركت في المؤتمر الدولي السادس في جامعة النجاح الوطنية حول تعاطي المخدرات. مهتمة بالقضايا التربوية والفكرية، وتكتب في مجال الروحانيات والخواطر والقصة القصيرة.

شاهد أيضاً

10 عادات سيئة تعوقك عن النجاح

العادات هي سلوكيات لا إرادية نفعلها بشكل تلقائي غير واعٍ، وتشكّل جزءاً من هويتنا، وتكمن …