وتظل الإجابة تونس!

الرئيسية » خواطر تربوية » وتظل الإجابة تونس!
tunisia19

عندما بدأ الربيع العربي في #تونس وانتصرت ثورتها، وغادر رئيسها ابن علي فارا بنفسه وأهله، وبما استطاع من ماله الذي سرقه من الشعب على مدار سنوات طوال، هتف الشباب في الوطن العربي كله للثورة، وتشوّفوا لها، وبدأت رياح الثورة تهب من تونس على كل البلدان العربية، بلداً بعد بلد، وبدأت تتساقط الأنظمة كأنها أوراق شجر يابسة منذ حين، وما إن هبت عليها الريح سقطت وسُحقت تحت أقدام الثوار.

وحينها دشّن الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي (هاشتاج) "الإجابة_تونس" الذي يعني أن الحل للوطن العربي كله يكمن في تجربة تونس بثورتها وربيعها.

وكانت ثورة تونس ثورة معلّمة وملهمة؛ فهي ثورة سلمية، شعبية غير فئوية، ثم إنها انتهت نهاية عظيمة، عندما انكسر ظهر النظام الحاكم سريعاً، وفر رأسه إلى الخارج هارباً، في مشهد درامي مذهل وسريع كأنه الحلم.

كانت ثورة تونس ثورة معلّمة وملهمة؛ فهي ثورة سلمية، شعبية غير فئوية، ثم إنها انتهت نهاية عظيمة، عندما انكسر ظهر النظام الحاكم سريعاً، وفر رأسه إلى الخارج هارباً، في مشهد درامي مذهل وسريع كأنه الحلم

وعلى ذكر الهاشتاجات ومواقع التواصل، أحب هنا أن أشير هنا إلى أن الناس كانوا يعدون الصحافة قديما سلطة رابعة تأتي بعد السلطات الثلاث: (التنفيذية والتشريعية والقضائية)؛ لما كان للصحافة في القديم من قدرة على توجيه الأحداث وتغييرها وحشد الرأي العام، ثم إن الذي حدث بعد ذلك أن ظهر الإنترنت، ثم ظهرت مواقع التواصل، ثم ظهرت فكرة (الهاشتاج) فأصبح الإنترنت ومواقع التواصل والهاشتاجات هي السلطة الرابعة بحق، بعد أن تراجعت الصحافة كثيراً، سواء كانت صحافة ورقية أو إلكترونية، وسواء كانت صحافة حكومية أو حزبية أو مستقلة. ولهذا فإن الصحافة الحالية المؤثرة والموجهة هي صحافة المواطن، الصحافة الشعبية، صحافة مواقع التواصل الاجتماعي والهاشتاجات .

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإني أحب أن أشير كذلك إلى أن فكرة الهاشتاج هذه هي أقوى أدوات مواقع التوصل الاجتماعي، وهي الفكرة التي سبق بها موقع (تويتر) موقع (فيسبوك) ثم بعد ذلك أخذ موقع (فيسبوك) الفكرة واستخدمها، غير أن موقع تويتر ما يزال يتفوق بها؛ فهو يعتمد -أكبر ما يعتمد- على فكرة الهاشتاج، ويجعله أساسياً ورئيساً على منصته، في الوقت الذي تظل فيه فكرة الهاشتاج على فيس بوك فكرة ثانوية غير رئيسة.

نعود للحديث عن تونس وثورتها وربيعها، فقد صدق الشباب عندما دشنوا هاشتاج "الإجابة_تونس"؛ فقد كانت "الإجابة_تونس" هي الإجابة الأصدق عن كل التساؤلات العربية التي وجهتها الشعوب العربية حينها، والتي ما زالت ترددها إلى الآن:

ما الحل لمشاكلنا السياسية؟
ما الحل لمشاكلنا الاقتصادية؟
ما الحل لمشاكلنا الاجتماعية؟

الإجابة كانت حينها تونس، وهي كذلك إلى الآن.

لم تترك الأنظمة الحاكمة الثورات العربية لتبلغ مبلغها، وتآمرت عليها تآمراً محلياً وإقليمياً وعالمياً، مع أذنابها في الداخل، وأقرانها في المحيط الإقليمي، وأربابها في المحيط العالمي، فحدث الانقلاب العسكري في مصر، والحرب العالمية في سوريا، والحرب الإقليمية في اليمن، والحرب الأهلية في ليبيا، ولم تسلم دولة واحدة زارها الربيع العربي من الدماء والقتل والتهجير والسجن إلا تونس، إلا أنه قد حدث في تونس انقلاب على ربيعها بطريقة أخرى، فقد حدث ما أسميناه الانقلاب الناعم أو الانقلاب السياسي.

حدث تآمر داخلي في تونس على ثورتها ونتائجها السياسية، فتنازلت النهضة عن الحكم مرغمة تحت وطأة الاحتجاجات والمظاهرات، ثم أجريت انتخابات، فاز فيها رموز النظام المخلوع بالحكم، رئاسةً وحكومة.

وحينها كنا نرى أن ثورة تونس قد فشلت فشلاً لا يقل عن فشل كل الثورات الأخرى، غير أن الذي حدث بعد ذلك كان على غير ما توقعناه جميعاً، فقد نجحت التجربة الديمقراطية التونسية، وها هي تنجح يوماً بعد يوم، وها هو الشعب يختار في تجربة ديمقراطية نزيهة رئيساً مستقلاً نزيهاً عروبياً، يبدو من مقدماته أنه ليس عدواً لدينه ولا لوطنه ولا لقوميته العربية، والعبرة تظل بالخواتيم لا بالمقدمات، وإنا لمنتظرون مترقبون، كما أن الانتخابات أعادت حزب النهضة الإسلامي إلى الواجهة، بعد التآمر والاحتجاج عليه، وتنازله عن الحكم بعد الثورة.

هذا الذي حدث يؤكد على أن الإجابة ما تزال تونس؛ فكل الإجابات الأخرى سواء في مصر أو سوريا أو اليمن أو ليبيا إجابات خاطئة، أخطأ أصحابها المُمْتَحنون، أو أراد لها العالم كله أن تكون إجابات خاطئة مهما أجاد أصحابها ومهما بذلوا في محاولة الإصابة.

هذا الذي حدث يؤكد على أن الإجابة ما تزال تونس؛ فكل الإجابات الأخرى سواء في مصر أو سوريا أو اليمن أو ليبيا إجابات خاطئة، أخطأ أصحابها المُمْتَحنون، أو أراد لها العالم كله أن تكون إجابات خاطئة مهما أجاد أصحابها ومهما بذلوا في محاولة الإصابة

تجربة تونس -فيما هي عليه اليوم- تجربة ملهمة مبشّرة، والعبرة كما قلنا بالخواتيم، ولا أظن أن العالم سيترك تجربة عربية إسلامية نحو الديمقراطية والتحرر لتسير بهذا النجاح وهذه السلاسة.

واليقين أن التآمر سيستمر عليها من الداخل والخارج، وبقدر تيقظ التونسيين، وقدرتهم على أخذ العبر من التجارب حولهم، بقدر ما سيكون نجاحهم الدائم، في الحفاظ على ثورتهم وديمقراطيتهم وحريتهم.

والخوف الأكبر في التجربة التونسية يكمن -من وجهة نظري- في التجربة الإسلامية فيها وما طرأ ويطرأ عليها من تغيرات حركية وفكرية؛ فحزب النهضة قد بادر بمراجعات حركية وفكرية في الآونة الأخيرة يُخشى من ظاهرها أن تكون قد أخرجته من كونه حزباً إسلامياً ذا مرجعية فكرية إسلامية إلى حزب سياسي ديمقراطي لا غير؛ فقد أعلنت حركة النهضة تحولها لحزب سياسي بالكلّية، والتخلي عن الجانب الدعوي فيها، ومن ثم الجانب التربوي كذلك.

وإنّ ذلك إنْ كان حقيقيا وصادقاً، لا تقيّة فيه ولا مرحلية، لينذرُ بانتهاء الحركة الإسلامية التونسية، وتحولها لمجرد حزب سياسي اجتماعي، لا ينظر إلا للقضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بنظرة المصلحة لا غير، وهذه هي عين النظرة العلمانية.

المشروع الإسلامي - الذي وُجدت من أجله الحركة الإسلامية - هو مشروع أكبر من المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، يقوم على الدين ونشره وحمايته، وتطبيق منهجيته في كل الأصول والفروع، ورد كل صغير وكبير إليه، والسعي من بعد ذلك لفكرة الأمة الإسلامية الجامعة، والخلافة الإسلامية الموعودة.

فإن تخلت الحركة الإسلامية وأحزابها عن ذلك، فهي مجرد أحزاب سياسية واجتماعية، ليس هناك ما يميزها عن غيرها من الأحزاب الأخرى، ولن تُقبل الشعوب عليها، فإقبالها ليس إلا لإسلاميتها أولاً وقبل أي شيء آخر، وفي الوقت الذي ستتخلى فيه عن إسلاميتها ستنفض الجموع عنها.

الإجابة ما تزال تونس، وعرسها الديمقراطي عرس مبهج، يفرح الشعوب العربية كلها التي تتطلع لمثله في كل البلدان العربية، والخوف على هذه التجربة سيستمر، فالتآمر عليها سيستمر وسيزداد، والعبرة تظل بالخواتيم، والله المستعان أولاً وآخراً.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتب وشاعر وروائي مصري، مهتم بالفكر الإسلامي والحركة الإسلامية

شاهد أيضاً

التعلق بالوصول لا المسير

تخيل أسرة خرجت في نزهة بالسيارة، متوجهة لجهة بعينها، تمر عبر طريق زراعي يطل على …