“التنمر الزوجي” والحياد عن الهدف الرئيس للزواج ..أسبابه وعلاجه

الرئيسية » تحقيقات وحوارات خاصة » “التنمر الزوجي” والحياد عن الهدف الرئيس للزواج ..أسبابه وعلاجه
divorce10-1091x520-c

القلعاوي: التنمر يُفسد الحياة الزوجية، فقد يؤدى إلى الكراهية والبغض وعدم قبول الآخر، وقد يصل إلى الطلاق، ومع زيادة التنمر قد يصل المتنمر عليه إلى مرحلة محاولة التخلص من الطرف المُتنمِر نتيجة الضغوط النفسية.

الشاعر: يجب أولاً فهم سبب التنمر؟ فقد يكون ظرفاً استثنائياً يمر به الزوج وجعله يتصرف على غير عادته كأن يمر بأزمة اقتصادية أو نفسية.

كان النبي-صلّى الله عليه وسلم- ليناً من غير ضعف، قوياً من غير عُنف، وقد كان يرفض بأن تتزوج النساء ممن يضربهن، فعن فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، قالت:" إِنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى، وَلَا نَفَقَةً، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي)، فَآذَنْتُهُ، فَخَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ، وَأَبُو جَهْم، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْد، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌ، لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ، وَلَكِنْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ)، فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا: أُسَامَةُ! أُسَامَةُ!، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (طَاعَةُ اللهِ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ خَيْرٌ لَك، قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُهُ، فَاغْتَبَطْتُ) (رواه مسلم).

فما هو التنمر الزوجي؟ وما هي الأسباب التي تدفع أحد الزوجين للتنمر على الآخر؟ وكيف يؤثر التنمر على الحياة الزوجية بشكلٍ عام، وعلى الجانب النفسي للمُتَنَمّر عليه؟ وهل يمكن علاج التنمر الزوجي؟

هذه الأسئلة وغيرها، يُجيب عليها التقرير التالي:

حياد عن الهدف الرئيس للزواج

من جهته، قال الدكتور محمود القلعاوي -المختص في الارشاد الأسري والعلاقات الزوجية-: "إنّ الأصل في الزواج أنه علاقة سامية قائمة على الحب والاحترام والتراحم والتحاب، قال تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَة} [الروم:21] ويُعد الزواج من أعظم النعم التي أنعم الله تعالى بها على عباده".

د. محمود القلعاوي: التنمر الزوجي هو لون من ألوان العنف والإيذاء والسخرية والإساءة الموجهة من قِبل الزوج أو الزوجة تجاه الطرف الآخر

وأضاف أنّ "الزواج هو الرباط المقدس المبني على المودة والحب والرحمة، ولهذا لا بد من التعاون والصراحة والتجديد للحفاظ على جمال الحياة لنصل للراحة النفسية والجسدية"، مستدركاً "أمّا التنمر الزوجي فهو حياد عن الهدف الرئيس للزواج، وهو لون من ألوان العنف والإيذاء والسخرية والإساءة الموجهة من قِبل الزوج أو الزوجة تجاه الطرف الآخر، وهو بالتأكيد الأضعف في العلاقة".

وذكر القلعاوي بأنّ التنمر قد يظهر في فترة الخطوبة وقد لا يظهر، وذلك بحسب الأسباب المكونة للتنمر، فإذا كان سبب وجوده هو الأسرة التي تربى فيها فيحاول فرض النموذج الذي عاش فيه.

أسباب التنمر

ونوه إلى أن التنمر قد يكون لفظياً أو جسدياً أو عاطفياً، وقد يُمارس في الحياة الزوجية لأسبابٍ متعددة، منها: حب السيطرة وربما خوف الرجل من خيانة زوجته، أو ربما لأنّ الزوج المتنمر يرى أنّه أسلوب يدير به حياته الزوجية"، مضيفاً أنّ البعض قد يمارس التنمر نتيجة نقص في شخصيته وعدم ثقته بنفسه، وقد يكون طريقة لإثبات ذاته ، وربما يحاول البعض بالتنمر أن يكون (الرقم واحد) فهو طريقة لإثبات نجاحه وتقدمه، وقد تكون الزوجة متقدمة على زوجها علمياً أو اجتماعياً فيتنمر عليها ليثبت ذاته.

تأثير التنمر على الجانب النفسي

وحول تأثير التنمر على الحياة الزوجية بشكلٍ عام، وعلى الجانب النفسي للمتنمر عليه، يقول القلعاوي:" إنّ ظاهرة التنمر عموماً تؤدي إلى مشاكل كثيرة، منها: النفسي والعاطفي، كالاكتئاب والانطوائية والقلق والشعور بالوحدة، وقد يصل الأمر إلى الانتحار في بعض الحالات الغير واعية وهذه أسوأ مخاطر التنمر".

وأشار إلى أنّ التنمر يُفسد الحياة الزوجية، فقد يؤدى إلى الكراهية والبغض وعدم قبول الآخر، بل قد يصل إلى الطلاق، ومع زيادة التنمر قد يصل المتنمر عليه إلى مرحلة محاولة التخلص من الطرف المُتنمِر بالقتل أو إحداث عاهة في جسده، وكله مُنطَلِق من الانتقام نتيجة الضغوط النفسية.

نصائح للتخلص من التنمر

ونوه القلعاوي إلى أنّ هناك بعض الأفكار التي يمكن طرحها للطرفين للخروج من هذا النفق، وإن اختلفت الأسباب والمُلابسات، وهي:

1- اجعليه يبدأ بالكلام واجعلي ردودك واضحة مختصرة ومغلقة: فمحاولة تقليل الكلام تغلق كثيراً من أبواب التنمر، أما كثرة الكلام ففي الغالب تفتح أبواب الحديث والخلاف والوصول لمرحلة التنمر.

2- لا للفراغ: فالفراغ يفتح أبواب الشرور، فانشغل بالنافع من طاعة وصلاة وأعمال البيت والحركة النافعة كل هذا يغلق علينا أبواب الشرور.

3- اغمريه بالحب: فالقلوب لها سلطانها والكلام الجميل لا شك له سحره وأثره، اغمريه بالحب والحنان }قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى{ [البقرة: 263].

الاستمرار والتكرار من شروط التنمر

ومن ناحيته، قال الدكتور درداح الشاعر أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة الأقصى بغزة: "إن المقصود بالتنمر بشكلٍ عام هو العنف، وقد يكون ذلك العنف نفسياً أو جسدياً أو معنوياً أو مادياً أو جنسياً أو لفظياً".

د. درداح الشاعر: التنشئة الاجتماعية وأسلوب التربية الذي تربى عليه الرجل في بيت والده هو سبب رئيس للتنمر، بالإضافة إلى أن بعض المتدينين من الرجال قد يفهموا الدين والقوامة بشكلٍ خاطئ فيمارسوا التنمر من باب القوامة

ومن علامات التنمر أوضح الشاعر أنها تتمثل بـ" كثرة اللوم، والصوت العالي، والغضب الدائم، والانتقاد المستمر للشكل أو اللباس أو الأكل، والعصبية والشتم والسب، وتكذيب الحقيقة، والاختلاق الدائم للمشاكل اليومية، والتجاهل المتعمد، والتهديد، والعزل التام والمنع من الخروج للزيارات والمشاركات العائلية، والضرب".

وشدد على أنّ التنمر من شروطه الاستمرار "فلا يمكن أن نحكم على الشخص بأنّه مُتنمر إلا إذا تكرر الأمر، فإذا هدّد الرجل زوجته مرة أو ضربها مرة فلا يسمى متنمّراً"، مبيناً أنّ هناك تنمر يُمكن تحمله؛ لأنه يكون فيه نوع من الأمان، لكن بعض التنمر يكون خطيراً فيولّد الاكتئاب والقلق، والبعض يفقد الشهية للأكل والبعض يفقد النوم لعدم وجود الأمان.

أسباب تنمر بعض الرجال

وحول الأسباب التي تدفع بعض الرجال للتنمر على زوجاتهم، قال الشاعر: "إن التنشئة الاجتماعية وأسلوب التربية الذي تربّى عليه الرجل في بيت والده كأن يعتاد أن يرى والده يتنمر على أمه مثلاً، وتربى في بيت يقوم على العنف والضرب والصوت العالي، فعندما يتزوج يطبق النموذج الذي اعتاد عليه، فالجانب التربوي هو سبب رئيس للتنمر، على حد تعبيره.

وأضاف أنّ "بعض المتدينين من الرجال قد يفهموا الدين والقوامة بشكلٍ خاطئ، فيمارسون الضرب والحبس والصراخ بصوتٍ عالٍ من باب القوامة، ولو كان هذا المقصود لفعله النبي صلى الله عليه وسلم بل العكس فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (خياركم خياركم لأهله وأنا خيركم لأهله) وكان يوصي بأن يكون الإنسان رقيقاً وطيباً".

ولفت الشاعر إلى أن "طبيعة المهنة عند بعض الرجال تدفعهم للتنمر، فمثلاً بعض الرجال الذين يعملون في الشرطة والعسكر يكونوا عنيفين؛ لأنّ طبيعة حياتهم اليومية عبارة عن أوامر، وإذا لم يُنفِذْ الأمر يُعاقَب فيأخذ هذه العقلية العسكرية للبيت ويطبقها ويصبح متنمراً ويطبق أدبيات المهنة في بيته وهو لا يشعر".

وأما فيما يخص تنمر بعض النساء، ذكر الشاعر أنّ "المرأة أحياناً تُحب السيطرة وتحب تَملُّك زوجها بدافع الغيرة، فتصبح ردود أفعالها مجنونة -تضرب تحبس وهناك قضايا كثيرة في المحاكم- وحتى تملك زوجها تصبح عنيفة وتتنمر عليه".

وأردف قائلاً: "كما أن بعض الزوجات يفهمن استرجاع حقهن بشكلٍ خاطئ، فإذا أخطأ زوجها بحقها تتنمر عليه، وهذا أمر خاطئ فهو عندما يخطئ تتم محاسبته والتحدث معه وليس التنمر عليه، ففهم الحقوق مهم".

الأصل في العلاقة الزوجية المودة والرحمة

واستدلّ الشاعر بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا ينزع من شيءٍ إلا شانه» منوهاً إلى أنّ الرجل الذي يتعامل مع زوجته بالعنف والتنمر حتى تطيعه فهذا يعني أنها تطيعه خوفاً من تنمره، وهذا يلزم أن يتنمر على زوجته مدى الحياة حتى تطيعه، متسائلاً: هل هذه هي حياة المودة والرحمة التي أمرنا بها نبينا الكريم؟!

وتابع "لذلك يجب أن تكون طاعة الزوجة لزوجها عن حب وليس خوف ، والأصل في العلاقة الزوجية المودة والرحمة وليس التنمر والعنف".

علاج التنمر شخصي أو بالاستعانة بطرفٍ آخر

ولفت إلى أنه يجب الإجابة على عدة نقاط قبل علاج مشكلة التنمر، وهي على النحو التالي:

أولاً- أن أفهم لماذا هو متنمر؟ فلا يوجد إنسان مُتنمر من أول يوم زواج إلاّ إذا كان تربوياً هو متنمر وهذه مصيبة، لكن قد يكون ظرفاً استثنائياً يمر به جعله يتصرف على غير عادته، كأن يمر بأزمة اقتصادية أو نفسية، فإذا عرفت السبب تجاوزت المشكلة.

ثانياً- المتنمر يشعر بالنقص، لذلك يجب أن أعطيه الاهتمام والاحترام وأُشعِره أنّه رقم 1 في العالم.

ثالثاً- إشباع رغباته، فبعض الأزواج يكون عندهم رغبات عاطفية إذا لم يتم إشباعها يتحول إلى وحش وإنسان متنمر وشخص عنيف متوتر، فإذا كانت عنده مشكلة عاطفية يجب إشباعها، وإشباع الرغبات النفسية والجسدية.

رابعاً- محاولة ترك مسافة بين الزوجين؛ لأنه عندما يكون الطرفان مع بعضهما البعض طوال الوقت يصبحا يختلقان المشاكل من لا شيء، "وكثرة المشاكل من علامات التنمر أحياناً"، لذلك اتركوا مساحات شخصية بينكم، فبعض الرجال يحبون البحر أو ممارسة الرياضة، وبعض النساء يُحببن الجلوس مع صديقاتهن فلا مانع من ذلك.

خامساً- إذا لم تنفع كل الطرق بوقف التنمر يجب الذهاب لمستشار أو خبير لعلاج المشكلة، كما يمكن اللجوء لطرفٍ ثالث نثق به ويكون مقرباً للعائلة وله مكانة عند الزوجين، أخيراً يمكن الاستعانة بالقضاء والقانون إذا وصل التنمر لمرحلة عقيمة.

وختم حديثه بالقول: "إنّ الزواج ليس اختناقاً، بل لابد أن يكون فيه ثقة وخطوطاً عامة واضحة عند الطرفين منذ بدايته ، ولذلك يجب البحث عن تاريخ الشاب أو البنت عند الإقبال على الزواج لمعرفة البيئة التي تربوا فيها".

 

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
صحفية فلسطينية مقيمة في قطاع غزة، حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والاعلام من الجامعة الاسلامية بغزة عام 2011م، وكاتبة في موقع "بصائر" الإلكتروني، وصحيفة "الشباب" الصادرة شهرياً عن الكتلة الاسلامية في قطاع غزة. وعملت في العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية أبرزها صحيفة فلسطين، وصحيفة نور الاقتصادية، وصحيفة العربي الجديد.

شاهد أيضاً

النفاق الاجتماعي.. كذبٌ على الذات في سبيل الملذات

إنّ شخصية المنافق متآمرة بطبيعتها، تظهر غير ما تبطن، تعمل في الظلام، وتثير الفتن والدسائس، …