المقاومة الفلسطينية و محاولات الصمود فوق رقعة الشطرنج

الرئيسية » بأقلامكم » المقاومة الفلسطينية و محاولات الصمود فوق رقعة الشطرنج
gaza- hamas3

ثمة تغيرات استراتيجية تحدث في إدارة الصراع من قبل (إسرائيل)، فقد كانت العمليات الصهيونية دوما ضد المقاومة ترتبط بتوقيتات سياسية و ظروف انتخابية، أو ممارسة الضغط على قطاع غزة من أجل تمرير صفقات داخل المحيط العربي، لكن الآن يبدو أن الصراع تحول إلى حالة الندية، و أن العدو بات يعيش حالة الانكسار أمام المقاومة و قدرتها على الصمود، و أن قراءة الواقع تشير إلى أن المعركة أصبحت مستحيلة الحسم طالما لم تُلقِ المقاومة سلاحها، بل أعتقد أن عدم قدرة الصهاينة على اختراق منظومة حماس الإستخباراتية و اكتشاف ممتلكاتها العسكرية، يجعل الصهاينة في حالة تصعيد دائم لاختبار قدرات حماس العسكرية ومدى تطورها.

لم تعد المعركة رحلة ترفيهية يطلقها السياسيون الصهاينة من أجل نجاح الانتخابات، و إنما أصبحت حالة حرب مستمرة من أجل معرفة حدود حماس العسكرية و قدرتها العملياتية في الحرب الشاملة على مستوى منظومة الصواريخ والعمليات البرية.

بعيداً عن استخدام التعبيرات العنترية و الحماسية في قراءة الواقع محاولاً أن أضع الأمور في إطار التقييم، و بعيدا أيضا عن التنظير الذي لا يضيف ثمينا للقارىء الكريم، و بعيداً عن الاشتباك بالواقع الفلسطيني الداخلي و فصل سلوك السلطة الفلسطينية عن الحاضنة الشعبية التي تلتزم عقائدياً بتحرير الأرض. ورغم قسوة دراسة تفاصيل المشهد الذي تديره حماس باقتدار مع فقدان الظهير العربي سواء على المستوى الشعبي أو المؤسسي، إلا أن حماس تتعاطى السياسة باحتراف و عبقرية في إدارة الأحداث، ظهر ذلك شاهداً في بداية الثورة السورية مع وجود قادتها في سوريا بعد أن حاولوا إيجاد مصالحة حقيقة بين الشعب والنظام و لكن دون جدوى. رغم اندماجها مع قطاعات الشعب هناك وحبهم لرجالها إلا أن الحركة خرجت دون أي مساس بالشأن الداخلي السوري.

أيضاً تعاملت حماس برقي وعبقرية السياسيين إبان أحداث ثورة يناير في مصر فلم تجد بياناً واحداً للحركه يدعم التدخل في الشأن المصري، أو حتى في لحظات الانقلاب العسكري على الرئيس مرسي الذي خسر معه الشعب الفلسطيني الظهير القوي الشعبي و الحكومي. إلا أن الرجال ربطوا جراحهم و لم يتألموا ولم يتدخلوا في الأحداث لا من قريب أو بعيد.

قد يتساءل كثيرون عن الطبيعة الاحترافية للأداء السياسي لحركة حماس، والارتقاء السريع في إجادة فن إدارة رقعة الشطرنج، على المستويين الإقليمي والدولي، وامتلاك رؤية متكاملة لاستراتيجية إدارة الصراع ضد الكيان الصهيوني، على المديين القصير والبعيد.

المقاومة الفلسطينية تتحدث كدولة، والتنسيق بين الفصائل الفلسطينية، الآن، في أعلى مستوياته، جميعهم مع حركة حماس، يتحدثون بالمبادئ نفسها، و يتمركزون على أرضية واحدة، فرضتها القدرة العسكرية لكتائب القسام. إضافة إلى التكامل ودقه الاتصال بين جبهات المعركة والأطراف السياسية التي تتحرك وتتفاوض دبلوماسيّاً، وهو ما يظهر المقاومة سائرة في طريق سلوك دولة كبيرة مكتملة الأركان.

وحتى لا يظن القارئ الكريم أنني عاطفي في حديثي عن المقاومة الفلسطينية أو خيالياً أكثر، أقول هنا أن ثمة مهمة أساسية على قادة الحركة الالتزام بها و هم أن يظل الخطان السياسي و العسكري متوازيين و أن لا يسبق الخط السياسي نظيره العسكري تحت وطأة قوة الحاضنة الشعبية في غزة، فما زال الطريق طويلا و مازال العدو يتفوق عسكريا بمراحل كبيرة ذلك حتى نضع الأمور في الميزان و لا ندفن روؤسنا في التراب، الصواريخ التي تعبر من غزة لن تسقط (إسرائيل) و لن تحقق توازن الرعب في المدى القريب مقارنة بالخسائر في جانب أهل غزة، إلا أنه النصر المعنوي الذي تحققه غزة كنقطة مضيئة في خريطة العرب يصعب هزيمتها، و خاصة بعد أن فقدت الحركة الظهير الجماهيري في بلاد العرب بعد الارتدادات العنيفة من قبل الدولة العميقة للثورات العربية.

قبل أن نبحث في آليات تعاطي السياسة لدى حماس، وأبعاد رؤيتها الاستراتيجية في إدارة الصراع، علينا أن ننتبه إلى أنها تعي جيداً عدد الأوراق الفاعلة والضاغطة التي تمتلكها، ومتى وكيف تستطيع أن تستغلها. ودقة تنظيم الأدوار بين أعضائها على مستوى المكتب السياسي، وأيضاً دقة الضبط والخطاب الإعلامي الراسخ والموجه، والذي يعتمد على دقة توجيه البوصلة من قادة السياسة، تجري الإشارة إلى تماسك الجبهة الداخلية لحركة حماس والمقاومة الفلسطينية وعلاقتها بالداخل الفلسطيني، حيث عدد الشهداء يتزايد، ومع ذلك، تجد الشعب الفلسطيني في غزة لا يلقي اللوم على المقاومة، كما تفعل الحكومات العربية، متذرعة بالحرص على أرواح الفلسطينيين، وإنما تجد أروع آيات الصمود والتحدّي، وهذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه أية حركة مقاومة في العالم، وقد انتصرت فيه حماس وتفوقت على نفسها، في بناء جبهة داخلية قوية، تؤمن بالمقاومة خياراً استراتيجياً، وليس السلام المبني على التطبيع والإذلال..

المعركة السياسية لا تقل شراسة وضراوة عن معركة الميدان، وفي غياب الظهير الرسمي، الذي بدا منحازاً للطرف الآخر في مبادرته، كان يتعين على الحركة البحث بدقة عن أدوار فاعلة إقليمية، تستطيع أن تعمل على تحقيق مطالب التحرر، المقاومة، إجمالاً تصدر خطاباً إعلاميّاً متزناً، لم ينصرف لإيجاد جبهات خلافية مع الأقارب العرب، ولم ينجر إلى معارك كلامية مع الإعلام الرسمي لبعض الدول التي تجني كثيراً على المقاومة، وبقيت المقاومة وأجهزتها الإعلامية محتفظة بحق الرد، مركزة مجهودها في مواجهة العدوان عليها وعلى شعبها. إدراك أوراق اللعبة ظهر جلياً لدى أعضاء المكتب السياسي لحماس في كل الاختبارات السابقة و ضبط الأحبال الصوتية للسياسيين كان محترفاً في كل مرة، حيث احتاطوا جيداً وخططوا لمعركة طويلة الأمد، فلم تغرهم نجاحاتهم الميدانية بأن يندفعوا، أو ينفلتوا إعلاميّاً أو دبلوماسيّاً، وإنما يأتي الاتزان في إدارة الصراع من إدراك أهمية المعركة وتطوراتها على الأرض ومتطلباتها، وإن البناء الصلب للهيكلية التنظيمية للحركة، جعل استحالة وصعوبة في اختراقها مخابراتيا.

نحن أمام حركة تعبر عن دولة مقاومة، وعن ضمير أمة، وعن شرف العروبة، لا نستطيع أن نتجاوز بالتحليل مهارة المقاومة في إدارة المعركة، ولا إبداعاتها في التعاطي مع الصراع سياسياً رغم صعوبة وعورة الطريق العسكري، لكن تظل غزة النقطة المضيئة التي تعبر عن انتصاراتنا المعنوية بثوابت عقائدية لا يمكن إسقاطها من الصراع.

معلومات الموضوع

اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال

شاهد أيضاً

لو كنتَ مديرا لمدرسة ثانوية؟

المدرسةُ من أكثرِ المصانع قداسةَ في المجتمعِ، فهي تستقبلُ الطلبَة لا يعلمون من العلومِ إلا …